د. علي الصكرعام 2004 أعلنت صنعاء عاصمة للثقافة العربية، الإخوة اليمنيون بظرفهم المعهود سارعوا الى التندر والتهكم واستبدال كلمة (الثقافة) بكلمات أخر من وزنها! مبعث التندر أن صنعاء مثل غيرها من مدن اليمن (السعيد) لديها من هموم الحياة اليومية (خيرات) وأن إعلان المدينة عاصمة للثقافة لا يسمن ولا يغني من جوع . ومع استمرار التقليد البروتوكولي بتعيين عواصم الثقافة سنوياً وبالدور مرة وحسب الحروف الأبجدية مرة أخرى أُفرغ مفهوم عاصمة الثقافة من محتواه الريادي الخطير ليصبح – مثل القمم العربية – مجرد مناسبة لا يكترث لها الناس ويتابعونها في بيوتهم من شاشة التلفاز بفتور شديد كمباراة كرة قدم بين فريقين من الدرجة الثانية . وإذا كان حال صنعاء عام 2004 أفضل من حال بغداد عام 2013 ببضع مرات فإن حال الثقافة العربية آنذاك أفضل من حالها اليوم – لا شك – بآلاف المرات. ولعلنا لا نغالي في الزعم بأن بغداد كانت حقا عاصمة ً للثقافة بل الحضارة العربية منذ أن اختطها الخليفة أبو جعفر المنصور قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا . عاصمةً للسياسة والفكر والفقه والتصوف والشعر والنثر والترجمة والغناء والموسيقى قبل أن يعين – بل قبل أن يولد – أول وزير عربي للثقافة – بوقت طويل. بغداد الرشيد والمأمون كانت عاصمة لثقافة العرب وحاضنة لثقافة العالم بأسره دون إعلان رسمي من مجلس أو جهة. أيام كانت (ذهب الزمان وضوعه العطر) كما تقول السيدة فيروز، أيام كان السحاب ينزل مطرا أنى يشاء فيأتيها خراجه . أيام الجاحظ والخليل فأبي تمام وأبي الطيب. ولم تكن بغداد تأبه بمن يهبها ( شرف) احتضان الثقافة العربية – لمدة عام واحد فقط بعد أخذ ورد مع تحفظ البعض وامتناع البعض الآخر عن التصويت – أيام الرصافي والزهاوي فالجواهري فالسياب ونازك فالبياتي وسعدي و… وأيام كانت بغداد تكتب وتطبع وتنشر وتقرأ..بينما تغط العواصم غيرها في نومٍ عميق. لكنها اليوم تنتظر بلهفة ورجاء إعلانها عاصمة للثقافة العربية بقرار رسمي بائس يوم أقفرت من معطيات الثقافة كما تقفر شوارعها بعد صلاة العصر ويوم صار المرء فيها يموه عن اسمه واسم عائلته حذر الخطف أو الاغتيال ، يوم خوت مكتباتها ونهبت متاحفها واندرست معالمها فانتشر باعة حبوب الهلوسة والحبوب المنشطة والأفلام الإباحية تحت نصب جواد سليم وتحت جدارية فائق حسن، كما إحتل باعة (الخردة والملابس المستعملة) الأروقة المؤدية الى المتحف الوطني للفن الحديث الذي أصبح نسياً منسيا. ويوم اندثرت فيها صالات المسرح ودور السينما فتحول بعضها الى مطاعم شعبية والبعض الآخر لحانات فقنعت بمسرح واحد لا غير يؤجر- أحيانا لفرق الكوميديا الهابطة . لكل ما تقدم أرى أن بغدادَ – اليوم – خير عاصمة للثقافة العربية التي هزلت هزالاً شديداً وبان من هزالها لحاها وسامها كل جاهل. إنها – اليوم – عاصمة الثقافة العربية دون منازع : ثقافة طمس الحقائق وخلط الأوراق والإقصاء والتطرف الديني والانحياز المذهبي والتعصب القبلي التي أحالت الربيع الأخضر البهيج الى أحمر دام ٍ نرتجف منه رعباًً وعلى هذا المنوال سنواصل الاحتفال السنوي بثقافتنا ونحميها من الاندثار. وعلى هذا النحو وتلك الوتيرة سنختلفُ ثم نتفق سنوياً حول العاصمةِ المقبلة لثقافتنا ومن يدري قد نشهد في عامٍ قابل اختيار موقاديشو أو دارفور عاصمة للثقافة العربية وكلاهما – لعمري خير خلفٍ لخيرِ سلفْ. [email protected] qadqpt