نقد الواقعية الرقمية

حجم الخط
0

نقد الواقعية الرقمية

د. سوسن مروةنقد الواقعية الرقميةنعيش اليوم زمن العولمة، زمن نفي المكان والجغرافيا، زمن الاستهلاك، زمن انسلاخ الانسان عن حياته وواقعه وانكفائه علي ذاتيته وفرديته. وقد تكاثفت ثقافة العولمة وتجسدت في شبكات الانترنت حيث ينكمش الفرد في حدود صفحات الويب ويعيش عالم ما بعد الواقع، عالم الواقع الافتراضي فيحيا كما لو أنه يحيا. في هذا العالم الافتراضي يتحول الانسان الي فرد افتراضي يستبدل نور الواقع بكهف أفلاطون بملء ارادته مُبحلقاً في ظلال الواقع فيراها عينَ الواقع. وفي ثقافة الانترنت، المعرفة والثقافة معادلان لتخزين المعلومات التي تتحول الي سلعة للاستهلاك أو سهم في بورصة المبادلات التجارية. أما العلم فلا يعود أداة لخدمة تطور الانسان بل بات الغاية التي يتسابق الانسان لتقديسها وتبدو تقنية المعلومات بكل عناصرها وكأنها الوعاء الذي يحوي في داخله الثقافة والأدب ويختزل الانسان الي خصيصته التي استحدثها العلم ـ الانسان ككائن استهلاكي وربما بيوتكنـــولوجي وينتفي الانسان ككائن تاريخي ثقافي. تدعو ثقافة العولمة الي معاداة يوتوبيا المثقفين الذين يحلمون بامكانية تغيير العالم، فترمينا جميعا تحت عجلات فقدان الارادة والقدرة علي فهم وتشكيل التاريخ، حسب عزيز لزرق، وبالتالي انهيار الحلم بمستقبل مختلف قد يكون أفضل. هكذا تستبدل العولمة وثقافة الانترنت اليوتوبيا، التي هي الواقعية بعينها من حيث هي تعبير عن الحاجة الي جعل المستقبل يتجاوز الحاضر، بواقعية افتراضية يكمن في جوهرها التسليم بالواقع الرقمي المستحدَث الرامي الي تذويب الفروق الثقافية. في هذا العالم الرقمي وُلِدت الواقعية الرقمية. في رأي مبتكر مصطلح أدب الواقعية الرقمية الكاتب محمد سناجلة، قد وُلد الانسان الرقمي الجديد الذي يعيش ويتحرك، يتاجر ويتعلم ويحب في المجتمع الرقمي الافتراضي. وهذا المجتمع الجديد بإنسانه الجديد في حاجة لأدب جديد ورواية جديدة مختلفة تعبّر عنه. وطالما أننا نعيش العصر الرقمي،حسب سناجلة، وفي الزمن الرقمي حيث الزمن يساوي السرعة وتلتغي المسافة متحررين من بُعد المكان، فان الأدب الجديد والرواية الجديدة هما أدب ورواية الواقعية الرقمية. هل فعلاً تحرّر الانسان الرقمي من بُعد المكان؟ لقد تحررت المعلومة، وتحرر النص الأدبي اتصالياً من بُعد المكان، لكننا نحن الجالسين في مواجهة شاشة الحاسوب وليس في النبضات الالكترونية، نعبّر عن خبرتنا الواقعية ومعاناتنا الحياتية والوجودية من خلال الرواية والنص الأدبي. نحن موجودون كأفراد افتراضيين في المجتمع الرقمي، موجودون بالقوة وليس بالفعل، رقميا وليس واقعياً. ان كلا الزمن والسرعة التي ورد الحديث عنهما رقميان مرتبطان عضويا بالمعلومة وليس بالانسان. ألا يبدو القول عن السرعة والمسافة والتغاء المكان اسقاطاً لمفاهيم فيزيائية بامتياز علي الانسان تحوّله الي نبضات الكترونية تنتقل في زمن يساوي السرعة حيث اللامكان؟ قد يستقيم هذا القول مع شطحات أدب الخيال العلمي حيث تتمدد مثلا طاقةُ الابداع الانساني مع طاقة الكون ويستحيل الانسانُ الي جزيئات من الذكاء الاصطناعي تسافر في قنوات الزمن المتسارع تاركاً معناه وتاريخه في البصمات العالقة علي فأرة الحاسوب. مما لا شك فيه أن النص الأدبي ـ ورقياً كان أم رقمياً ـ يتجه الي استحضار الخيال العلمي المنطلق من ثورة التكنولوجيا والمعلومات ومن المعطيات المتجددة للفيزياء الكوانطية وقد يعزز أدب الخيال العلمي من صلة الانسان بشرطه الانساني ونزوعه لاكتشاف أبعاد جديدة لوجوده وكينونته. في المقابل يفترض بنا أن نميز بين نصٍّ أدبي يُنشر رقميا ويمكن قراءته بعد طباعته وبين نص مرقمن أجريت عليه تعديلات واضافات باستخدام وسائط بصرية وسمعية (وشمية أيضا كما يتنبأ منظرو التكنولوجيا). ما يميز النص الأدبي المرقمن ـ والرواية المرقمنة تحديدا ـ هو استخدامها للهايبرتكست، أي النص المفرّع أو المتعالق. وأول من استخدم هذا المصطلح رائد الحاسب الآلي ثيودور نيلسون في منتصف ستينيات القرن الماضي ويعني بها كتابة غير تتابعية ـ النص الذي يتشعب ويعطي القارئ خيارا، وخيرُ مكان لقراءته هو شاشة تفاعلية. وهو سلسلة من الكتل النصية تربطها حلقات يمكن أن تمنح القارئ مسارات مختلفة، والنص المتعالق هو ببساطة الربط المباشر بين موقع وآخر من النص نفسه أو نص آخر، والقدرة علي استحضارها في اللحظة ذاتها .يتميز هذا النص أو هذه التقنية بقدر من المرونة تعطي القارئ الفرصة للمشاركة في تشكيل النص الأدبي ويوفر مساحة من الحرية في اتباع الروابط دون تدخل من أحد. قد يحفّز الهايبرتكست القارئ ويشجعه علي الابحار في القراءة اذا ما اختيرت الوسائط البصرية والسمعية (الملتيميديا) بابداع علي ألا تكون هذه الوسائط علي حساب تهميش دور النص اللغوي ولغة النص والا بَطُل وجوده كنص أدبي وبات نوعا من لقطات بصرية سمعية تراودها الكلماتُ بين الحين والآخر. لكن انفتاح هذا النص ولاثبات بُنْيته وتموّجها دون بداية أو نهاية، ألا يؤدي الي تشتيت القارئ وتشظيته، فلا ينتهي من عملية القراءة -المشاهدة -السماع الا وهو مفرَّغ من المعني؟ وهل تستتبع هذه التقنية حتميةَ هكذا نتيجة؟ أم أن المحصّلة تعتمد الي حد ما علي المرجعية التي يتكئ اليها كاتب النص المتعالق؟ ولو افترضنا أن الكاتب ينطلق من مرجعية اجتماعية أو أخلاقية أو ما شاكل ذلك من المرجعيات الأدبية، فان انفتاح النص علي مشاركة المتلقي في تغيير وجهة النص ومعناه وجماليته، في الاضافة أو الاختزال يُفقد النص مرجعيته اذ يتراجع تلقائيا دور المؤلف ليضمحلّ ويصبح القراء مؤلفين افتراضيين ليضمحلّوا كلٌّ بدوره وهكذا..لا يمكن لنا الا أن نتنبّأ، في هذه الحال، بتشظي النص الأدبي وتفككه وخروجه عن مرجعيته وقصديّته وتخلّيه عن التماسك في روحية النص التي قد تضمن المعاناة الجمالية بكل أبعادها الانسانية. تتطلّب رواية الواقعية الرقمية من اللغة أن تكون سريعة، مباغتة، اذ لا مجال للاطالة والتأني، فحجم الرواية يجب ألا يتجاوز المئة صفحة علي أبعد تقدير، ولن يكون هناك مجال لاستخدام كلمات تتكون من أكثر من أربعة أو خمسة حروف.. أما الجملة فيجب أن تكون مختصرة وسريعة، لا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات علي الأكثر.من البديهي أن تكون اللغة سريعة ومباغتة فمنطق ثقافة الاستهلاك يصبّ في نفاد الصبر والتوتر و الرغبة في الالتهام السريع. انها ثقافة take awayالساندويتش وهي ثقافة لا مجال فيها للتفكير والتأمل في عصر السرعة والصورة الفاتنة. ثم انه يتوجّب الأخذ بعين الاعتبار الصعوبة العملية في قراءة مقال طويل من شاشة الحاسوب مباشرة دون التعـرض لتعب العين وفقدان التركيز، فماذا عن رواية طويلة؟! وتتطلّب قراءة نص أدبي أو معرفي ذي جودة قدرا من التركيز والصفاء..تبقي هذه القضايا مفتوحة للاجتهادات ومرهونة بالتجارب التي تقام في هذا المجال. قبل أن أنهي مداخلتي أود أن أشير الي أن بعض الآراء التي أوردتها أوّلية وغير نهائية وفي طور التساؤل والتبلور بحكم جِدّة الموضوع وعدم نضجه وندرة الدراسات حوله وقلّة التجارب المتبلورة في هذا المجال ليس فقط بالنسبة لنا كمجتمعات متخلّفة اقتصاديا ومستهلكة للتكنولوجيا وحيث أننا نعتبر من أقلّ الشعوب اقبالا علي ثقافة الكتاب، بل حتي بالنسبة لكثير من المجتمعات الأوروبية والغربية. فالشعوب الاسكندنافية، مثلا، وحسب احصاءات اليونسكو تعتبر من بين أكثر شعوب العالم اقبالا علي قراءة الكتب المطبوعة. ومع أنه تتوفر البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، الثقافة الأدبية، وتنظيم عملية وصول عامّة الناس للنصوص الأدبية، مطبوعة كانت أم الكترونية ومع ذلك تقول احدي الدراسات أن الاقبال علي الأدب المرقمن الذي يستخدم الهايبرتكست ضعيف. ومن بين احدي المحاولات الأولي خلال التسعينات رواية (هايبرأبوكاليبسيس) التي استخدمت مقدّمة تقول فيها أنه اذا كان القارئ غير مهتم كفاية بالقصة وانسحب من القراءة في أقلّ من 15 دقيقة، فان كل الشخصيات ستموت. وستكون هذه نهاية العمل الأدبي. وقد تبيّن أن هذه المقدمة لم تحدث الأثر المطلوب ولم تحفّز الاقبال علي القراءة. لكن الدراسة عينها تشير الي أن المشكلة حاليا تتجاوز تنافس النص المرقمن علي الحلول محل النص الأدبي المطبوع..انها مشكلة الاقبال علي القراءة عموما وبخاصة لدي الصغار والشباب ،اذا استثنينا القراءة بدافع تطوير آفاق العمل والتعليم. ہ ورقة عمل مقدمة الي مؤتمر اتحاد كتّاب الانترنت العرب / بمناسبة الاعلان عنه في فلسطين والاحتفال بمناسبة مرور عام علي تأسيسه.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية