نعم ولا: ابن عربي والفكر المنفتح لمحمد المصباحي
نعم ولا: ابن عربي والفكر المنفتح لمحمد المصباحيالرباط ـ القدس العربي : للكاتب المغربي محمد المصباحي صدر عن دار ما بعد الحداثة في المغرب كتاب بعنوان نعم ولا: ابن عربي والفكر المنفتح ، هنا مقدمة هذا الكتاب:كانت الفلسفة بالنسبة للشيخ الأكبر كالممنوعة كشفاً، ومع ذلك فقد أَبَي إلا أن يمدّ عينيه إليها، عيني الخيال والعقل. فكانت رؤية الفلسفة من جنس الأمور المذمومة في نظر العوام، المحمودة في تصور أهل الشهود. وكانت الغاية من ممارسة الرؤية المعصومة من موانع الشريعة ومحاذير العقل أن يجعل من تفكيره ملتقي بحرين: بحر الفلسفة وبحر التصوف، مع أخذه بعين الاعتبار برزخ الشريعة. فكان صُنعه هذا غير مألوف بالنسبة لأهل النظر وأهل الكشف وأهل الشريعة معاً. لم تكن هذه الفرادة النادرة بالضبط نتيجة رفض وتَنَطُّع لهذه الفضاءات، وإنما كانت نتيجة جمع بينها، وهذا ما كان يغيظ البعض من أهالي هذه المجالات الثلاثة، ويثير البعض الآخر إثارة إعجاب وانبهار. نعم، لقد كان الجمع طرحا أحيانا، ولكنه كان ضربا أحيانا كثيرة. فقد عدّل به وانتقد، ولكنه أغني به وتجاوز. كان يقتبس المفهوم أو الرؤية من الفلسفة أو الشريعة أو العرفان السابق عليه، ولكنه كان يحوّله ويحوّره إلي درجة الانقلاب إلي ضده. ولن يخطئ المرء رؤية علامات الضرب الكثيرة في متنه، فقد كان يحلو له أن يردد أن العالم كله خيال في خيال ، وأن المعرفة حجاب في حجاب . ولم يكن هذا الضرب ، المثير للجدل، السبب الوحيد لتطرّفه وخروجه عن المألوف، بل كان الجمع أخطر منه، لأن الجمع بين المتقابلين، ضدين كانا أو متناقضين، (كجمعه بين الممكن والمحال، بين المادة والروح، بين الدنيا والآخرة، بين الشريعة والفلسفة، بين العقل والخيال، بين علوم الأوائل وعلوم الأسرار، بين الديانات المتقابلة…) يقذف بالفكر وراء مجراه الطبيعي باحثا في ظاهر هذه التقابلات الوجودية والمعرفية عما يوحدها في باطنها. كانت كلمة السر في كل تفكيره الصوفي نسف الحدود، وتفكيك الجدران الاصطناعية بين المقامات والمنازل والمفاهيم والعلوم. ولئن كان إدراك الوحدة وراء التعدد، والهوية وراء الاختلاف، أحد مرامي رياضته الصوفية، فإن إثارة الاختلاف و استحداث المغايرة والمقابلة كان أحد ممارساته المفضلة. فالوحدة التي لا اختلاف فيها لا يعول عليها، ولكن أيضا الاختلاف الذي لا تسري فيه الوحدة، عدم في عدم. فتشقيق واستحداث الاختلافات بين التجليات والحُجُب والحضرات والبرازخ والصور والموجودات والعلوم والمقامات والأحوال… إلي حد الهذيان، لم يكن ينسيه في البحث عما يجمعها. فالنهر الهيراقليطي لم يكن له معني بدون الواحد البارميندي.لقد أبحرتُ بهذه المقالات، التي يضمها هذا الكتاب، في بحر مناراته كثيرة، لكن لا مرساة له. فكانت هذه الأسفار لا تصميم لها، ولا بوصلة تقودها، اللهم إلا الرغبة في حصول اللقاء الصعب بين التصوف والفلسفة. إنها مغامرة صعبة في فكر تتساوي فيه الأطراف والمركز، وتجتمع فيه الوحدة في قلب التعدد، والثبات في مجري الصيرورة، والتنـزيه في أوج التشبيه، والزمن في بحر الأزل، وكأن فكره مرآة تعكس كل مرايا الكون، وكل شرائع السماء والأرض، بطريقة أصيلة تند عن الضبط. ولعل السبب في هذا الطابع الدائري والمتقلب لفكر ابن عربي هو أن عالمه نابع من حدس وحدة الوجود.أما العبارة التي تكسي هذا الفكر فتطاوعه في تقلبه وجموحه، جامعةً بين الاستدلال والجدل، متنقلة بين البداهة والإشكال، مترددة بين الظاهر والباطن، عبارة يتداخل فيها الشعر بالنثر، والبرهنة بالحكي، والفلسفة بالأساطير، والعلم بالطلسمات، عبارة تطلب منك أن تفتح قلبك لها لينساب مع انسيابها في صيرورة دائمة من فكرة إلي أخري، ومن عشق إلي آخر، صيرورة لا منطق لها، سوي منطق تدفق الألفاظ والمعاني من القلب مباشرة.لقد أَبَي قلب الشيخ الأكبر أن يتقيد بليلي واحدة تستولي صورتها عليه طول العمر، فكان فكره لا مركز له، ولا نقطة جاذبية واحدة ثابتة فيه تجعلك تنطلق منها لاستجماع خيوط أفكاره وتلميحاته. وما ذلك إلا لأن فكره مشروع مفتوح، مراكزه هي هوامشه، وعمقه هو سطحه، فلا هوية ثابتة له، ولا صورة راسخة له لا تفارقه. فالتقلب والحيرة هما باب العلم والعرفان، ومَن لم يذق متعة الحيرة ولذة التقلب لا قلب له. ومن لا قلب له لا يعوّل عليه.بعد كل هذا، هل من الأدب أن نبحث عن سبب لهذا الطابع المتموّج والمتقـــلب لفكر ابن عربي ؟ إذا لم يكــــن بدّ من ذلك، فلنقل إن السبب في ذلك يعود إلي أن هذا الفكر منسوج من مادة الخيال، فشــــكَّل منه عوالم من الصـور والظلال، وحضرات من الحجب والتجليات، وآفاقاً من الرؤي والأحلام، ومنازل من الرموز والتأويلات. إنه عالم حِكائي تأويلي، الخيالات فيه طريق للعبور نحو الحقائق، والعبارة فيه تخرج عن مجراها الطبيعي والاصطلاحي نحو مجاري الشطحات والإشراقات العرفانية. في حضرة الفكر الأكبري كل شيء ممكن، كل مقام يطلب قولا يناسبه أو يقابله. فقد يُعرّف الإنسان بالفكر، فيربطه بعالم الجبر والضرورة، لكنه قد يخاطبه بوصفه أحق كائن بحضرة الخيال من أي كائنٍ آخر، من أجل منحه حرية أوسع، وتقلباً أسرع، وقدرة علي الإبداع والتأثير علي الأشياء والصيرورات. ونعترف بأن الحديث عن ومع ابن عربي محفوف بالمخاطر، ليس فقط لأن النظر إلي قوله بعين العقل هو نظر إليه من وراء حجاب، ولكن أيضا لأن قضاياه يصعب حصرها، وضبط إيقاعها، مما يجعل الوقوف علي استراتيجية هذا القول أمرا في غاية العواصة. وقد يقول قائل إن مكمن الصعوبة فيه يعود إلي أن أصل هذا القول تجربة ذاتية، ومَن لا يختبرها من الداخل لا يستطيع النفاذ إليها والتعبير عنها. ولكن فلنُجرِّب، لعلّنا نثبت أن هذا التحذير هو مجرد حيلة خطابية لاجتذاب أهل الفكر والوجدان لهذا الجنس المدهش من القول البشري، الذي يبدو في ظاهره مضادا للفلسفة، لكنه يختزن في باطنه كل الفلسفات الممكنة. 0