نعمل لرضاها فلا نجد سوى عصاها

حجم الخط
0

من يراجع ملف العلاقات العربية الرسمية مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة سوف يصاب بصدمة بالغة، وقد يدخل في غيبوبة فكرية وسياسية لن يصحو منها أبدا، فالخدمات الجليلة التي قدمتها الدول العربية للمصالح الأمريكية قد لا تتسع الصفحات لسردها وذكرها، ولا أبالغ إذا قلت جازما وقاطعا بأننا قد نكون الوحيدين في هذا العالم الذين لم يعصوا لها أمرا واحدا في يوم من الأيام. ماذا تريد الولايات المتحدة أكثر من ذلك حتى تعطينا ولو قليلا من حبها ورضاها؟ فقد أخذت النفط والغاز، وأخذت الصحراء والجبل والوادي، أخذت كرامتنا وشرفنا وأعراضنا، وأخذت المليارات والذهب والفضة، وداست على كل المقدسات والمحرمات، طائراتها التي صالت وجالت في هذه السماء العربية ألقت فوق رؤوسنا أبشع أنواع الصواريخ والقنابل، وجنودها العابرين للبحار والقارات نفذوا على أرضنا العربية أفضل ما لديهم من الاستعراضات البهلوانية، وفي الوقت الذي كنا نعاملهم كالضيوف الذين وجب علينا إكرامهم فهم كانوا دائما يكسرون فنجان الضيافة ولا يعيرون اهتماما للأحضان التي كنا نفتحها لهم. من أجل العيون والخواطر الأمريكية تركنا الحج إلى البيت العتيق وإخترانا الطواف حول بيتها الأبيض والتمسح عند عتباته، تركنا كل قمح الدنيا واخترنا قمحها لنصنع منه رغيف خبزنا بالرغم من كل الذل الذي كنا نتجرعه معه ونحن نتناوله مكرهين، ولم نترك لها في مخازنها العسكرية فائضا عن حاجاتها إلا وقمنا بشرائه فرمال صحرائنا أولى أن يدفن فيها، وسلمناها مفاتيح حساباتنا وأرصدتنا لكي لا يتعثر ابدا دولارها، ووضعنا العباءة العربية على أكتاف رؤسائها، وحملناهم سيوفنا وبكل ما فيها من تاريخ على أمل أن نغير قليلا من العداوة التي تملأ قلوبهم نحونا ولكن بلا فائدة، فقرارهم كان دائما يصب في مصلحة القلنسوة الصهيونية التي كانوا يرتدونها عند حائط ‘المبكى’ في قدسنا المغتصبة. آخر مستجدات العداء والضغط والعتاب هو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في حديثها إلى صحيفة ‘النهار’ اللبنانية، فالوزيرة أبدت غضبها وعدم رضاها عن ‘سلوك’ بعض الأنظمة العربية لأنه لم يرق إلى مستوى الآمال والتوقعات الأمريكية من ناحية، ولا إلى مستوى الواجبات والأعراف الدولية من ناحية أخرى، وكانت تقصد القطر العربي السوري، والذي اتهمته وحملته مسؤولية تقويض أمن لبنان وسيادته، الأمر الذي لا يمكن أن تتسامح معه الولايات المتحدة أبدا لأنها تريد أن يبقى لبنان سيدا ومستقلا ومستقرا وصلبا مثل الصخور وغير قابل للاهتزاز!. وتابعت الوزيرة حديثها بالقول ‘نحن نقوم بتحذير الجميع، بما فيهم سورية من أخطار سوء تقدير الحسابات’ لأن إدارة الرئيس أوباما لا يمكن أن تقبل بأقل من ‘التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل وجيرانها’ وحتى لا تندلع الاضطرابات في المنطقة بطريقة لا تخدم مصالح أي طرف. انطلقنا من تاريخ العلاقة حتى وصلنا إلى حاضرها والتي يريدون فيها أن يضعوا لدولنا ‘مدونة سلوك’، فهل تغير شيء على نظرة وسياسات ومواقف الولايات المتحدة من منطقتنا وقضاياها؟ نعم، فالبوصلة والمؤشرات تتجه نحو الأسوأ وعلى كل الاصعدة، إلا إذا كان الزعماء والقادة العرب يسمعون كلاما مغايرا في الغرف المغلقة وهذا ما لا نستطيع التكهن به، فنحن غلابى وفقراء هذة الأمة لنا دائما ما نراه على أرض الواقع وما ينزل على رؤوسنا من بلاء، ولنا ما تنقله الصحف ووسائل الاعلام من تهديد ووعيد يومي، وهذا لم يعد بحاجة إلى تعليق فقد يكون السكوت أفضل!! د. امديرس القادري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية