نقاط مراقبة هامشية وأبواب شرق الفرات المفتوحة

براء صبري
حجم الخط
0

لم تتجزأ بعد الحالة السورية الحالية حتى اللحظة من علائقها المريرة مع التطورات السياسية الدولية والإقليمية. هذا الفصل المنشود رغم احتمال أن تكون نتيجته غير مثالية للكثيرين هو أقل الخسائر لما يتعرض له الناس خلال السنوات الطويلة الماضية، وهي فاتورة قد لا تتعاظم مثلما حدث ويحدث حالياً. الشقاق الروسي التركي في ملف من الملفات الدولية يشعل المعارك في إدلب، الخلاف الأمريكي الإيراني يحول الحدود السورية العراقية إلى لهيب، والصراع الإيراني الإسرائيلي يهز دمشق بين الفينة والأخرى، والتنافس الروسي الأمريكي يخض الواقع القائم في شرق الفرات، وأي تقارب روسي تركي يجلب الويلات على الأطراف التي لا تواليهما، وكل تقارب تركي أمريكي يسلب الكيانات القائمة مساحات جديدة. هذه التدخلات التي لا تنتهي، والمتشعبة، وغير المُساقة بخط معين من العلاقات على اعتبار أن الأطراف تغير ميزانها في كل وقت يدفع فواتيره المُكلفة سكان سوريا التائهون. خيارات الصدام الحالية في إدلب لم تأت عبثاً، ولم تأت من سياق غير مفهوم، بل هي جزء من عوالم واضحة للتنافس على الأرض، وتربيط النزاعات البعيدة مع الواقع السوري. لم يعد للخلاف الليبي استقلالية عن الحرب السورية، ولم يعد الصراع مع إيران، والتنافس في لبنان واليمن انفكاك شامل عن الأطراف المتصارعة والباحثة عن النفوذ في سوريا. كل تلك الصراعات والروابط الإقليمية تتشابك في الحالة السورية، وإن أصبح الملف السوري في تخصيصاته، وفي القائمين على التنافس فيها أكثر وضوحاً عن ذي قبل مع انكماش العديدين عن التدخل، ومع ميلان القوة لصالح طرف ضد طرف.

سياسة القضم المتأني وحرب الطرق الدولية

يتبع النظام السوري ومن خلفه روسيا سياسة القضم الجزئي في عودتها إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها. هذه السياسة تؤتي أكلها فيما يبدو من التطورات على الأرض مع عودة النظام إلى مايقارب من ثلاثة أرباع البلاد، وأن وضعية عودتها تختلف من جغرافية إلى أخرى وخاصة فيما إذا تمت المقارنة بين كل المناطق التي تحت سيطرتها وبين المناطق التي وصلتها في شرق الفرات حيث الوقائع لم تظهر بعد حقيقة وشكل الوجود النهائي هناك. في باقي المناطق القرار النهائي بيد النظام وروسيا. ولكن، في شرق الفرات لازالت السلطات والقوى على الأرض في تضارب.

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي بدأت قوات النظام وبدعم مكثف من روسيا بالتقدم صوب مدينة معرة النعمان التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في محافظة إدلب التي تتقاسم سيطرتها في الشطر الخارج عن سيطرة النظام السوري فصائل سنية تميل في جلها لتركيا، وفصائل أخرى تميل للقاعدة. كان التقدم كاسحا ودخل قوات الحكومة السورية بتاريخ الـ 29 من كانون الثاني/يناير وسيطرت بشكل كلي على البلد. كانت السيطرة هذه نكسة جديدة لحلفاء تركيا ولباقي الجماعات المتشددة في المنطقة. لم يتوقف النظام السوري عند حد قضم معرة النعمان بل تمدد أكثر للوصول إلى سراقب لتكمل السيطرة على الطريقين الدوليين إم4 وإم5 الرابطين بين حلب واللاذقية وحلب وحمص.

من متابعة بسيطة لخارطة تحرك قوات دمشق يتضح كيف أن الطريقين هما الهدفان الرئيسيان لروسيا ودمشق. الطريقان اللذان فشلت تركيا في إقناع الجهاديين بتحييدهما عن الخلافات مع النظام هدف رئيس للنظام حالياً، ويمهد الطريق بعد فترة للتفكير في كامل المحافظة. هذا التفكير النهائي للأهداف بالطبع يحتاج إلى قبول روسي، والقبول الروسي يحتاج إلى تفكير طويل مع حاجة روسيا لإبقاء تركيا في فضائها السياسي هذه الأيام.

خسائر تركية وروسية رسمية في القتال

مع توسع القتال في شمال غرب سوريا كانت طبيعة الخسائر البشرية تتسع أيضاً. هذه الطبيعة توسعت لتشمل جنودا روسا وجنودا أتراكا أيضاً. هذا التطور الذي بدأ عندما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم “السبت (18 يناير/كانون الثاني 2020) ان أربعة جنود روس قتلوا جراء هجوم لفصائل المعارضة السورية على أحد المواقع العسكرية التي تدير منها روسيا العمليات بريف إدلب الشرقي” حيث اعتبر الهجوم تطورا كبيرا في المعركة، وتوقع الكثيرون أن تزداد سخونة المعارك بعدها في مسعى روسي للانتقام.

هذه السخونة في المعارك مددت نار الحرب لتشمل صدامات مباشرة بين الأتراك والنظام السوري حيث أكدت مصادر رسمية تركية مقتل ثمانية جنود أتراك بالقرب من بلدة سراقب بنيران النظام السوري في فجر الاثنين. وقالت الحكومة التركية على لسان رئيسها بعدها بساعات “أن قوات بلاده استهدفت نحو 40 نقطة للنظام السوري، وقال إن المعلومات الأولية تشير إلى مقتل نحو 35 من منفذي الهجوم على القوات التركية” وأكدت وزارة الدفاع التركية الخبر. فيما بعد فيما نفى النظام السوري هذه التفاصيل في الوقت الذي قالت فيه روسيا إن تركيا لم تنفذ أيا من تلك الهجمات المفترضة في سوريا وإن نظامها الجوي لم يرصد أي طائرات عسكرية تركية في سماء المنطقة المعنية بالحدث.

هذا الصدام الذي كانت تركيا تخشى أن تتورط فيه يوماً تم تسويره وتأطيره بشكل يترك للجميع الخروج بنصف انتصار. وهو ما يرفع الحرج عنها من مواجهة صدام مع روسيا، ويزيد من رصيد النظام في أراضي المحافظة، ويعطي الروس فرصة جديدة لدفع تركيا للهروب إليها واستجداء الهدوء مقابل تعزيز العلاقات في ملفات بدأت تزاد شحونة من نوع ملف “ليبيا” والعلاقة “التركية الأمريكية” في وجه “العلاقة الروسية التركية”.

نقاط المراقبة التركية في سوريا شبيهة لمثيلاتها في بعشيقة

مع تقدم النظام السوري بهذا الشكل ووصوله إلى مضارب مدينة إدلب عاصمة المحافظة لم يبق لتركيا من عامل للمناورة سوى الحديث عن نقطتين عسكريتين لها بقيتا وراء خطوط القتال، ومحاطة بقوات النظام، ولا تحرك ساكناً هناك. هاتان النقطتان اللتان من المفترض أنهما وضعتا باتفاق روسي تركي ذات يوم لمراقبة تطبيق اتفاقية خفض التصعيد بدأت تخشى على ذاتها من تصعيد محتمل يؤذيها. وفي هذا الصدد قال اردوغان في خطاب ألقاه من أنقرة يوم الثلاثاء “تقع اثنتان من نقاط المراقبة الاثنتي عشرة التابعة لنا خلف خطوط النظام. نأمل في أن ينسحب بعيداً عن مراكز المراقبة هذه قبل نهاية شباط/فبراير”. ثم أضاف “إذا لم ينسحب النظام، فإن تركيا ستكون مجبرة على دفعه إلى الانسحاب”.

هذا التهديد التركي من رأس الهرم لن يغير من الواقع على الأرض مع عدم توقع أن ينسحب النظام السوري من منطقة سيطرة عليها بضغط وفاتورة عسكرية عالية. كما لا يتوقع ان تسحب تركيا نقاطها من المنطقة مع تأكدها أن النظام السوري لن يستهدفها، وسيعتبر تحييدها وعزلها وسيلة روسية لترضية تركيا أيضاً.

يشبه وجود تلك النقاط المعزولة حالياً مثيلتها في العراق في محافظة نينوى. تملك تركيا نقطة عسكرية في منطقة بعشيقة، وتأسست حسب القرار التركي حينها لمحاربة تنظيم “الدولة” (داعش). مع أفول “داعش”، ومع الضغط الإعلامي على تركيا لسحب تلك النقطة من المنطقة تمسكت تركيا بإبقائها. هذا التمسك سمح لتركيا حتى اللحظة بالحفاظ على نقطتها. هناك تشابه كبير في الرواية بين الدولتين. تأسست النقاط التركية في محافظة إدلب لمراقبة الهدنة، ولضبط الجماعات الإرهابية في المحافظة، وهو ما لم تقم به تركيا بتاتاً في تشابه مع دورها في بعشيقة الذي لم يترجم إلى أي نوع من محاربة “داعش” باستثناء دفاعها عن نفسها عندما قامت “داعش” بالهجوم عليها ذات مرة.

جيفري التائه بين موسكو وأنقرة

شعر المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جيمس جيفري بالسعادة وهو يرى كيف أن سخونة الأحداث تدفع تركيا للتصادم مع النظام السوري. هذا الشعور كرس للمبعوث الأمريكي احتمال أن تتحول نظريته الموالية لتركيا إلى وقائع. بدأ التلاسن بين أنقرة وموسكو، وبدأت حرب الروايات والاتهامات على الأرض تزيد من سرور الرجل. دخلت أمريكا في خط القتال إعلاميا ودبلوماسياً، وبدأت تتحدث عن وقوفها مع تركيا في وجه تقدم النظام. هذا الدعم المعنوي الأمريكي لم ينفع في فك تركيا عن روسيا. تدرك أنقرة أنها لا تستطيع المناورة في الملف السوري بعيداً عن واشنطن، وبدأت التواصلات بين تركيا وروسيا من جديد من خلال بيانات واتصالات هاتفية بين المسؤولين رفيعي المستوى. هذه التواصلات توجت، حسب ما قالته صحيفة بلومبيرغ الأمريكية، “ان أنقرة تنتظر في يوم 8 فبراير/شباط وفدا روسيا لبحث الوضع في إدلب” وقالت بلومبيرغ، نقلا عن مولود شاووش أوغلو، “إن الوفد سيكون برئاسة مسؤولين في الخارجية الروسية”. في هذا الصدد لمح وزير الخارجية التركية أن هناك احتمال حدوث لقاء جديد بين بوتين واردوغان بعد هذه المحادثة. هذا اللقاء إن تم سيؤدي إلى توافقات روسية تركية جديدة، وسيكون أوسع من مجرد ملف إدلب حيث سيشمل ملف الغاز وملف ليبيا بشكل أوسع إذ يعتبر الطرفان على وجه نقيض هناك. الشيء الأكيد في هذا اللقاء المقبل هو انكماش جديد لمساعي جيفري التي يؤمن بها حول قدرته على فك الرباط الروسي التركي في سوريا وقناعة الأكثر قتامة حول أن تركيا هي في المحور الغربي في كل الملفات الشرق الأوسطية على عكس الخطاب الرسمي التركي المناهض للغرب ومصالحه في الشرق الأوسط.

نازحون في شرق الفرات و”قسد” تفتح الأبواب

بعد وصول عدد النازحين إلى عشرات الآلاف وفي تطور ملفت للملف الإنساني أعلن قائد قوات قسد في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2019 “أن محافظة إدلب السورية هي ضحية سياسات الاحتلال التركي وتفاهماته مع الدول الأخرى”، مؤكدا أن أبواب سكان شمال شرقي سوريا، مفتوحةً أمام المدنيين في إدلب”. هذا البيان اعتبره البعض مجرد رسالة إعلامية تبتغي قسد منها الاستفادة من وضع ما لصالح الترويج لنفسها. ولكن، مع ظهور الفيديوهات التي ترصد وصول العشرات من النازحين من إدلب عبر معبر الدادات في منبج دحضت النظريات الترويجية. هذا الاستقبال يعزز الروابط بين الكثير من الفئات الاجتماعية في سوريا. الاستقبال وتقديم المساعدات في جزء منه رسالة للسكان السوريين على أن الصورة القاتمة التي عملت تركيا على رسمها بحق قسد هي صورة مسيسة بعيدة عن مصالح أهل البلاد. هؤلاء النازحون يزيدون من حمولة السلطات المحلية في شرق الفرات التي تعاني أصلاً من ضعف في القدرة المالية والخدمية، وتعيش جوا من عدم اليقين حول وضعها المقبل مع تمدد النظام في محافظة الرقة وكوباني ومنبج، وكامل الخط الحدودي الشمالي في شرق الفرات.

هذه البادرة هي في جزء كبير منها واجب إنساني يعزز الروابط السكانية، ويسهل عملية تقبل البعض في ملف المفاوضات بين المعارضة والنظام، ويكسر جمود الحوار بين الأطراف المتباعدة وإن لم يظهر أي متغير في نظرة الجماعات التي تدعي تمثيلها للمعارضة في المفاوضات مع النظام تجاه قسد أو مسد.

إن هذه التطورات الساخنة في ملف شمال غرب سوريا يوضح كيف أن العلاقات الدولية في المنطقة هي العامل الفعال في تعبيد الطرق للتغييرات على الأرض، وهي العامل الرئيس في كيفية تحويل حياة الكثيرين في مناطق النزاع إلى نكبات، وهو المؤشر الأكيد الدافع لزيادة عدد النازحين واللاجئين إلى هذا العدد الكبير المخيف وهو ما يؤرق الباقين في مناطقهم. هذا كله في بلد لم يصل إلى أي شيء حول مستقبله النهائي وفي ظل نقص في الخدمات وضعف في الاقتصاد وقلاقل لا توازيها قلاقل في معظم الشرق الأوسط وبشهادة كامل المراقبين عن الواقع السياسي والاجتماعي لدول الإقليم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية