يرى بعض المحللين السياسيين أن الإصلاح الشامل في البلاد لن يتحقق من دون إصلاح سياسي يفرز حكومة وطنية قادرة على معالجة العقبات والتحديات الداخلية.
عمان-»القدس العربي»: أسدلت الستارة على الأحداث الأخيرة في الأردن، لكنها رفعت حال الطوارئ القصوى وعملت على تسخين وترشيق مناخ ملف الإصلاح السياسي الذي بدأ يطفو على السطح وفتحَت شهية الباب المغلق والمنسي أمام الحكومة، في حين برزت دعوات وقوى تخاصم وطنية لضرب كل ما هو مخبأ في أحشاء الرواية إزاء مشهد يصعب تكراره مرتين على خشبة المسرح السياسي.
ويبدو ان مرحلة تشوهات حلم الإصلاح السياسي وتبدد الأمل في أي إصلاح «شكلي» مقبل ستجهض، فيما باتت عملية غرس العصا في دواليب عجلته حيل لا تستجدي سوى الخراب والمزيد من الفجوات والخطوات المتباعدة، لأن المعطيات تشير إلى ان أي عرقلة من قبل المكلفين لإصلاح هذا الملف ستقود البلاد إلى الهاوية.
ويرى العديد من المحللين السياسيين الأردنيين أن الإصلاح الشامل في البلاد لن يتحقق من دون إصلاح سياسي يفرز حكومة وطنية قادرة على معالجة العقبات والتحديات الداخلية مثل الفساد وغيرها من أزمات متراكمة، والأحداث الأخيرة حفزت مارثون الإصلاح بقوة وذلك يتطلب هندسة للمشهد من خلال الاشتباك الإيجابي مع الجماهير وفتح باب الحوار الوطني مع جميع الأطراف بحسب ما أكدوا لـ»القدس العربي».
وقال المهندس والنقابي عبدالهادي الفلاحات، إن الدعوة للإصلاح الشامل كانت قبل الأحداث الأخيرة، مشيراً إلى أن جلالة الملك تحدث في إعادة النظر بمنظومة القوانين المراد منها عملية الإصلاح مراراً وتكراراً.
وأكد الفلاحات على ان المشهد الأخير لم يكن له أثر كبير، وصحوة الناس للتحدث عن ملف الإصلاح سبقته بخطوات كثيرة جميع الفعاليات الحزبية للعملية والنقابية والوطنية منذ سنوات، وهي تطالب بمراجعات السياسة، وان الحل ومفتاح الأزمة السياسية حاليا (ما بعد الأحداث) هو من خلال إجراء إصلاحات سياسية تجعل المواطن الأردني يشعر بأنه شريك في صناعة القرار وتكون إرادته حاضرة في المشهد الوطني.
وبينَ الفلاحات لـ»القدس العربي» ان إخفاق الإعلام الرسمي في تغطية الأحداث الأخيرة سببه الرئيسي يعود إلى العقلية التي تدير وسائل الإعلام التي ما زالت بعيدة عن مواكبة تطورات الإعلام في العالم، خاصة أنه لم تعد هناك أخبار محجوبة عن الجماهير، لافتا إلى ان وسائل الإعلام الوطنية قيدت نفسها في كثير من الإجراءات القديمة والجديدة وألزمت نفسها بها ولا تتحرك إلا من خلال إشارات معينة.
ورأى عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني عماد المالحي، أن الأيام الماضية أكدت أن البلاد تعيش أزمة مركبة طابعها سياسي اقتصادي اجتماعي، منوهاً إلى ان جوهر الأزمة هو سياسي بامتياز، ويتجلى ذلك برهن مقدرات البلد لصندوق النقد والبنك الدوليين والإغراق في التبعية للمحور الإمبريالي الصهيوني وللرجعيات العربية.
وأضاف «ان المتابع للتطورات الأخيرة، يخرج باستنتاج ان هناك غيابا أو تغييبا منهجيا للمؤسسات الدستورية. فحكومة بشر الخصاونة أثبتت بأن تركيبتها تركيبة موظفين وليس قيادات سياسية، ولا يمكن فهمها، إلا في إطار أن هذه الحكومات قد تنازلت طوعا عن ولايتها العامة» لافتاً إلى أن المشهد نفسه انطبق على مجلس النواب الذي لم يحرك ساكنا تجاه المستجدات الطارئة والتزم أعضاؤه بصمت مريب، وأثبت بأنه أداة طيعة لدى السلطة التنفيذية وأجهزتها.
وأوضح المالحي ان اللحظة السياسية وضعت جميع الأردنيين أمام حقيقة مفادها أن إدارة الظهر للأزمة وعدم الإقرار بها، سيعمقها ولن يقدم حلولا لها.
وتابع «أنه يجب أن يكون هناك برلمان يقوم بواجبه في الرقابة والتشريع. ويقوم بكشف كل من أوصل البلاد لهذا الواقع المعاش، فالمديونية وصلت إلى قرابة 50مليار دولار، من دون أن يقول لنا أحد لماذا وكيف ولمصلحة من؟ برلمان لا يقبل أن يتنازل عن حقوقه الدستورية ولا يقبل ما يتم تمريره من قبل السلطة التنفيذية، مثل اتفاقية الغاز والاتفاقية الأخيرة مع الولايات المتحدة التي تبيح البلاد للأمريكي».
وفي المقابل دعت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في بيان إلى «ضرورة المسارعة لإنجاز مبادرة شاملة تعمل على تفكيك الأزمة الوطنية، وتؤسس لاستقرار حقيقي وتنمية سياسية وتعاف اقتصادي، وإطلاق حوار وطني شامل وجاد تشارك فيه كل مكونات الوطن».
وقالت الجماعة، «نرفض رفضا قاطعا أي تدخل خارجي في شؤون الأردن الداخلية من أي جهة كانت».
وأكدت أن «استقرار الأردن سياسيا واجتماعيا وأمنيا، مصلحة وطنية ثابتة يحرص على تحقيقها كل أردني مخلص».
إذن، أمام هذا التوقيت الحاسم على الدولة ان تدرك أن ملف الإصلاح السياسي الحقيقي هو المناص من جميع الأزمات، وعليها أن تعي ان التجارب الشكلية و»ابر» التخدير لم تعد ناجعة والتجارة بالأمل غير مرغوبة وفي كل مرة تخيب الآمال وتتحطّم الأحلام ولنفس الأسباب.