نقابة المعلمين في الأردن.. فاصلة تاريخية

حجم الخط
0

حازم مقدادي ما زال الحراك الشعبي في الشارع الأردني متصاعدا بوتيرة ثابتة منذ ما ينوف على العام حتى اليوم، وحناجر الأردنيين تصدحُ كل حين بمطالب العدالة والإصلاح الشامل دونما يأس أو قنوط، لا تزيدهم مراوغاة النظام ومماطلاته إلا إصرارا على إنتزاع حقوقهم بكل السبل الديمقراطية والسلمية، شأنهم بذلك شأن الشعوب التَّوَّاقة للكرامة والحرية فوق هذا الكوكب. فقد أدرك الأردنيون أن الصّمت الذي مارسوه على إمتداد عقود خَلَتْ، لا يُعَبِّرُ إلا عن الرِّضَا، ولا يزيد نار الفساد والإفساد إلا ضِرَامَاً، فما كان منهم إلا أن حملوا على عاتقهم المسؤولية التاريخية وإنحازوا للوطن وللمواطن المغلوب على أمره، بعد أن أيقنوا أن المعاناة بصمتٍ لا قيمة لها. و برغم تعدد وتنوع المطالب التي يُعَبِّرُ عنها الحراك الأردني الرَّشِيْد، غير أنها جميعا تتفق على محاربة الفاسدين المفسدين من أزلام النظام الذين تغولوا إقتصاديا وأمنيا على مُقَدَّرَات الوطن وسكينة أبنائه من مختلف الشرائح، حتى أن تلك التحركات التي دأب البعض على تسميتها ‘بمسيرات الولاء والإنتماء’ كتلك التي إفتعلتها أنظمة أخرى تَهَاوَتْ من حولنا وأمْسَتْ نَسْيَاً مَنْسِيَّاً – والتي أُرِيْدَ لها أن تُظْهِرَ الشارع الأردني على أنه مُنْقَسِمٌ على نفسه، وأن النظام ما يزال هو نقطة التوازن وصاحب الشعبية الممتدة في عمق المجتمع الأردني، تتفق هي الأخرى مع الحراك الرَّشِيدِ حول شرعية مطالبه الوطنية.

واليوم، وبعد أن وجد النظام نفسه مُجْبَرَاً على الإستجابة لإرادة الشعب الأردني تحت وطأة الضغط الشعبي المُتَعَاظِمِ، بدأت تُطِلُّ علينا نتائج الإصلاح المزعوم الذي تبناه النظام نفسه، فهنا قانون إنتخاب بائس يتعامل مع المشكلات ولا يحلها، وهناك قانون أحزاب يحفظ للقبضة الأمنية صلابتها، وبين هذا وذاك محكمة عسكرية صلاحياتها قابلة للتؤويل بعد أن تم تنظيمها بقانون ذي بطانة ‘فضفاضة’ لملاحقة الأردنيين عبر تُهَم لا أساس لها في المفهوم الديمقراطي، كتهمة ‘إطالة اللسان’ على سبيل المثال، بينما يَحْرِمُهم أبسطَ حقٍ مدنيٍ لهم والمتمثل في المثول أمام قضاء مدني مستقل ونزيه. بل والأنكى من هذا كله أن تلك القوانين يتم عرضها على سلطة تشريعية فاقدة لأدنى درجات الشرعية والمصداقية في الشارع الأردني، بينما يتم كل يوم أقصاء الشعب وتهميش إرادته. وعليه فإن ما ذهب البعض لقوله عن فشل النظام في الإستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية، يُقَابَلُ بالقول أن النظام لم يفشل، بل أنه غير مؤهل للإستجابة لمتطلبات التصويب والتقويم، وعاجزٌ تماما عن تجديد نفسه ومكوناته، وهنا يمكن إستذكار ما جاء على لسان العاهل الأردني في إحدى زياراته للولايات المتحدة الأمريكية حين قال: ‘أن المعارضة الأردنية لن ترضى مهما فعلنا’! غير أن المُنْجَزَ الأهم في هذا السّيَاق، هو ذاك الذي تبناه الشعب الأردني نفسه والمتمثل في إنتزاع المعلمين وإسترجاعهم لحقهم التاريخي في تشكيل نقابة وطنية تحمي وتصون مهنة التعليم وتعيد لها مكانتها وتأثيرها ودورها الحقيقي في بناء الوطن وتعزيز مُكتسباته. حقٍ حُرِمُوا منه على إمتداد تاريخ الأردن ‘الحديث’، مما أدى إلى تراجع دور المعلم وتدهور العملية التعليمية بِرِمَّتِهَا. وفي الوقت الذي تأتي فيه إستعادة المعلمين لنقابتهم في إطار الربيع العربي، لا يمكن فهم هذا الإنجاز المحوري إلا في سياق التحرر الشعبي المُلِحِّ والمشروع، وذلك لعوامل عدة أبرزها أن النظام الأردني أقدم في الأساس على سَلْبِ المعلمين الأردنيين حقَّهم وإجتثاث نقابتهم قبل نصف قرن تقريبا بعد أن أطاحت تلك النقابة بحكومة السيد توفيق أبو الهدى، مما عزز قناعة النظام بمدى التأثير الذي تتمتع به مؤسسة نقابية كتلك، ومنذ ذلك الحين أصبحت إستراتيجية التعامل مع القطاع التعليمي في الأردن تُدَارُ عبر المفاهيم والسياسات الأمنية، بإعتبار قطاع التعليم المشكلة لا الحل. أضف إلى ذلك أن النظام تجاهل مناشدات المعلمين المتواصلة على إمتداد العقود الماضية لإحياء نقابتهم من جديد في إطار الشرعية الدستورية. ومن هنا فقد بات من الجَّلِيِّ إستشعار ذاك الفارق الكبير بين هذا الإنجاز الذي تمخض عن إرادةٍ شعبية مُحِقَّةٍ وصلبة تصدّت لكل محاولات الإفراغ والتضليل والإحتواء التي إنتهجها النظام الأردني في سبيل تقويض تلك المساعي، وذاك الإنجاز الهزيل الذي تمخض عن جهود النظام للإلتفاف على إرادة الشعب وتجييرها لصالحه، مما يلقي بالضوء على العقلية المُتَيَبِّسَةِ للنظام نفسه، تلك التي تُحركه بل وتتحكم بكل مفاصله. و مما يزيد من أهمية هذه العودة المُظَفَّرَة للمعلمين في الأردن هو أنها تأتي بعيدا كُلَّ البعد عن مِنَّةِ المَكْرُمَاتِ والمَكَارِمِ التي تطوق أعناق الأردنيين، على النقيض تماما من سياسات النظام القائمة في فلسفتها على زيادة هامش البائسين والمغلوبين من أبناء الأردن حتى يَعْدَمُوا كلَّ وسيلة فلا يجدون لهم من مُغيث غير ‘المُجِير ذي الجِّوَار’، تماما كما حدث مع معتقلي الرأي من أبناء محافظة الطَّفِيْلَة وإعتصام الدُّوَّار الرابع. إذ يأتي تهميش المعلمين وإقصاؤهم منسجما مع إستراتيجية توسيع هامش الفقر والحاجة والإقصاء التي مارسها النظام دائما وسَلَّطَهَا على رقاب الشعب، وهذا ما يفسر عدم تبنيه لأي سياسات حقيقية من شأنها إختزال ذاك الهامش.

إن المتابع للتراجع الذي شهده الأردن على إمتداد العقد الأخير لَيُدرك تماما أهمية هذا الإنجاز ومحوريته، ويعزز ذلك إقدام المعلمين على إختيار قيادة نقابية تنتمي للتيار التقدمي عبر إنتخابات نزيهة أظهرت مدى التآلف والتضامن الذي يعيشه قطاع التعليم الذي إِنْفَلَتَ من عقدة الخوف على لُقْمَةِ العيش التي كرستها الأجهزة الأمنية، فيؤكد المعلمون إستقلاليتهم وإرادتهم الأكيدة في مواجهة آلة القمع والإستبداد عبر إقدامهم على إنتخاب زميلٍ لهم يرزح تحت نير الإعتقال الجائر وإختياره ضمن الفريق الإداري للنقابة، مما يضع هذه المؤسسة النقابية أمام مسؤولياتها الوطنية ككل وليس المَطْلَبِيَّةِ فحسب. واليوم وبعد أن إستجمع المعلمون قواهم في إطار تَمَخُّضِ المجتمع الأردني بأسره، يبدوا إنجازهم مشابها إلى حد كبير لما أقدم عليه المثقفون والمبدعون الأردنيون عندما تصدوا للقوى الأمنية والرجعية إبان حقبة الأحكام العرفية في الأردن من ثمانينيات القرن المُنْقَضِي عندما أطلقوا رابطة الكتاب الأردنيين لتكون موئلا للناشطين والسياسيين في مواجهة النظام الذي صادر الحريات وإستبدل الشرعية الشعبية بشرعية دَخِيْلَة، مما يقلب المفاهيم السائدة ويؤكد أن مَخْرَزَ الباطلِ لابد وأن يَنْثَنِي في مواجهة كَفِّ الحق والحرية. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية