اللوفر سُرق! رمز عزة فرنسا وتاريخها المجيد وعظمتها نُهب في 7 دقائق فقط، وفي وضح النهار.. أين الأمن؟ أين الأمان؟ صاح كاتب سوري إثر حادثة اللوفر، التي سميت سرقة القرن، بنبرة مليئة بالسخرية، لكن ليس كما يُظَن بأنه يناكف الفرنسيين، بل هو مشغول تماماً بمخاطبة أبناء بلده، يحاول تقريعهم بالقول إن في الإمكان حدوث أشياء أفظع بكثير مما يحدث بلدهم، نحن الذين استأنفنا مواطنيتنا للتو بعد أن استلمنا بلدنا وحياتنا حطاماً، يحدث في بلد الأنوار الساطعة أن يغافل اللصوص شعباً عريقاً ويوجهوا ضربة له في الصميم.
تكررت ردة الفعل حتى صارت متلازمة، ذريعة نبرر بها فشلنا: انظروا، الكهرباء تنقطع في فرنسا أيضاً!
لقد صُدم الشعب وأحزابه هنا، شكّل الحدث صفعة قلّما تلقّى مثلها في تاريخه، استعملت تعابير مثل «كرامة فرنسا»، «اعتداء على هويتها ورموزها وتراثها»، «ضياع أمة».. «تآكل الدولة» أو «انعدام الأمن».. كل ذلك لأن بضع مجوهرات توارت عن الأنظار، وهي، مهما غلت (قيمة المجوهرات المسروقة 88 مليون يورو)، ستظل تفصيلاً لا يذكر في مسيرة أمة. وستجد من يتحدث عن شعور بالذنب أو الخجل عند بعض الفرنسيين من الصورة التي أعطتها الحادثة عن بلدهم.
عملية السطو هذه يمكن أن تحدث في أي مكان آخر في العالم، حيث لا حصانة نهائية أمام شبكات الجريمة المنظمة التي توازي دولاً بقوتها وسطوتها، إن لم تكن تُحركها دول بالفعل، لكنها فقط في فرنسا ستهز كيان البلاد وشعبها، وتفتح نقاشاً حول كل شيء، من تعزيز الرقابة والحماية الشخصية والعامة إلى مسائل التاريخ والتراث والإرث والذاكرة والهوية.. بما فيها، بل على رأسها قضايا الهجرة، بعدما اعتقل شخصان، أحدهما كان على أهبة التوجّه إلى الجزائر، ما دفع اليميني المتطرف إريك زمور، للزعم أن «الهجرة تسرق مجوهرات التاج الفرنسي»، معتبراً أن عملية سرقة «كنوز فرنسا» تجسّد «احتلالا يوميًا» من قبل المهاجرين. وهو قد حوّل المناسبة إلى خطبة لاذعة مديدة تسترجع كل الارتكابات المسجلة باسم المهاجرين، الجزائريين منهم خصوصاً، تعزيزاً لمعركة مفتوحة سلفاً من البلدين اللدودين، عنوانها قضية الصحراء الغربية.
من فرط ما هي مكررة ردة فعل الكاتب السوري هذه بات لزاماً أن نخترع لها اسماً، كمتلازمة، فهي لا تتعلق، على ما يبدو، بنظام حكم دون سواه، إنها دائماً ذريعة الفاشلين، فقد ينقطع التيار الكهربائي في بلد أوروبي لثوان، وهي ستظل بالطبع ثواني قاسية لألف سبب وسبب، لكنها ستصبح لبلداننا الشغل الشاغل لكي نبرر بها كل الجرائم صغيرها وكبيرها: انظروا، الكهرباء تنقطع في فرنسا أيضاً. والمتاحف تسرق في وضح النهار، وكذلك جرائم القتل، والاغتصاب. إنها الأشياء ذاتها التي نجهد في إخفائها في بلادنا لأن تسليط الضوء عليها سيعيق مسيرة البناء والتقدم، إن تحدثنا عن النظام البائد، وتعطل مسيرة سوريا الجديدة نحو بيئة اقتصادية آمنة، وفي الحالين ما من عصا سحرية، فلماذا النق والعجلة!
يخسر السوريون حين ينكرون أخطاءهم، لأنهم يخسرون أولاً متعة النقاش وحق الاعتراض
لن نهوّن ونستهين بحادث السطو على المتحف الفرنسي، فالأمر جلل، ويكشف عن كوارث في حياة ومؤسسات الفرنسيين، كما يكشف النقاش نفسه، ولا نحسب أن الفرنسيين «النقّاقين» (وهذه السمة تعتبر كليشيه في وصفهم) ساهون عمّا يعتري حياتهم من مصائب، لكن يتخيل المرء أن ما يجب تعلّمه من حادثة السطو، وكل حادثة مماثلة تخترق رتابة العيش الأوروبي الرغيد، ليس أن ذلك يحدث في كل مكان، ولا يجب بالتالي أن نهوّل ما يحدث عندنا، فالدرس هو كيف تتلقف الصحافة والميديا عموماً الحدث، حيث كل الأفكار مطروحة للنقاش، وما من شبيحة يجري توجيههم لإسكات الانتقادات وتكميم أفواه أصحابها، بهذه الحجة أو تلك، وأبسطها أننا في الحكم منذ سنة فقط، ولا يمكننا إصلاح أخطاء نظام هدم وأفسد وارتكب طيلة ستين عاماً، لكن لدينا الوقت لنرتكب مجزرتين هائلتين، ليس من السهل محوهما، أن نحطم تماثيل، ونلغي أعياداً بجرة قلم، ونعدل مناهج مدرسية، ونختطف نساء وأطفالاً، وندفع بمحللينا ومؤثرينا لإنكار كل ذلك، ونرتجل مشاريع كبرى متعجلة يفترض أن مجرد التخطيط لها يحتاج لسنوات، كل ذلك من دون السماح للناس حتى بالنقاش حولها، فليس أسهل أن ينسب كل نقد أو إشارة لخطأ لفلول نظام الأسد المخلوع. ولقد باتت شائعة تلك العبارة التي تقول لأي ناقد أو معترض: «أين كنت منذ 14 عاماً (انطلاقة الثورة في سوريا)؟»، التي باتت تقال على نحو مضحك لأناس دفعوا اثماناً باهظة، ومن أناس كانوا في سني حياتهم الأولى مع بدء التظاهرات.
يخسر السوريون في إصرارهم على إنكار الارتكابات، وعلى عدم الاكتراث بالنقد الموجه للارتجالات الطائشة، يخسرون أولاً روعة النقاش والحوار الذي كانوا محرومين منه لعقود، تخيلوا مثلاً أن توضع الأعياد السورية على طاولة النقاش الحقيقي، وتصبح مدخلاً لقراءة جادة في تاريخ البلد، ولكيفية تدريس هذا التاريخ، بأي منهاج، وهل ينبغي أن يكون هنالك منهاج في الأساس؟
يقال عادة إننا نخسر حتى حينما نبدأ من الصفر، فما بالك عندما نبدأ من أمكنة دونه، دون الصفر!
بعد كل ما حدث في بلادنا بات علينا أن نناضل فقط ليكون النقاش والاعتراض حتى على مناهج مدرسية مسموحاً، بل بات علينا أن نثبت، مع كل عبارة اعتراضية أين كنا منذ 14 عاماً.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»