نقاشات حول التدخل الامريكي في العراق تتداخل مع خطي ادوارد سعيد في شوارع القدس العتيقة!

حجم الخط
0

مصابيح أورشليم رواية عن إدوارد سعيد لعلي بدر:

د.

حسين كناني

صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية لافتة في موضوعها ومضمونها، وكاتبها هو الروائي العراقي علي بدر الذي كتب فيما مضي رواية لافتة في موضوعها ومضمونها أيضا هي بابا سارتر، أما الرواية الجديدة لعلي بدر فهي مصابيح أورشليم/ رواية عن إدوارد سعيد، حيث بطلها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وتدور أحداثها في القدس، أثناء زيارته لها في التسعينيات، وهذه الرواية الكبيرة نسبيا (350) صفحة، بانورامية في أحداثها ومسيرتها، تغطي حقبة كبيرة من تاريخ فلسطين والعالم العربي والعالم، ومكتوبة بصورة ملحمية ودرامية وبإيقاع شفاف للغاية، وربما هي أكثر رواية تتناول موضوعة الصراع العربي الإسرائيلي بموضوعية وحيادية تامة.

تبدأ الرواية بتقرير أولي، وهو تقرير مهم للغاية، حيث يكشف فيه الكاتب عن انشقاق النخبة المثقـــفة العراقية وصراعها مع بعضها قبيل الغزو الأمريكي للعـــراق، ويتناول فيه أيضا بالوقائع أثر إدوارد سعيد علي هذه النخبة في التسعينـيات، ثم انشــــــقاقها فيما بعد علي خلفية سجال إدوارد سعيد مع الكاتب العراقي كنعان مكية الأستاذ في جامعة براندايز والمؤيد للغزو والداعي إلي احتلال العراق، حيث ينقسم المثقفون الشباب إلي قسمين، الأول يؤيد إدوارد سعيد ويعادي الغزو الأمريكي للعراق، والآخر يؤيد كنعان مكية ويطالب باحتلال العراق.

الشخصية الأولي يمثلها علاء خليل المؤيد لكنعان مكية، وهو معجب بالغرب وبالثقافة الغربية وبمشروع الديمقراطية ويريد من أميركا التدخل في العراق وتغيير نظام الحكم، والآخر أيمن مقدسي، مولود في بغداد ولكنه من أصل فلسطيني، حيث يدرس في جامعة كولومبيا بإشراف إدوارد سعيد، وهو بعيد نوعا ما عن مشاكل وهموم الشباب العراقي، حيث لم يخدم العسكرية وهو ليس منخرطا في مشاكلهم الاجتماعية والسياسية، فيحدث بينهما جدال وسجال وتصادم واتهامات متبادلة، فيشعر أيمن مقدسي بأنه غريب ومنفي وللتخلص من منفاه يبدأ بكتابة رواية عن إدوارد سعيد، أو كتابة ملاحظات، ويجمع وثائق مهمة، غير أنه يتركها دون أن يكملها. أما الراوي وهو الكاتب والصحفي المحايد وصديق علاء خليل وأيمن مقدسي معا فهو الذي يقوم بكتابة الرواية، ويضع هذه الوثائق جميعها في نهاية الرواية تحت عنوان: تخطيطات وأفكار ويوميات انسكلوبيدية للكتابة. والمطلع علي الشؤون العراقية يدرك أهمية هذا التقرير الذي يأخذ من الرواية 77 صفحة، حيث يكشف علي بدر بإمكانياته المعروفة أساس الصراع وجذوره، ويقدم لنا معلومات غنية بحيادية تامة، دون أن يفسد جو الرواية، إذ لا يتخلي عن مهنته كروائي بالرغم من أن المفكر السياسي والمثقف الذكي تحت ملابسه.

أما الجزء الثاني من الرواية فهو يخص إدوارد سعيد، وهو يسير في شوارع القدس، يقوده إثنان، هما يائيل وإيستر، وهذان الشخصان هما بطلان في روايات إسرائيلية، حيث يلعب علي بدر لعبة سردية مدهشة حقا، يأخذ الشخصيات الروائية الإسرائيلية، وكلهم أبطال في روايات الكتاب الإسرائيليين: عاموس عوز، ديفيد غروسمان، إبراهيم بن يشواع، وزولية شيليف، ويجعلهم يروون حياتهم من جديد، حيث يقلب علي بدر الأحداث السردية لهذه الروايات ويجعلها مسرودة بطريقة جديدة.

أما لغة الرواية الشعرية، فيأخذها الكاتب عن طريق تفكيك بنية الشعر الإسرائيلي وهي قصائد مناحيم بياليك وألترمان ويهودا عميخاي وغيرهم، وبالفعل كانت طريقته جديدة في الكتابة، حيث يتوصل إلي مزج بين اللغة العبرية والعربية ليظهر واقعة الموت والدمار والخراب في التاريخ المتداخل للشعبين اليهودي والعربي.

أما ثيمة الرواية الأساسية فهي الاغتراب، حيث يشعر إدوارد سعيد وهو يسير في شوارع القدس باغترابه عن مدينته الأصلية التي عرفها وهو طفل، هناك حين كان يلعب علي البسكلتة في الحي العربي الذي أصبح مستوطنة عبرية، وبالمناسبة فإن الكاتب يكشف عن إلمام كبير في جمع معلوماته عن القدس الحالية، شوارعها، محلاتها، متاجرها مستشفياتها، مكتباتها، باراتها، ولكن هذه المدينة أصبحت إسرائيلية، فقد غيرت الكولونيالية معالمها بالقوة، وأصبحت غريبة عن ساكنها المحلي، وفي هذه الفصلة نصل إلي مراحل متداخلة مشوقة بين طفولة إدوارد سعيد وبين وصول العصابات الصهيونية وهم يحملون بنادقهم وزواداتهم إلي فلسطين أيام الانتداب البريطاني، ويقدم الكاتب معلومات ثرية ووقائع جديدة عن فترة الانتداب وبدء رحيل العرب واستيطان اليهود في المدينة.

أما الثيمة الثانية فهي التاريخ، فيصور الكاتب عملية فبركة التاريخ واختراعه وسرده، وهو يعتقد مثل هومي بابا أن الأمة هي سرد، ومن خلال رؤية إدوارد سعيد يصل إلي تفكيك الرواية التاريخية، ويقدم سردية جديدة تناقض السردية الأولي وتهدمها، وبالتالي يبدأ القارئ ينتقل من مرحلة تاريخية إلي أخري في السياق السردي للقدس تحت الفتح العربي، ثم الصليبي، ثم العثماني، ثم البريطاني، ثم اليهودي، أما الطريقة السردية فهي في جعل المدينة مثل الطرس، والطرس هو عبارة عن ورق جلدي قديم تتم الكتابة فوقه دون أن تمحي، وهو يأخـذه من مفهوم التناص لجيرار جينيت الناقد الفرنسي الشهير، وهــــكذا تصبح القدس تناصا، أو طرسا، حيث هي كتابات فوق كتابات، كتابة عربية وعبرية ورومانية وانكليزية وهكذا… أو كما يصفها في الصفحة 63: كل شيء قديم يتراءي خلف الشيء الجديد ويقضي عليه، لا شيء يمحي ويزول: المدينة مثل الطرس… كتابات تنكتب فوق كتابات، صور ترتسم فوق صور، رموز جديدة فوق رموز قديمة، قبور فوق قبور، لا شيء يمحي إنما يصبح فوقه وعليه، كتابات ترتسم فوق كتابات، كل كتابة تبدأ بالامحاء ترتسم علي هذا الطرس كتابة أخري… صاح: أورشليم هي الطرس…-فكرة جميلة… قلت له.-التاريخ سرد متقطع، وهو مختل وغير متسق، وهكذا سأرويه… في الواقع نحن نقرأ رواية عن حياة إدوارد سعيد، عن مسيرته، والأشعار التي كان يحفظها وهو طفل، عن صوره في شبابه وكتاباته، ثم يقوم الكاتب بدمجها في حياة مدينة القدس، ويستخدم في هذه الدورة المسيرية (يسير إدوارد سعيد علي أقدامه في شوارع القدس) الكتابات تاريخية، والخرائط والنقود والوثائق والمذكرات. أما الهدف الإشكالي في رؤية الكاتب فهو أن القدس مدينة لكل المنفيين، لكل اللاجئين، هي المكان الأعظم الذي ينسي فيه المنفي منفاه، هي مكانه بعد أن غادره كل مكان، هي شفاء لكل عذابه وموطنه من كل طرد. أما السؤال الذي نطرحه عليه:

هل يتساوي اليهودي والعربي في منفاه؟ هذا السؤال الذي نطرحه علي الكاتب علي بدر والذي نري أنه أخفق في حله في هـــــــذه الرواية الإشكالية والتي ستثير جدلا كبيرا حتما بين المثقــــــفين العرب، فالمشكلة أن الكاتب العربي وهو يتطلع إلي العالمية يأخذ بوجهة نظر عالمية أو أوروبية وينسي حقائقنا نحن علي الأرض. الجزء الثالث من الرواية، كما أسلفنا تحت عنوان تخطيطات وأفكار ويوميات انسكلوبيدية للكتابة، وهذا الجزء بغاية الأهمية، فبالرغم من أن لعبة الرواية تقوم علي أساس أنها وثائق ويـوميات تركها لنا أيمن مقـدسي بعد اختفائه المفاجئ في بغداد عقب الاحتـلال إلا أنها تنطوي علي معلومات ووثائق هامة لا نعرف من أين حصل عليها الكاتب: وثائق عن مسلمين، ومسيحيين، ويهود، ومجموعة كبيرة من الكاتلوغات السياحية، ومخططات المدينة، وأشياء لا نعرف مدي صحتها عن الدعايات الإسرائيلية والإعلانات وخطوط الباصات، والقصص، وأسماء السكان والشوارع والمقابر والصور والصحف.. هذه الرواية تدلل أن الرواية العربية تخطو إلي العالمية بخطوات واثقة.

كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية