قدم السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء نفسه الي الشعب الفلسطيني كرجل دولة، يملك صفات قيادية لا توجد في اي شخصية اخري منافسة في الداخل، وذلك من خلال الخطاب المطول الذي القاه يوم امس وتحدث فيه بعفوية وصدق عن كل الظروف التي ادت الي تفاقم الاوضاع في الاراضي المحتلة، ووصولها الي حافة الحرب الاهلية.
الخطاب كان تصالحيا، وغلبت عليه لهجة الاعتدال وضبط النفس وتجنب صاحبه الانجرار الي مهاترات كلامية، او توجيه اتهامات او عبارات غير لائقة لخصومه، وخاصة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فقد حفظ له مكانته، وخاطبه بطريقة مهذبة، وفند خطابه الاخير نقطة نقطة بطريقة علمية مدعومة بالوثائق والحقائق.
النقاط الابرز في خطاب السيد هنية كانت في تأكيده علي الوحدة الوطنية في الداخل والخارج، وتشديده علي ان الحوار هو الطريق الوحيد للخروج من الوضع المأساوي الراهن في المناطق المحتلة بعيدا عن السلاح والخطف والمواجهات الدموية.
السيد هنية كان محقا في توجيه الاتهام الي الولايات المتحدة واسرائيل في العمل علي افشال حكومته منذ اليوم الاول لوصولها الي السلطة عبر صناديق الاقتراع، وليس علي ظهور الدبابات او بالانقلابات العسكرية مثلما قال، فالادارة الامريكية هي التي تفرض الحصار المالي التجويعي الراهن علي الشعب الفلسطيني، وتمنع البنوك العربية والاجنبية من تحويل اي اموال لحكومة السلطة، املا في تأليب الشعب الفلسطيني ضدها، ودفعه للتحرك من اجل اسقاطها.
ولا نعرف ما هو رد الرئيس محمود عباس علي النقاط التي اثارها السيد هنية في خطابه، وخاصة تلك التي تتعلق بعدم سيطرة الحكومة الحالية علي الاعلام والسفراء والمالية، ودور مكتب الرئاسة في تحريض المضربين عن العمل، ورفض الاتفاقات التي تم التوصل اليها لانهاء اضرابهم.++السفراء الفلسطينيون في الخارج لا يعترفون بحكومة حماس ويرفضون التعامل معها، وما زالوا يرسلون تقاريرهم الي مكتب الرئاسة تنفيذا لتعليمات واضحة في هذا الخصوص، اما اجهزة الاعلام الفلسطينية، وخاصة محطات الاذاعة والتلفزة، فقد اصبحت مثل نظيراتها العربيات بل الاكثر سوءا، تركز فقط علي اخبار السيد عباس وتنقلاته وخطاباته وتصريحاته، ولم تحاول مطلقا تغطية اخبار الحكومة ووزرائها بطريقة مهنية موضوعية، بل انها نسيت الشعب الفلسطيني في الشتات، ومن النادر ان تتطرق الي انشطته.
الرئيس عباس ارتكب خطأ كبيرا عندما اتهم الفلسطينيين في الخارج بعدم الوطنية، لان ارجلهم لم تتغبر بتراب الوطن. وفضلوا رغد العيش في المنفي، وهو الخطأ الذي استغله السيد هنية بطريقة ذكية عندما قال ان هؤلاء لم يتمكنوا من العودة للوطن لانه محتل، وان الاحتلال يمنع عودتهم، وشدد علي التلاحم القوي بين الداخل والخارج، عندما قال ان كل الفلسطينيين في مركب واحد وفي سفينة واحدة.
المرارة التي عكسها السيد هنية في خطابه تجاه عمليات العزل والاستبعاد والتهميش التي تعرضت لها حكومته طوال الاشهر العشرة الماضية تبين مصدر الخلل الذي اوصل المناطق المحتلة الي التدهور الراهن علي كافة الاصعدة. فعندما يقول السيد هنية ان الرئيس عباس لم يجتمع مع الحكومة ولو لمرة واحدة، ولم يصطحب ايا من وزرائها في جولاته الخارجية، ولم يستقبل اي مسؤول اجنبي في حضورهم، فان هذا دليل واضح علي ان عملية نقل السلطة التي يتباهي بها بعض المسؤولين الفتحاويين لم تتم في الاساس، وان كل ما قيل عن حدوث انتقال بشكل سلس لم يكن دقيقا.
هذا الخطاب، وما ورد فيه من نقاط، وما عكسه من توجهات تصالحية، يمكن ان يكون ارضية لحوار جديد متعمق يقود الي تشكيل حكومة وحدة وطنية علي اسس راسخة، تتصدي للحصار المالي الحالي، اذا لم تستطع رفعه.