دمشق – «القدس العربي»: في بصمة روسية واضحة، وغداة تهديد المتحدث باسم الحزب الحاكم في تركيا، عمر جليك، بالرد الحازم على ما وصفه باعتداءات النظام السوري على نقاط المراقبة التابعة للجيش التركي في منطقة خفض التصعيد شمال غربي سوريا، استهدفت قوات النظام السوري، الخميس، محيط نقطة مراقبة تركية في ريف إدلب الجنوبي.
وأمام موجة الأسئلة التي تثار أمام هذا الاستهداف، يقول خبراء أن هناك غاية يراد لها أن تتحقق وهي التهديد بدق آخر أسفين في مسار أستانة من اجل الدفع باتجاه إعادة رسم مناخات أمنية مخالفة تمهد لمفاوضات جديدة وفق مداخل جديدة. وأكدت وكالة انباء النظام الرسمية، سانا، توجيه «مدفعية الجيش والراجمات» إلى مواقع الجيش التركي «وخطوط امدادا» قوات المعارضة في قرية شير مغار في جبل شحشبو شمال غرب حماة. من جانبها ذكرت وكالة الأناضول التركية، الخميس، إن قوات النظام قصفت مرتين خلال الساعات الاخيرة، محيط نقطة المراقبة التركية رقم (10)، الواقعة في منطقة الزاوية، ولفتت إلى أن الهجوم أسفر عن أضرار مادية، وشب حريق في الموقع.
المجتمع الدولي عاجز عن إنقاذ أكثر من 3.5 مليون مدني
وكان الجيش التركي قد أرسل عربات مصفحة وناقلات جند وأسلحة ثقيلة وذخائر إلى نقطة المراقبة المذكورة، بينما يعتبر استهداف هذا الموقع العسكري من قبل النظام السوري، الخامس من نوعه، حيث استهدف محيط نقطة المراقبة التركية (رقم 10)، بقذائف صاروخية في 29 نيسان/أبريل و4 و12 أيار/مايو و8 حزيران/يونيو، من الشهور الماضية، اذ تتمركز على بعد بضعة كيلومترات من تلك النقاط، قوات تابعة للنظام وميليشيات مدعومة من إيران.
استهداف النقطة التركية
وقال عضو مكتب حماة الإعلامي عبد العزيز أبو البراء – الذي صور لحظة القصف على النقطة التركية – لشبكة «بلدي نيوز» المحلية، إن حوالي 12 قذيفة مدفعية انطلقت من حواجز النظام المتمركزة في تمانعة الغاب والكريم على رتل للقوات التركية الساعة العاشرة وعشر دقائق أثناء خروجها من النقطة التركية بعد تبديل العناصر والآليات، ولم تحدث أضراراً بالآليات العسكرية التي تابعت خروجها من النقطة باتجاه الشمال. وأضاف الناشط الاعلامي، انها ليست المرة الأولى التي نشهد فيها استهدافاً مباشراً للنقطة التركية من قبل قوات النظام، بل تعرضت النقطة ذاتها للقصف اكثر من خمس مرات سابقاً، وتسببت بجرح جنود أتراك، ما استدعى تدخل المروحيات لإسعافهم.
وجود نقاط المراقبة التركية كان له دور مهم بالنسبة لروسيا، وذلك من أجل ضبط العمليات الهجومية لفصائل المعارضة السورية، الا ان الأخيرة لم تكن راضية تماماً من إقامة نقاط المراقبة التركية على حدود التماس، لأن ذلك لا يلبي جميع مصالحها ووجودها الاعتباري في سوريا كفاعل رئيسي، إنما يستجيب لأهداف مؤقتة، وذلك حسب رؤية الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي.
وأوضح المتحدث ان ترسيم حدود التماس ومواقع انتشار نقاط المراقبة التركية، بقي عامل خلاف بين أنقرة وموسكو، إذ «يبدو أنّ كلاً منها أدرك منذ بداية المباحثات احتمال احتفاظ الآخر بتواجده العسكري وتوظيفه كورقة ضغط للتفاوض حول مصالحه الاستراتيجية في سوريا والمنطقة، لذلك سعت روسيا لفرض سياسة الأمر الواقع من أجل السيطرة على شرق سكة الحجاز، وبدورها تركيا اتبعت الأسلوب نفسه في نشر نقاطها في محيط الطريق الدولي الواصل بين حلب ودمشق المعروف بـ»إم 5». وحسب ما سبق فإن روسيا سوف تستمر في الضغط على تركيا لإعادة صياغة نموذج يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية ووجودها الاعتباري، حتى يجد الطرفان سبيلاً لإيجاد تفاهم جديد بينهما يشمل في أحد جوانبه احتمال إعادة صياغة اتفاق خفض التصعيد بما يلبي مصالحهما في سوريا والمنطقة.
ويحمل استهداف نقاط المراقبة التركية حسب قراءة الباحث السياسي معن طلاع مدلولات عدة قد تلتقي مع بعضها وقد تتعارض مع بعض الآخر؛ وهذا ما يعزز افتراض بالغ الاهمية وهو أن هناك دفعا باتجاه «بعثرة التفاهمات للعمل على خلق مساحات لمواجهات مفتوحة بين الطرفين» وبالتالي تغيير الشروط الأمنية التي كانت متحكمة في اتفاقات استانة.
وأوضح طلاع لـ»القدس العربي» ان من هذه المدلولات الأولية أن النظام يطمح لزعزعة الثقة بالفواعل العسكرية المتحالفة مع انقرة واستغلال ذلك ميدانياً؛ كما أن هذا الاستهداف بمثابة اختبار ردة فعل أنقرة حيال نية النظام لتغيير قواعد التفاهم الامني الذي تمت صياغته في أستانة تمهيداً لاتفاق جديد وفق شروط جديدة. إلا أنه من جهة مقابلة تعد هذه الخطوة «تهوراً» حسب وصف طلاع، لانه من غير المستبعد خاصة إذ ما تاكدنا من تأزمات غرف عمليات جيش النظام؛ ما يفتح اوجه المواجهة المباشرة ويهدد بانتقالها من مستوى «الوكلاء» إلى مستوى الصراع المباشر، وما يحمله من فرص كبيرة لتحقيق ضغط قوي على أنقرة؛ وهذا ما يعد «مغامرة سياسية قبل أن تكون عسكرية».
واعتبر المتحدث أن هناك غاية في إنهاء مسار أستانة الذي صاغ جل تفاهماته بين ضلعيه التركي والروسي مستثنياً الإيراني، وبالتالي التمهيد لمفاوضات جديدة «وهو ما يعتبر مصلحة إيرانية بالدرجة الأولى؛ وعليه نحن أمام تفسيرين. الأول: أن تحكم طهران النوعي والأفقي بالجيش جعلها (دون أن تنخرط في المعركة بشكل مكثف) تكيف نتاج الساحة الميدانية لصالح شروطها السياسية والامنية؛ أما التفسير الثاني فهو اقتناع النظام نفسه ومن خلفه حليفه الروسي بضرورة الضغط على أنقرة واستغلال «تأزماتها» في تحقيق هدف استراتيجي وهو إعادة صياغة تفاهمات جديدة لا تبعد كثيراً عن منطق اتفاقات المصالحة».
وبكل الأحوال المشهد اليوم مرتبط، حسب ما يقول المتحدث بردة فعل أنقرة وطبيعة الرسائل التي تريد ان ترسلها في ظل هذا السياق السياسي والأمني خاصة بعد إصرارها على عدم تنفيذ أي وقف إطلاق نار قبل الرجوع إلى الوضع السابق؛ ويرجح أن تخطو أنقرة في النهج ذاته في هذه المرحلة عبر «الرد على مصادر القصف» والاستمرار في تعزيز القدرة الهجومية للمعارضة.
