نفاق الغرب ورياء العرب

حجم الخط
0

نفاق الغرب ورياء العرب

اغناطيوس غوتيريث دي تيراننفاق الغرب ورياء العرب بعد أسابيع طويلة من اندلاع أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة الي النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) ما زلنا نتساءل عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراء القضية، خاصة وأننا ألفينا بعض الجهات الغربية والاسلامية تبذل جهدها من أجل استغلال القضية، مما أدي الي افلات المسألة من عقالها. وتابع الكثير هنا في الغرب تطورات الأحداث وكأنهم تعذر عليهم الاتزان أمام هذا الكوم الهائل من الحجج والبراهين والمواقف الغريبة الشكل. وفي المقابل، صدرت عن الجانب العربي والاسلامي ردود فعل لم تقل في كثير من الأحيان غرابة واثارة للشك من المواقف الغربية. علي الصعيد الغربي، سمعنا القيمين علي الجريدة الدنماركية صاحبة مبادرة الكاريكاتير المشؤومة ومعها وسائل الاعلام التي أعادت نشر الرسوم، تبادر بالقول انها تدافع عن حرية التعبير وحقها في تعاطي جميع المواضيع دون رقابة بما فيها المحرمات الدينية. وسرعان ما انضمت الي هذا الموقف مجموعة واسعة جدا من السياسيين والمفكرين والقطاعات الاجتماعية التي شجبت المظاهرات الصاخبة المنظمة في بعض الدول الاسلامية والدعوات الي مقاطعة البضائع الدنماركية والأوروبية وما تخللها من أعمال الاعتداء (المحدودة) علي السفارات والبعثات الأوروبية في البلاد الاسلامية. وتفاوتت شدة هذه المواقف من بلد أوروبي الي آخر فالقضية تأججت بشكل ملفت في الدول الاسكندينافية وفرنسا وربما ألمانيا بينما لم تتجاوز حدود النقاش العلني خلال عدد من الأسابيع في بلدان أخري كاسبانيا. وبمعزل عن أحقية عرض هذه الرسوم والدعوة الي احترام جميع الآراء فان المبادرات الأوروبية السياسية والثقافية والاجتماعية والاعلامية التي شددت علي اعادة نشر الرسوم وطرح قضية حرية التعبير، علاوة علي ما زُعم عن معاداة الدين الاسلامي للتسامح وتعدد الآراء، تحمل في أحشائها تناقضات كثيرة يصعب علي المراقب المحايد التجاوز عنها. فلم نلبث أن علمنا أن الصحيفة الرائدة في نشر الرسوم فعلت ذلك بعد أن وجه مفكر دنماركي دعوة مفتوحة الي القراء من أجل ارسال رسوم تصور رسول الاسلام تصويرا ساخرا. وان صح هذا الخبر وفعلا لقد أكده جامع الرسوم ذاته فان المسألة لا ترتبط بعمل فني تلقائي ينبع من منطلقات فكرية وثقافية مستقلة وانما هي متعلقة بمحاولة مبرمجة تهدف الي احداث البلبلة. ومما يدعو الي التأمل والحسبان أن صاحب الملف نفسه اعترف بأن الفكرة طرأت عليه بعد أن تناهي الي سمعه أن دارا من دور النشر أخفقت في ايجاد رسام واحد يقبل تصوير النبي محمد. ومرة أخري يجب أن نسأل عن أسباب هذه الدعوة الغريبة وكأن تصوير مرسل من مرسلي الأديان التوحيدية فريضة من الفرائض علي روّاد فن الكاريكاتور الحديث، ولا بد أن يشار هنا الي أن الفن التصويري الغربي يزخر بسوابق عديدة تم فيها تصوير النبي محمد بطريقة مشينة ومجحفة في غالب الأحيان، كما تحفل الأدبيات الأوروبية بأوصاف وهمية لمظهر النبي محمد وحتي طباعه الأخلاقية وتُعدّ الكوميديا الالهية للكاتب الايطالي دانتي ألياري أحد الأعمال الأكثر تركيزا علي النقطة. لذلك لا يجوز الادعاء بأن الفنون الغربية امتنعت في وقت من الأوقات عن مثل هذه المقومات التصويرية، وذلك علي الرغم من أن الدين الاسلامي يحظر تمثيل خاتم الأنبياء بأي شكل من أشكال. ومن يشك في ما نقول نحيله الي الكتابات واللوحات وحتي النقوش المنتجة في أوروبا من العصور الوسطي الي يومنا هذا فالأمثلة متوفرة. لذلك لا نفهم الحجج والبراهين التي ساقها المدافعون عن حق التعبير. ونزداد حيرة اذا أخذنا بعين الحسبان أن غالبية الجهات الأوروبية المصممة علي اعادة نشر الرسوم المشؤومة تمتنع كل الامتناع عن نشر آراء وأقوال ومواقف تهين معتقدات وشخصيات يرفضون المساس بها. فالجريدة الدنماركية صاحبة المبادرة كانت قد رفضت سابقا نشر رسوم تتطاول علي المسيح رسول الدين المسيحي الأعظم، كما أن هناك وسائل اعلام متدينة منسوبة الي التيار المسيحي الأقل اعتدالا أقدمت علي احتضان القضية من أجل رعاية حرية الرأي، علما بأنها تأبي بل تشجب أي مظاهر تحسبها معتدية علي منطلقاتهم العقائدية. وعلي الصعيد السياسي لا بد أن نذكر ردود الفعل المتصلبة للحكومة الدنماركية قبل انفجار الأزمة اذ استمعنا الي تصريحات رسمية غير لائقة حول الاسلام والمسلمين في أوروبا هي بعيدة كل البعد عن الكياسة الدبلوماسية المألوفة لدي دول الشمال الأوروبي. وكان الأولي بالحكومة أن تدافع عن حق الجرائد المحلية في نشر ما تراه مناسبا والامتثال الي القضاء حالة انتهاكها الآداب أو مشاعر المؤمنين فهذا أمر منوط بالمحاكم، وليس العمل علي تحويل القضية الي قضية سياسية تتطلب تدخلها الشخصي. ثم لدينا واقعة شائكة أخري تعكس بشكل صريح كم النفاق الذي أحاط بالمسألة منذ الوهلة الأولي وهي ازدواجية المعايير بشأن تحديد الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها في مجال التعبير، اذ أن بعض الدول الأوروبية سنت قوانين تمنع منعا باتا التطرق بصورة منبوذة الي مواضيع حساسة كالمحارق النازية مع أن الأخيرة مسألة تاريخية تحولت بحكم المصالح السياسية والايديولوجية الي حرام ممنوع الاقتراب اليه. وليس من الصدف أن نجد العناصر الأكثر امتعاضا من مظاهر الانزعاج في الدول الاسلامية تبادر الي الغلو والتعدي السافر علي الدين الاسلامي لمجرد أنهم مقتنعون بأن هناك صراعا مديدا بين الحضارة المسيحية المتطورة السموحة والحضارة الاسلامية الكظيمة المتحجرة (أو الكيان الاسلامي كيفما يفضلون تسميتها لأنهم يحجمون عن اعدادها حضارة). ولسنا نحن من الداعين الي معاقبة المسؤولين عن نشر وقائع يراها البعض مشينة وانما نطالب باحترام الأسس التي تضمن حرية الرأي مشددين في الوقت ذاته علي حق أي واحد يعتبر نفسه مهانا أو معرضا للشنيعة في اللجوء الي الوسائل القانونية المعترف بها، الا أنه من غير المستحسن تجريح المشاعر الدينية خدمةً لمصالح مشكوك فيها تهدف أكثر ما تهدف الي تغذية نظرية الاصطدام والقطيعة وتحويل الاسلام الي عدو العصر الحديث. ومما يثبت هذا النفاق الغربي السافر القرارات التي اتخذتها بعض الحكومات في سبيل منع ارسال فضائيات عربية واسلامية تنشر علي حد زعم تلك الحكومات الكذب والبهتان علي القيم الحضارية الغربية، أو الملاحقة التي تعرضت لها قناة الجزيرة الموصومة بتشجيع الارهاب لبثها خطابات الزعماء الاسلاميين المتطرفين أو لتقديم أخبار معينة عن تجاوزات القوات المحتلة في أفغانستان والعراق، وكأن تلك الحكومات مستعدة لتعددية الآراء ما دامت الآراء تتوافق بشكل أو آخر بمنظورها الخاص للواقع. والأسوأ بالنسبة لسمعة الآلية الدعائية الغربية أن قســــما من المواطنين الغربيين خصوصا الأوروبيين باتوا يخشون أن تكون الأخبار المشاعة من وسائل الاعلام الاسلامية صحيحة أو شبه صحيحة وان كانت لهجتها مفعمة بالانشائية والغلو، أي أن سبب الحملة عليها ليس دحض الباطل وانما الحيلولة دون اجراء تحليل دقيق للسياسة الخارجية الغربية في العالم الاسلامي.بيد أن مظاهر النفاق الغربي تلقي انعكاسا معكوسا في الجانب المقابل حيث لمسنا رغبة جلية لدي بعض الدوائر الاسلامية الرسمية وغير الرسمية في تحريك القضية والصيد في المياه العكرة. ومما يزيدنا تشكيكا في دوافع تلك الدوائر أن الرسوم عرضت في بعض الصحف الأردنية واليمنية والمصرية في وقت سابق دون أن تثير لغوا يذكر الا عندما اتسعت رقعة الأزمة وتذكر الجميع أن جرائد معينة قد أفسحت المجال لهذه الحملة الشنيعة علي الدين الاسلامي. ولقد استمعنا الي تصريحات رؤساء التحرير لدي الجرائد المعنية فألفيناهم جميعا مشددين علي ضرورة اظهار هذه الرسوم لاثبات بشاعتها ومدي سخفها في آن واحد وليس الاساءة الي أحد. وأشار البعض الي أن مشاركة عدد من الأنظمة العربية في الجدال وتقديم الاحتجاج الرسمي أمام الحكومة الدنماركية دليل علي اضطرار الأنظمة العربية الي منافسة الحركات الاسلامية الصاعدة وتجريدها من ورقة الانفراد بالدفاع عن قيم الأمة ومقدساتها. وربما يفسر هذا الاعتقاد أحداث الشغب المسجلة في سورية وليبيا حيث أجريت مسيرات شعبية يُعتقد أنها حظيت أساسا بمباركة السلطات المحلية، والكل يعرف أن الأنظمة العربية خبيرة في سبل منع المظاهرات وارهاب المشاركين فيها اذا أعدّت هذه المسيرات تهديدا لمصالحها أو لروابطها القوية بالقوي الحليفة كالولايات المتحدة. ان محاولة السيطرة علي القضية الدينية وتهميش الاسلاميين في هذا المجال محاولة سبق أن باءت بالفشل في العقود الماضية. وليس من المعقول أن يسمح الحكم للتيار الاسلامي بقدر من البطولة الاجتماعية المقيدة لاحتواء الغليان الشعبي في حين تسعي السلطة الي وضع العراقيل أمام انضمام القوي السياسية المناهضة للعبة السياسية، ولقد تراجعت المسيرة الانفتاحية الاصلاحية الي ظاهرة شكلية لا معني لها في معظم الدول العربية ان لم نقل جميعها. ويحيرنا أن نري الجماهير الملتهبة تجوب الشوارع دفاعا عن شعائرها الدينية، وثمة ما يبرر غضبهم لأنّ هذه الرسوم مشبوهة الغرض، بينما لم نكد نلاحظ مسيرات حاشدة تبلغ الحدة نفسها في أعقاب قصف أفغانستان أو احتلال العراق أو فضائح أبي غريب أو أي من المواقع التي قتل وجرح وعذب وأهين فيها ألوف المسلمين الأبرياء.خلاصة القول، لا نعرف من هو أكثر تيها وضلالا، المواطن الغربي الممتعض الذي هرول الي المتاجر لشراء السلع الدنماركية والمُطالب المحتقن باتخاذ اجراءات صارمة للتصدي للموجة الاسلامية المعادية للحضارة الغربية وهي مطالبة تنبثق مما تكرره وسائل اعلام غربية جاهلة خبيثة، أو المواطن المسلم المقاطع للسلع نفسها والموقن بأن هناك حملة صليبية جديدة تهدف الي محو الاسلام والاستيلاء علي قدرات الأمة الاسلامية. وتتمثل طليعة هذه الحملة المتجددة في التشهير بأركان الدين الاسلامي من خلال حفنة من الرسوم لم يطلع عليها ابن الشارع لأنه اطلاع غير مباح! والمؤسف أن هناك جهات غامضة علي كلا الجانبين تحاول أن تجني ثمارا من الأزمة عن طريق التضخيم والغلو والافك. ولحسن الحظ لم تنجر أكثرية الأوروبيين الي البغض والكراهية، وفي المقابل لم نر مظاهرات عنيفة الا في عدد قليل جدا من المدن الاسلامية بلغ فيها السيل الزبي لأسباب داخلية وخارجية علي حد سواء. هكذا أمسينا محاصرين بين تناقضين متعارضين، تناقض الأنظمة الغربية التي تنصب نفسها حامية لحرية الرأي والتعبير وهي الضاربة بها عرض الحائط كلما كانت حرية التعبير ذاتها تمس مصالحها، وتَناقض الأنظمة العربية التي تدعو الي استخدام الكلمة والصورة ضمن حدود معقولة وأخلاقية وهي عاجزة عن استيعاب المضمون الحقيقي للعقلانية والأخلاق وحرية التعبير.ہ مستعرب اسباني يدرس التاريخالاسلامي المعاصر في جامعة أوتونما بمدريد8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية