نقد الفكر المقاوم من جديد
محمد شاويشنقد الفكر المقاوم من جديد (1)كان البرنامج التحرري العربي، البرنامج الذي بدأ ربما مع ثورات الجزائر في القرن التاسع عشر، وثورة عرابي الشعبية العسكرية في عام 1881، ثم الثورات والانتفاضات في النصف الأول من القرن العشرين في العراق ومصر وفلسطين والسودان وتونس والمغرب ضد الاستعمار، والذي تبنته الجماهير الواسعة منذ مطلع الخمسينات ولم يبق محصوراً في النخب السياسية الضيقة، قد استقر أخيراً علي هدف جوهري هو الوحدة العربية. وقد شكل جمال عبد الناصر بالنسبة للجماهير القائد المرجو لهذه الوحدة التي سبق أهل الشام في المناداة بها، ثم ظهر عبد الناصر ليتبني هذا الاتجاه الشامي ويسير فيه خطوات إلي الأمام تتوجت بالوحدة المصرية السورية التي كان السوريون متحمسين لها أكثر من المصريين (كما كان أهل جنوب اليمن متحمسين للوحدة اليمنية أكثر من أهل الشمال، ومن المحزن أنه في التجربتين انقلب المتحمسون في اتجاه معاكس بتأثير أخطاء الأخ الكبير، وإن كان مما يسر الخاطر أن الوحدة اليمنية صمدت علي كل حال لحد الآن وأدام الله صمودها!).الوحدة كان ينظر إليها كطريق لتحرير فلسطين وللتطور الاقتصادي الذي يتجاوز الهوة بين العرب والغرب، والطريق لتحقيق الوحدة وفقاً لنظرة الوحدويين آنذاك كان تغيير السلطات القائمة بسلطات يقودها وحدويون. وعلي هذا كان كل التركيز علي المعارك السياسية مع الأنظمة القائمة ومع المشاريع السياسية التي كانت تطرحها هذه الأنظمة بالاشتراك مع المراكز الغربية القائدة مثل لندن وباريس وواشنطن.لكن هذه النظرة السياسوية أو وفقاً لتعبير أفضله النظرة المفرطة في التسيّس لم تخل من نقاد ينظرون إلي المشكلة علي أنها أعقد من أن يكون حلها مرهوناً بتغيير الأنظمة السياسية الحاكمة.من المشارقة الذين كانوا يشخصون المرض العربي المزمن بأنه أساساً مرض حضاري قسطنطين زريق (في كتابيه معني النكبة الذي كتبه بعد نكبة 1948 و معني النكبة مجدداً الذي كتبه بعد عام 1967)، ومن المغاربة كان المفكر الجزائري مالك بن نبي يشخصه علي أنه مشكلة حضارة وانطلاقاً من هذا التشخيص كتب سلسلته اللامعة مشكلات الحضارة وبدأها بكتابه الأخاذ الذي يستحق أن يعد من كلاسيكيات الفكر السياسي الاجتماعي العربي (مع أنه كتب بالفرنسية) شروط النهضة (وكتبه في النصف الثاني من الأربعينيات).وتشخيص المشكلة علي أنها مشكلة حضارة معناه النظر إليها علي أنها مشكلة جميع المستويات المكونة للبنية الاجتماعية، فلا يمكن أن نفصل مستوي واحداً (مثلاً المستوي السياسي) ثم نعلق كل الأهمية علي تغييره. ومعظم النخب السياسية العربية الآن تعرف من مالك بن نبي فقط رأيه الشهير بأن التخلص من الاستعمار لا يمكن قبل التخلص من القابلية للاستعمار ولكنها لا تفكر في معني هذا الرأي ومكانه في تفكير مالك بن نبي، فهذا التعبير هو في حقيقته نظرة مختلفة جوهرياً عن الفكر السياسي العربي السائد (ومالك بن نبي يمكن عده مفكراً للعالم الثالث كله وليس للعرب والمسلمين وحدهم، وقد نظر إلي نفسه كذلك كما يتبين لنا من حياته ومن كتبه وانظر مثلاً كتابه فكرة الأفريقية الآسيوية )، إذ يضع بن نبي الحل علي عاتق المجتمع، ويشكك سلفاً في أي حل فوقي، حتي لو أخذ شكلاً ثورياً . مالك كان قد تأثر بتجربة النهضة التي قامت بها جمعية العلماء في العشرينات، ثم إجهاض هذه التجربة عندما نظمت سلطات الاحتلال انتخابات حولت النهضة من مشروع اجتماعي طال كل بيت بالتغيير إلي مشروع فوقي لا يحتوي إلا علي خطب انتخابية ووعود بإعطاء الحقوق: مالك بن نبي لا يميل كثيراً إلي المطالبة بالحقوق لأنه يفضل أن يتعلم المواطن في البلد المقهور أن يؤدي واجبه للنهوض من المستنقع الذي هو فيه، والقيام بالواجبات هو السبيل للحصول علي الحقوق كاملة. أما منطق الانتخابات فكان يشبهه بالمواسم التي تطلب فيها البركات من الأولياء في الولائم التي يقيمها متصوفة العصور المتأخرة. إن المهرجانات الانتخابية التي تفككت فيها حركة النهضة هي النوع الجديدة من الزردة الصوفية.وحين صدر كتاب الثائر الكبير فرانتز فانون المعذبون في الأرض ، وهو نتاج لتجربته في ثورة الجزائر استقبل مالك الآراء الممجدة للبندقية في الكتاب والتي تجعل لها دوراً سحرياً في تحرير الإنسان المستعبد من الاستلاب ببعض السخرية. وهذا الموقف يذكرني بقوة بموقف ياسين الحافظ والياس مرقص في نهاية الستينات وبداية السبعينات من فكر المقاومة الذي اندلع كالنار في الهشيم بعد هزيمة 1967. وهذا التشابه لم يكن بمحض الصدفة في اعتقادي وسأعود إلي ذلك بعد قليل.(2)موقف المواطنين العرب من المعارك في لبنان يذكرني بنقاش بدأ به الثوري الروسي لينين حياته النضالية.كان لينين ينادي بحركة جماهيرية يقوم بها الشعب أو غالبيته لإسقاط النظام القيصري الذي شخصه الاشتراكيون الروس منذ بداية القرن التاسع عشر أنه نظام ظالم همجي متخلف يجب القضاء عليه قضاء مبرماً، وكانت أول محاولة عام 1825 وهي محاولة الديسمبريين وكانوا من شباب الطبقة النبيلة المتأثرين بأفكار الثورة الفرنسية، ومحاولتهم قريبة الشبه بالانقلابات العسكرية في زماننا.بعد ذلك ظهرت حركات متعددة نزعت إلي استبدال عمل الشعب في تغيير النظام الذي يقول الثوريون إنه عدو الشعب بعمل قلة من الثوريين المتحمسين الذين نازلوا النظام بعشرات قليلة من الثوريين المتحمسين الذين لجأوا للعنف الفردي، وواحدة من هذه المنظمات ذات اسم دال نارودنايا فوليا (إرادة الشعب)، ومنها كان شقيق لينين الذي أعدم علي إثر محاولة لاغتيال القيصر. لينين كان ينطلق من المفهوم الماركسي الذي كان ينادي باستراتيجية طبقية تجعل من تغيير النظام عمل طبقة كاملة (أو تحالف طبقات كالعمال والفلاحين) لأن النظام في حقيقته تعبير عن سيطرة طبقة، ولا أهمية للأفراد فيه (وهم الأفراد الذين استهدفتهم نارودنايا فوليا ).ومَن خَلَف نارودنايا فوليا من الاشتراكيين اشتبكوا مع لينين في نقاش حول جدوي تكتيكاتهم المقاومة، ومما قاله لهم (وهذا أخيراً هو موطن الاستشهاد والمقارنة مع وضع الحرب اللبنانية وموقف الجماهير العربية منها): إن الجماهير ستتفرج علي بطولاتهم وهي تنكش أنفها!.لو أدرك هؤلاء المتحاورون عصرنا لربما قال لينين إن الجماهير ستتابع بطولات المبارزين للنظام القيصري علي قناة الجزيرة مثلاً كما تتابع مسلسلاً شيقاً فيه أبطال أخيار يواجهون الشر، أو كما تتابع مباراة رياضية.(3)أحب أن أذكر بالتاريخ الطويل لحركات ثورية في العالم ولا سيما في العالم الفقير الذي كفوا منذ بضعة عشر عاماً عن تسميته العالم الثالث دون أن يصطلحوا علي تسمية جديدة له، بسبب عدم وضوح التقسيم الجديد، حيث أن العالم الثاني اختفي فأين نضع هذه الكتلة التي كانت ثالثة؟ لا شك أن الجميع يستكثر عليها أن تسمي عالماً ثانياً مثلاً، وقد انقرضت تسميات أخري تستبطن رؤي مختلفة وخيارات بديلة (حركة عدم الانحياز مثلا) بذهاب أبطالها المؤسسين.هذه الحركات التي أذكّر بها كانت قد تغطت بعباءة فضفاضة هي العباءة الماركسية، ونطقت بلغة متماثلة ظاهرياً بتماثل المصطلحات والخلفيات النظرية العامة مختلفة عملياً باختلاف الاتجاهات والتطبيقات الملموسة، وأستعمل ذلك التاريخ مع اعتقادي الراسخ بموت الماركسية. لا يعيدها إلي الحياة شيء، ولكن موتها لا يعني موت قيم كثيرة انطلق منها المناضلون الذين أعلنوا وقتها ماركسيتهم، لأن هذه القيم لم تخلقها الماركسية، بل كانت موجودة عند المناضلين سلفاً وجعلوا الماركسية تبررها إن شاءت أم أبت!، وهذه القيم جزء من الفطرة الإنسانية لا يخلو منها زمان ولا مكان، وضعها الله في الناس حين خلقهم، ولا ترفع من الأرض ما بقيت الأرض.حاربت هذه الحركات نوعين من القهر: قهر الاستعمار المباشر وكان شعارها هو الاستقلال، وقهر حكومات فاسدة تقودها طبقات مستغلة تمتص دماء الأكثرية، وفي جميع الأحوال كان مفتاح الحل للمجتمع في اعتقاد هذه الحركات يتمثل في الاستيلاء علي السلطة السياسية، حيث أنها صادرت علي أن المستوي السياسي هو المستوي الذي يتحكم بكل المستويات الأخري التي تكون المجتمع، وعلي أن احتكار العنف بالذات عبر احتكار السلطة من شأنه أن يجبر (باسم الشعب) الطبقات المستغلة علي تسليم ما تملكه من ثروة وسلطة للطلائع التي تحقق البرنامج التحرري العتيد.الشعار السائد كان المقاومة وفي معظم الحالات كانت المقاومة العنيفة هي المقصودة، وشذت عن ذلك مقاومة غاندي في الهند، ومقاومة حركة الحريات المدنية في أمريكا بعدها بقيادة مارتن لوثر كنغ.(4)جريدة بانياس التي تصدر في الجولان المحتل استطلعت آراء بعض المهتمين العرب في نتائج الحرب الأخيرة في لبنان وكان من الأسئلة السؤال: تأثيرات الحرب علي الشعب اللبناني خاصة.. والشعوب العربية عموماً.. ونعني بالتأثيرات: الحياتية والاقتصادية والاجتماعية أولاً التي تكبدها الشعب اللبناني ومدي قدرته علي تجاوزها، وثانياً بالتأثيرات بعيدة المدي لهذه الحرب علي الشعب اللبناني والشعوب العربية الأخري: ثقافياً واجتماعياً ونفسياً.. هل سترسخ هذه الحرب ما يسمي بـــ الوعي المقاوم ؟. أجاب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح: أعتقد أن لبنان أبلي بلاء حسنا في مواجهاته مع إسرائيل لأن مواطنيه أحرار، ولأنهم يعشقون الحياة، قلوبهم لم تتعرض للكسر وضمائرهم للتعفن كما جري لغيرهم في البلاد العربية الأخري علي يد نظم الطغيان والفساد. فصل المقاومة عن الحرية هو الطريق إلي الهزيمة والعبودية معا. المقاومة كحرية والحرية كمقاومة، هي ما يمكن أن تعطي للكفاح الوطني معني. هل هذا اسمه وعي مقاوم؟ أميل للتشكك بتعابير من هذا النوع ترتبط في ذهني بأنظمة مستبدة وأحزاب كذابة وسياسات فاسدة . رغم أن ياسين في كثير من كتاباته يبدو لي شخصاً نقدياً ولا يقع بسهولة شأن غيره من اليسار المتحول ذي المزاج اللبرالي الجديد في خطأ ما أسميه أيديولوجيا الجكارة ، ويتلخص مضمونها في الوقوف ضد ما تقوله الأنظمة حتي لو كان صواباً! لكنه هنا تحفظ علي المصطلح الوعي المقاوم تحفظاً بعيداً عن الصواب، فقد قفز بصورة لامنطقية خارج السياق، فمن تأملاته عن العلاقة بين الحرية والبلاء الحسن في المقاومة، وهي فرضية قابلة طبعاً للنقاش قفز إلي التشكيك بالمصطلح، وأخشي أننا هنا فعلاً إزاء عرض نفسي لكراهية شديدة لأفكار شائعة لم تخترعها الأنظمة بل هي جزء من التجربة التاريخية الحديثة للعرب، لمجرد أن أنظمة مستبدة وأحزابا كذابة وسياسات فاسدة ترددها، مما جعله يخترق كل منطق وكل سياق، متراجعاً عما لاحظته عنده في مقالات سابقة من مستوي تحليلي رفيع. الوعي المقاوم في حالة الشعوب المقهورة يجب أن يستثير في الذهن (الصحيح نفسياً!) أفكاراً عن رفض الظلم ومحاولة إزالته، أما أن يقترن بالأنظمة المستبدة والأحزاب الكذابة والسياسات الفاسدة فإن هذا ارتباط شرطي مريض إن شئنا الحديث بلغة بافلوف، وأنا طبعاً مقر سلفاً بأن هذه الأعراض المرضية لها أسبابها، ويسأل عنها تاريخ طويل تعودناه من المزاودة والإعلام المموه للحقائق والمجمل للواقع القبيح خضنا غماره منذ نكبة عام 1948، بل ربما منذ تاريخ أسبق، إذا تذكرنا استغلال بعض الزعران في صفوف الشعب، وبعض الزعامات أيضاً لانتفاضات مجيدة كثورة 1936 في فلسطين لتحقيق مآرب شخصية بعيدة كل البعد عن الشعارات المرفوعة. وقد جاء تاريخ الأنظمة القومية بعد ذلك، ولا سيما في ارتدادها الأخير الذي جاءت به حقبة ما بعد عبد الناصر ليحول هذه المزاودات الوطنية التي تغطي سياسة نهب واستعباد وكم للأفواه لم يسبق لها مثيل إلي شيء مزعج ما عادت آذان المواطنين المساكين تستسيغه. إنه ارتباط مرضي نتفهم أسبابه ولكن يجب علينا أن لا نقر به، وذلك لأسباب مبدئية قبل كل شيء.وقد يدل هذا علي أن التلاميذ المفترضين لياسين الحافظ حتي في حالاتهم الجيدة (مثلاً من الحالات غير الجيدة في رأيي حالة السيد عبد الرزاق عيد الذي كتب عن ياسين الحافظ كتاباً حوله فيه من مناضل قومي معاد للاستعمار إلي مثقف نيو لبرالي من الشاكلة التي نراها كثيراً هذه الأيام) هم فعلياً في مواقع مختلفة عن مواقع الأستاذ، حتي لو لم يعترفوا بذلك لأنفسهم.ذلك أن ياسين الحافظ كان يعلق علي عنصر الوعي أهمية مركزية، وامتلاك الإنتلجنتسيا العربية للوعي الذي كان يسميه مستعيراً تعبيراً فرنسياً الوعي المطابق Concience adequate كان شرطاً مسبقاً في نظره لإنجاز أهداف الأمة العربية ويعرفه في كتاب الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة بأنه امتلاك سياسات التغيير الراديكالي في الوطن العربي للوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها . ويري أن له ثلاثة مستويات:في المستوي الأول هو وعي كوني وفي الثاني هو وعي حديث وفي الثالث هو وعي تاريخي.هذا الوعي هو وعي يواجه قوي لا تريد تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها ، وقد ظل ياسين الحافظ حتي نهاية حياته يشخص الاستعمار ورأسه الأمريكي مع الجزء المكمل الصهيوني له علي أنهما هما من يحاول منع الأمة العربية من تحقيق أهدافها التاريخية، فالمرء لا يكون متعسفاً إن قال إن الوعي المطابق عند الحافظ هو وعي مقاوم بامتياز..التيارات القريبة من اللبرالية الجديدة في سورية الآن تقرأ ياسين الحافظ هو وزميله الياس مرقص علي أنهما كانا لا أكثر علمانيين في وجه الإسلامانيين ولبراليين في وجه السلطة، وأما البعد العربي الوحدوي المعادي للاستعمار في تفكيرهما فيتم تجاهله.خاض الياس مرقص وياسين الحافظ في نهاية الستينات والجزء الأول من السبعينات نقاشات حامية مع تيار المقاومة الفلسطينية وأنصاره العرب، وفي وجه شعار حرب التحرير الشعبية رفع الاثنان مطلب الحرب النظامية التي تقوم بها أنظمة حديثة بنخب قائدة ذات وعي مطابق (التعبير لياسين الحافظ، لكن الياس كما يري الملاحظ كان يتفق معه في الآراء حتي لو اختلفت اللغة). والذي يراه المراقب المدقق أنهما كانا يريان في شعار حرب التحرير الشعبية مجرد تعويق لهذا الهدف الذي كانا يريان فيه أساساً لتحرير فلسطين كهدف استراتيجي.في كتاب المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن يقول الياس مرقص رداً علي المنظرين لحرب التحرير الشعبية : سيكون هناك حرب نظامية وجبهة شرقية ونمو عربي ووحدة عربية، أو سيكون هناك لا أقول (سلام) و (حل سلمي) بل مزيد من التدهور والهزائم .لا شك أن السنوات اللاحقة أظهرت صدق توقعات الياس مرقص، فقد كان هناك تدهور لا مثيل له وهزائم ماحقة، لكن الشك يقوم حول صحة تأييد مرقص والحافظ للحرب النظامية، ولعلها كانت واردة حتي عام 1973، لكن السنوات اللاحقة جاءت بميل كبير في موازين القوي لغير صالح العرب، بحيث جعل الحرب النظامية كما تظهر تجربة حرب الخليج طريقا لإسقاط الأنظمة الحاكمة ولاحتلال الأقطار العربية.(5)إن الجدال بين من يري في النهوض الحضاري الشامل من حالة الانحطاط شرطاً لتحقيق التحرر الناجز ومن يري في المقاومة المسلحة للاستعمار شرطاً وحيداً لهذا التحرر، بحيث تؤجل كل مسائل النهوض الأخري إلي مرحلة ما بعد طرد الاستعمار هو نسبياً قديم، واكتفي هنا بالتذكير بالجدالات المصرية بين أنصار الحزب الوطني وأنصار حزب الأمة الذين كان معظمهم يحسبون علي تيار محمد عبده الذي كان يناصر برنامجاً طويلاً للنهوض بحالة المجتمع، خصوصاً من زاوية التعليم (الحزب الوطني ركز كل جهوده علي تحقيق الاستقلال لكنه لم يناصر بالضرورة المقاومة المسلحة وما ميزه هو شعار لا مفاوضات قبل الجلاء ، وهو بالمعني الدقيق نقيض لحزب الأمة الذي لم يكن يهتم بالجلاء أصلاً ومختلف عن حزب الوفد الذي لم يكن يمانع في المفاوضات في سبيل الجلاء). ولكن بعد نكبة فلسطين مباشرة ظهر هذان التياران اللذان يمكن أن نمثل للأول منهما بقسطنطين زريق وكتابه معني النكبة وللثاني وهو التيار الذي ساد شعبياً وظل سائداً عملياً بأفكار المنظمات التي ظهرت بعد النكبة في الخمسينات وانتقلت في منتصف الستينات إلي الكفاح المسلح. وهذه المنظمات لم تعمل التفكير طويلاً في السؤال: ما هو الطريق الذي يقود إلي حل مشكلة فلسطين، لأن التفسير الشعبي السائد للنكبة انبني علي مقولتين: الأولي إن العرب هزموا عسكرياً لا أكثر ولا أقل والثانية إن سبب هذه الهزيمة هو خيانة الحكومات العربية. لكن التيار القومي الذي مثله حزب البعث وحركة القوميين العرب ثم تطابق معه في الأفكار تدريجياً نظام ثورة 23 يوليو في مصر بقيادة عبد الناصر قدم تعقيداً منتجاً لهذا التبسيط المفرط عبر القناعة بأن الوحدة العربية يجب أن تحدث أولاً قبل التفكير في تحرير فلسطين. ولكن هذا التفكير القومي ظل عموماً يركز علي مستوي واحد في التغيير المطلوب وهو المستوي السياسي، فللوصول إلي الوحدة يجب قلب كراسي الحكام، والطريقة الأسرع إلي ذلك هي الانقلابات العسكرية، وقد جري تجريب ذلك بالفعل في العراق عام 1958 وفي اليمن عام 1961، ولكن في المغرب العربي كانت هناك تجربة مختلفة هي تجربة جبهة التحرير الجزائرية التي ستقدم النموذج لحركة فتح ولمنظمات فلسطينية أخري.آراء قسطنطين زريق ظلت نظرية بدون أن تؤخذ بجدية حتي من قبل تلاميذه المفترضين الذين هم حركة القوميين العرب فالرجل كان (ولا يزال!) يعرف ببساطة علي أنه منظر قومي ونقطة.في بلد الثورة اللاهبة، ثورة المليون شهيد التي حققت النصر عام 1962 ظهر مفكر كبير وضع أفكاره بخدمة العالم الثالث كله ثم العالم الإسلامي والعربي هو مالك بن نبي، وقد انطلق من تدين أصيل وفلسفة شاملة للحضارة، وتركيزه علي مكافحة القابلية للاستعمار، وحل المشكلة الحضارية يضعه في مدرسة واحدة مع منظرين يبدون بعيدين عنه بعد السماء عن الأرض، ومنهم ياسين الحافظ، وشرح الاتفاق في المنظور بينهما يسهل فهمه علي الشاب العربي البريء خالي الذهن الذي يبحث عن حقيقة الواقع العربي الراهن، لكنه لغز لا يحل وطلاسم بالنسبة للطفيليين العجائز مثلاً من القوميين المشتغلين في أبحاث الوحدة العربية بالطريقة نفسها بدون تعلم من التجارب، وهم مستعدون أن يتابعوا الأبحاث بالطرق العقيمة ذاتها طالما ظل هناك تمويل ممن تبقي من بقايا للأنظمة القومية التي لا يستطيعون العيش إن لم يكونوا ذيولاً لواحد منها.هذه الطريقة في النظر إلي الحل، وهي طريقة التركيز علي التغيير الداخلي بحيث يبني العرب بنية اجتماعية-سياسية منيعة تستطيع المواجهة تواجهها طريقة أخري هي السائدة الآن، وهي تتمحور حول مبدأين أساسيين:1 ـ أولوية مواجهة الخطر الخارجي. 2 ـ أولوية التغيير السياسي في ذروة الهرم السلطوي. أنصار هذا النوع من الفكر المقاوم الذي يركز علي مقاومة التحدي الخارجي وتغيير الحكومات المتحالفة مع القوي الاستعمارية الجديدة كثر، بينما لا نكاد نسمع صوتاً للاتجاه الأول، ومعظم الذين نسمعهم في الفضائيات مثلاً يستشهدون بمطالبة مالك بن نبي بمكافحة القابلية للاستعمار أولا هم من أنصار الأنظمة وأنصار الاحتلال الأجنبي الذين يهدفون إلي تبرير مناصرتهم للاحتلال وليس إلي مكافحة الاستعمار كما كان مالك يريد.(6)مع الإنجاز الكبير للمقاومة في جنوب لبنان في حرب تموز/ يوليو 2006 من الواجب علي الفكر العربي أن يجدد نقد الوعي المقاوم. النقد هنا ينطلق من موقع الالتزام الأخلاقي تجاه العالم وتجاه الأمة العربية، وليس من موقع الانصياع للقوي المسيطرة في العالم وتوابعها العربية. أول ما جاءت به تجربة حزب الله في اعتقادي هو تحطيم الاعتقاد الدوغمائي الجامد لبعض اليسار العربي الذي يظن أن ثمة سوراً كسور الصين يقف بين المتدينين وبين العقلانية والحداثة. إن حزب الله، الذي هو في الحقيقة يزيد كثيراً عن مجرد كونه حزباً، يتبدي كمؤسسة معقلنة إلي أعلي درجة، متماسكة لا تقسمها الشقوق المعتادة في المجتمع العربي المحيط، وهي بحق آية في التوزيع العقلاني للموارد البشرية والمادية، وفي الانسجام النموذجي بين البعد الروحي ـ بعد الإيمان العقدي، والبعد المادي المتمثل في تملك المهارات التقنية بأعلي درجاتها، آية من آيات النظام والانضباط، ونقيض للتجربة الفاشلة التي سبقتها لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت نموذجاً للفوضي والارتجال والفساد الذي التهم كل العناصر الشريفة والمخلصة الكثيرة التي مرت في التجربة الفلسطينية (يقدم نموذج السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة استمراراً لتجربة المنظمة في لبنان مع ازدياد في درجة الانحطاط).لسوء الحظ حصلت هذه التجربة في البلد العربي الأكثر استقطاباً طائفياً مما يحول دون الحزب وتوسيع قاعدته الشعبية (لو أراد، وطبيعته الدينية تجعلني أشك في أنه يريد!) والحال أننا لا يجب من هذه الناحية أن نري في تجربة حزب الله المثل الأعلي المطلوب، فالمثل الأعلي المطلوب يجب أن يكون حركة نهضوية شاملة تتجاوز الطوائف والانقسامات العمودية من أي نوع كان. ما نراه بعد الانتصار ظواهر سلبية تحول بين المواطن العربي وبين الاستفادة من تجربة المقاومة اللبنانية. من هذه الظواهر الشخصنة، فشخصية الأمين العام لحزب الله ينظر اليها علي أنها السبب الأول والأخير في النجاح، وهذا يعطل رؤية مجمل البنية التي قادت إلي هذا النجاح، ويجعل من المواطنين العرب في موقف انتظاري لظهور شخصية مماثلة عندهم! وفي الحقيقة إن شخصية متمرسة مبدئية كشخصية نصر الله لا يمكن تصور وجودها لو لم تكن مجمل بنية المقاومة اللبنانية بنية نموذجية تفرز القيادة المناسبة وتحول بين غير ذوي الكفاءة والقيادة. ومنها التركيز حصراً علي دور البندقية، وهذه مصيبة كبيرة سبق لكاتب هذه السطور أن أشار إليها، فالبندقية بلا وعي مناسب تقود إلي كوارث اجتماعية وسياسية، ولا شك أن القوي العدوة تشجع امتشاق ذوي الوعي الانحطاطي للسلاح، ومثال الزرقاوي في العراق مثال واضح، فقد قام هو وأتباعه بكل طواعية بدور كبير يشكره عليه الأمريكان والصهاينة في تسهيل مشروع التقسيم الطائفي للعراق. وإنني لأتمني من أعماق قلبي أن لا يحاول التيار الوهابي الشعبي أن ينقل جهاده إلي فلسطين ولبنان، فإن فعل فلنقرأ السلام علي مستقبل المقاومة في هذين البلدين!.وإنني لأقول ما هو أكثر من ذلك: كثيراً ما يؤول الوعي الانحطاطي تجربة لبنان علي هواه فيركز علي البندقية التي استعملت ضد الاحتلال ولا يركز علي السلوك السلمي تجاه أبناء الوطن.لم تستعمل المقاومة العنف تجاه أبناء وطنها، وهذا بخلاف المقاومة في فلسطين، فقد حمل السلاح عندنا تجاه التنظيمات الأخري ولفرض مطالب فئوية، بل عشائرية أحياناً.الموقف السلمي ضمن الأقطار العربية هو في اعتقادي مطلب جوهري وإلا تحولت المعارضات العربية إلي مشعلة لنيران الحروب الأهلية.وكون البندقية استعملت في لبنان بفعالية فهذا لا ينفي فاعلية المقاومة السلمية، وهو الشكل الذي أفضله وأراه هو الشكل المستقبلي، ذلك أن هذه المقاومة تحشد كل الطاقات الاجتماعية وتحيد كثيراً من الأعداء، وتخمد كل محاولة لاستثارة التناقضات الداخلية وتمنع تحولها لحرب أهلية، وتقسم صفوف العدو.وقبل ذلك كله: إنها تتناسب مع الإنسان الذي شب عن الطوق، وتجاوز مرحلة الهمجية الحيوانية، وعندها ستفضح القوي الهمجية نفسها في العالم كله، قوي يرمز إليها أناس من نوع بوش وبلير وأولمرت.الوعي المقاوم الجديد يجب في اعتقادي أن يتوجه إلي الأساس الاجتماعي ويعتبر أن فكرة بناء المجتمع المنيع الجديد يقوم به الناس أنفسهم، حتي بدون العودة إلي المستوي السياسي، يجب خلق حركة اجتماعية تتجاوز مبدأ المطالبة بالحقوق من السلطة الذي كان مالك بن نبي يندد به دائماً، فهناك بعد لم يركز عليه الفاعل العام عندنا طيلة القرن الماضي وهو بعد الناس، بعد السلوك اليومي الذي لو تغير لتغيرت البنية الحضارية كلها وتحولت من بنية انحطاطية إلي بنية نهضوية، وتحول دون هذا التوجه النظرة المفرطة في التسيس التي ميزت الفعل المقاوم عندنا.تستطيع الحكومات أن تحول بين المواطن والسلطة لكنها لا تستطيع أن تمنعه من تغيير سلوكياته اليومية التي تبدد الوقت والجهد وتثير الانقسام وتخلق المزيد من الانحطاط سنكرونياً ودياكرونياً كما يقول اللسانيون، أي تشجع الانحطاط القائم وتبني انحطاطاً إضافياً مع الزمن وعبر الأجيال. تستطيع الحكومات أن لا توحد الدول ولكنها لا تستطيع أن تحول بين المواطنين العرب والتوحد! ما الذي يمنع الخليجي أن يفضل تشغيل العمال العرب؟ وما الذي يمنع المواطن العربي أن يفضل السلعة العربية علي غيرها؟ ومن الغريب غرام الوعي المقاوم السائد بشعار مقاطعة البضائع الأجنبية ولم أر أحداً يرفع شعاراً إيجابياً في مقابل هذا الشعار السلبي: تشجيع البضائع العربية !. ثمة تحليلات لا حصر لها لظاهرة الانحطاط الحضاري والفرق بين مجتمعاتنا و المجتمعات المتقدمة وأقترح علي الوعي الجديد أن يتبني التعريف الملائم التالي الذي هو أيضاً ليس خطأ حتي من ناحية نظرية: المجتمع الناهض هو المجتمع الذي سلوك أعضائه متقدم والمجتمع المنحط هو المجتمع الذي سلوك أعضائه منحط وبهذا التعريف نضع مهمة النهضة علي كل فرد في المجتمع ولا نضعه متواكلين علي عاتق أحد غيرنا، تماماً كما أننا بهذا نضع مسؤولية انحطاطنا علي أنفسنا ولا نعلق هذه المسؤولية علي شماعة أحد غيرنا .الوعي المقاوم يجب أن ينقد من جديد ويبني علي أسس جديدة.كاتب من فلسطين يقيم في برلين8