أما بخصوص العلاقة بين روسيا وتركيا فاعتبر الباحث السياسي، انه لا يمكننا تحديدها وتعريفها بدون النظر إلى طبيعة العلاقات المضطربة بين أنقرة وواشنطن لا سيما بخصوص صفقة «إس 400» الأمر الذي يوحي بتوتر العلاقات بينهما؛ لذلك لا يزال المتحكم في إدارة العلاقة التركية مع روسيا هو مبدأ «مسك العصا من المنتصف» الذي يتيح لها تحقيق توازن قلق وتكريس مبدأ الاتفاق الجزئي وبمداخل غير سياسية أي اتفاقات أمنية عسكرية جزئية. ومن جهة ثانية وعابرة للملف السوري هناك العديد من القضايا التي تجعل هذه العلاقة الروسية – التركية تسير باتجاهات أكثر تقدماً خاصة في ظل «السياسة الترامبية» وما فرضته من اختلافات مع العديد من الفواعل الدولية.
مواجهات مع النظام
استهداف المواقع العسكرية التركية، شمال غربي سوريا، تزامن مع استئناف المواجهات بين فصائل المعارضة السورية وقوات النظام، حيث أعلن المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير النقيب ناجي مصطفى ان مقاتلي وحدات المهام الخاصة شنوا صباح الخميس هجوماً مباغتاً على «صفوف العدو خلّف قتلى وجرحى بالعشرات، وذلك في عملية إغارة نوعية على إحدى نقاط تمركز عصابات الأسد في بلدة القصابية في ريف حماة ما خلّفت عشرة قتلى وعشرات الجرحى في صفوف العدو بينهم ضباط برتب عالية». ولفت إلى ان مقالتي الجبهة «تسللوا ليلاً إلى الخطوط الأولى وباغتوا العدو صباحاً واشتبكوا معه بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، مما أوقع في صفوفه خسائر فادحة، وسط حالة من الرعب والهلع زادت في أعداد القتـلى والجـرحى عنـده».
وقد سبقت عملية الخميس، عمليات مماثلة في محاور عدة في جبهات أخرى، منها: (تلة أبو أسعد وجبل القلعة) في ريف اللاذقية الشمالي، ومناطق أخرى في ريفي حماة الشمالي والغربي. وفي الطرف المقابل قالت وسائل إعلام موالية ان «وحدات الجيش أحبطت هجوماً» على محور قرية القصابية في ريف إدلب الجنوبي فيما خاضت وحدات أخرى اشتباكات عنيفة مع مجموعات مسلحة تابعة لـ «النصرة» وكتائب العزة شمال بلدة كفر نبودة وأوقعت قتلى في صفوفهم.
ومع تعثر خطوط الحل بين اللاعبيين الأساسيين (موسكو وانقرة) وعدم توقع انفراجة قريبة تحمي المدنيين الذين يربو عددهم على 3.5 مليون نسمة، في الأمتار الأخيرة لمناهضي النظام السوري من مدنيين وعسكريين، يقف المجتمع الدولي عاجزاً عن أي تحرك مجدٍ حيال ذلك، حيث أعرب الاتحاد الأوروبي، الخميس، عن قلقه العميق إزاء هجمات النظام السوري وروسيا على محافظة إدلب، شمال غربي البلاد، وأدان استهداف المدنيين والمستشفيات والمدارس.
جاء ذلك في بيان صادر عن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية فيدريكا موغريني، باسم جميع الأعضاء في الاتحاد. وأعرب البيان عن قلق الاتحاد الأوروبي العميق من التطورات الحاصلة في محافظة إدلب، وأكد أن استهداف النظام السوري وداعمته روسيا للمدنيين والمدارس والمؤسسات الصحية والبنى التحتية ينتهك كل القوانين الدولية والإنسانية، وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يدين منفذي هذه الهجمات. ودعا جميع الأطراف إلى ضبط النفس، مضيفًا: «لا يمكن تحقيق السلام ما دامت الأعمال الوحشية مستمرة. لا يمكن حل المشكلة في سوريا عسكريًّا».