نقد ذاتي للنزعة المركزية الأوروبية

حجم الخط
0

نقد ذاتي للنزعة المركزية الأوروبية

الغرب والآخرون بأعين الباحثة الفرنسية صوفي بسيس:منتصر حمادةنقد ذاتي للنزعة المركزية الأوروبية كان الخطاب الأوروبي في عصر الأنوار المروج للحرية والمساواة وحقوق الإنسان، أول مغتصب لهذه الحقوق من خلال حملات استعمارية، اتسمت بتبني نزعة ظلامية، لأنها حرمت نفس الحقوق الإنسانية علي الشعوب المستعمرة . لم يصدر هذا التقييم علي لسان أحد الباحثين العرب أو المسلمين أو العالمثالثيين، وإنما جاء بقلم الباحثة الفرنسية صوفي بسيس في كتابها الرائع الذي يحمل عنوان الغرب والآخرون: تاريخ سيطرة . صدر الكتاب عن دار النشر لاديكوفرت الباريسية. الطبعة الأولي 2004. الكتاب قراءة تحليلية رصينة في طبيعة علاقة الغرب مع باقي دول العالم، من خلال الاعتماد علي مراجع متنوعة تنور فهم تطور موازين القوي في الحقل السياسي والحقل الاقتصادي وأيضا في طبيعة الخطاب المروج من قبل أهل السياسة والفكر. وما يضفي مصداقية كبيرة علي قراءة بسيس، دقة ملاحظاتها من جهة، وتبنيها خيار النقد المزدوج، للممارسات الغربية ذات النزعة الإمبريالية ولإفرازات هذه النزعة، وإن كانت تركز أكثر علي نقد النزعة المركزية الأوروبية، مما يجعل الكتاب مادة علمية غنية بالنسبة للقارئ الغربي وقارئ الجنوب علي حد سواء، أو القارئ الشرقي، إذا استعرنا بعض مصطلحات القاموس الاستشراقي سيء الذكر. الغرب والآخرون قراءة في تاريخ القرون الخمسة الأخيرة، ويبدأ هذا التاريخ، حسب المؤلفة، منذ عام 1492 أي عام اكتشاف القارة الأمريكية، (وتتحدث بسيس عن اكتشاف بين مزدوجتين)، وطرد المسلمين واليهود من إسبانيا، حيث سنشهد آلة طرد المنابع الشرقية وغير المسيحية للحضارة الأوروبية. ففي مطلع القرن الخامس عشر اخترعت إسبانيا منظومة نقاء الدم ، وسوف تتكلف ازدواجية الانتماء للديانة المسيحية وللعرق في شرعنة غزو أمريكا، قبل أن يليها ظهور الخطاب المعادي للزنوج، أو الخطاب الذي يشرعن بدوره العبودية، وقبل أن تتدخل المنظومة العقلانية من أجل تبرير سمو العرق الأوروبي علي العرق الأسود.نحن أمام اختزال شديد للعرق الإنساني في هوية أوروبية تقوم علي رفض كل هوية تشوه صورة نريدها لنا نحن أهل أوروبا . يحدث هذا في وقت تطلع فيه أوروبا علي آفاق جغرافية جديدة وعلي تنوع ثقافي وإنساني غير متجانس مع المعتقدات الأوروبية الراسخة قبل رحلات الغزو والاكتشاف. جرائم ضد الإنسان الأبيضحتي عصر الأنوار لم يسلم من النزعة العنصرية البغيضة، بحيث أن الحديث عن عالمية الحقوق الإنسانية كان يهم فقط الإنسان الأبيض، وتحديدا الرجل الأبيض . وسوف تأتي النظرية العلمية التي تتحدث عن سمو هذا الرجل الأوروبي الأبيض من أجل الدفاع عن مصالحه وتغذية شهيته الاستعمارية وهو في كامل قواه العلمية. من أجل جعل العالم أكثر تحضرا، وبالتخلي عن النزعة الإنسانية، أصبح الرجل الأوروبي الأبيض يعتبر نفسه الحارس الخاص لهذه النزعة. ثمة نقد شديد وصريح تمارسه المؤلفة ضد أسطورة الرجل الأبيض ومهمته الحضارية .لا تتردد صوفي بسيس في التأكيد علي أن قدوم النزعة النازية لم يجسد استثناء أو قطيعة عما كان سائدا من قبل، بقدر ما كان استمرارية لنزعة الرجل الأوروبي الأبيض، والذارئع الفكرانية كانت بدورها جاهزة، من خلال الانطلاق من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة .كانت المسألة أكبر بكثير من مجرد الحديث عن تطهير العرق الآري السامي أو تأسيس إنسانية عليا، أو نزعة عرقية، وأنا لا أهدف إلي تمييع الشر كما قد يعتقد البعض ، تضيف بسيس، بل إن المسألة لم تخرج عن كون هذا الشر كان قائما منذ مدة. ولهذا السبب، لا يصح الحديث عن جرائم ضد الإنسان، وإنما جرائم ضد الإنسان الأبيض .نقد المراجعات التاريخيةفيما يتعلق بالمراجعات التاريخية المنددة بالنزعة النازية، والتي تمت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تري بسيس أن الوعي الإنساني بفظائع معسكرات الاعتقال الهتلرية، ما زال ناقصا لأن المفروض أن نعيد النظر في عقلية الاستعلاء الأوروبية. ومن الطريف أننا نندد اليوم بالنزعات العرقية والعنصرية للمنظمات النازية أو أحزاب اليمين، ونحن نتجاهل أن نزعة الاستعلاء ظلت راسخة في اللاوعي الأوروبي وكانت علي الخصوص أمرا عاديا من قبل .لقد ترسخت في الوعي الأوروبي نزعة التفوق والاستعلاء علي باقي الشعوب والأمم والثقافات، وهذا يفسر، من وجهة نظر المؤلفة مدي استخفاف المسؤولين الأوروبيين بمطالب الجزائريين والفيتناميين بضرورة الاعتذار عن مجازر سطيف وسايغون في عام 1945. إنه نقص في الوعي برأي مسؤولين رسميين. ولا تسلم حتي الأصوات الفكرية المؤيدة لاستقلال المستعمرات من نقد بسيس، مستشهدة في هذا الصدد بإحدي تصريحات الفيلسوف الفرنسي الراحل بول ريكور. تري المؤلفة أن الهوية الغربية لا يمكن أن تنفصل عن ثقافة الاستعلاء ، فلا فرنسا ولا الولايات المتحدة ولا بريطانيا جسدت الاستثناء علي هذه القاعدة، لأن جميع هذه القوي العظمي تنطلق من هذه الأرضية. إن الخوف من التخلي عن موقع الهيمنة ـ وهو الموقع الذي أسس طبيعة العلاقة مع العالم ـ أصبح لصيقا بالخوف علي الهوية من الاندثار. وخلافا لما أردنا دوما تكريسه كيقين، فإن هذه الثقافة تجسدت عبر أشكال عدة وفي جميع حقب التاريخ. واليوم، ومن خلال الضغط علي الجميع من أجل تكريس ثقافة الاختلاف والاعتراف بالآخر، يلجأ الغرب إلي تحديث هذه الثقافة عبر أشكال جديدة من نفي الغير وشيطنته، أو عبر المراوغة والمناورة حول المفاهيم المضللة، من قبيل ابتكار الأوروبيين لمنطق نحن وهم كلما تعلق الأمر بالتعاطي مع قضايا الأقليات الأجنبية المقيمة في القارة العجوز .أمل العولمة البديلة تري بسيس أن الغرب يبقي مرشحا لأن يهيمن علي باقي الشعوب والأمم، وذلك بالرغم من ظهور مراكز قوة جديدة في العالم، مع فارق أن الهيمنة هذه المرة تتخذ أشكالا جديدة ومغايرة عما كانت عليه الأمور من قبل. أما الأمل، عند بسيس، فيكمن في العولمة البديلة ، التي تفرز بالضرورة نهاية عصر الهيمنة وظهور متعدد لمراكز القوة والقرار، مما سيفضي في نهاية المطاف إلي فقدان الغرب لتفوقه وذبول نزعته المركزية والاستعلائية. ويتجسد ذلك علي الخصوص في المظاهرات الشعبية المنددة بالعولمة، والتي، للمفارقة، لا تنظم فقط في الدول العالمثالثية، بل إنها انطلقت أساسا من عقر الغرب ذاته. ويتجسد أيضا في المتغيرات التي مست المعيار الأساسي للثراء، بحيث أصبح لصيقا اليوم بمستوي التقدم الصناعي والتقني وليس بالجغرافيا، وخاصة بعد ولوج اليابان ودول جنوب شرق آسيا عالم التكنولوجيا المتقدمة، حيث أدت المعجزة الاقتصادية لليابان والنمور الآسيوية إلي نوع من القطيعة المفاهيمية مع المفاهيم القديمة والمتهالكة المرتبطة بالثراء.ثمة إذا مجموعة عوامل تترجم تآكل الهيمنة الغربية من خلال تنامي حصة جنوب شرق آسيا والصين في التجارة العالمية، وإذا علمنا أن القارة الآسيوية تستحوذ لوحدها علي ما يقرب من 30% من الإنتاج العالمي، ونضيف فوق ذلك الخطاب المروج لتصاعد القوة الاقتصادية الصينية خلال السنين والعقود المقبلة، فإن ذلك يؤشر بشكل عملي علي تقويض المركزية الغربية ، وعلي نقد جدي لمنظومة النظام الرأسمالي ومعه الحلم الليبرالي الذي روج له فرانسيس فوكوياما، الأمريكي الجنسية والآسيوي الأصل.كتاب الغرب والآخرون يدفع بقرائه إلي عدم التفاؤل كثيرا بخصوص مصير خطاب الاستعلاء الغربي الذي يعتقد أنه سيد الكون والطبيعة وإله البشر، ويحثنا نفس العمل الجاد علي تبني خيار النسبية في قراءة نسق فكري قديم، ظل دوما مختلطا مع النظام الطبيعي للأشياء. كما يساهم هذا الكتاب وبشكل موضوعي في زعزعة العديد من القناعات، ولكنه يخدم الإنسان، لأنه ببساطة يساعدنا في هدم المراجع المريحة، ويفتح آفاق المتلقي نحو فضاءات زمنية وجغرافية أوسع.صوفي بسيس، تذكروا هذا الإسم جيدا، لأنه يستحق ذلك، من جهتنا نحن علي الأقل، هذا إذا كنا نطالب الغرب والغير بأن يكون منصفا مع قراءات شرقية وغربية رصينة أبدعت في تمرير خطاب النقد المزدوج لأي نزعة مركزية تعتقد أنها تحتكر حقيقة، تبقي في الواقع، أعقد من أن تختزل في فكرانيات دينية ومذهبية وعرقية لا تمثل إلا نفسها.كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية