الناصرة- “القدس العربي”:
منذ أن قامت، غداة النكبة، تواصل إسرائيل تخصيص حصة الأسد من موازنتها السنوية العامة للأمن والجيش على حساب احتياجاتها المدنية وخدمات الرفاه، مما يؤدي لمشاكل وأزمات داخلية آخرها أزمة النقص الحاد بالمعلمين. وفي هذا المضمار يرى باحثون إسرائيليون أن منابع الأزمة تتصل أيضا بتسييس نظام التعليم الإسرائيلي، ورغبة المؤسسة الحاكمة باستخدام المعلمين أدوات لصياغة رواية ووعي لا تربية على الإنتاج والتفكير المستقل.
ويستدل من تقرير لوزارة المالية في حكومة الاحتلال أن 60% من المعلمين الجدد قد تركوا المهنة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بسبب “صعوبة العمل في التربية والتعليم وتدني الرواتب مقارنة مع مهن أخرى”. وتتصاعد الأزمة في الفترة الأخيرة حتى تفاقمت في الوقت الحالي، رغم محاولات السلطات الإسرائيلية رفع الراتب للمعلم الجديد إلى نحو ما يعادل 2000 دولار، لكن هذا بالنسبة للإسرائيليين غير كاف نظراً لغلاء المعيشة الكبير وفق مقاييس محلية ودولية، كما يتجلى على سبيل المثال في ارتفاع أسعار الخدمات والحاجات الأساسية، كالخبز، الماء، الكهرباء، والمحروقات، حيث يباع لتر البنزين الواحد بدولارين ونصف الدولار. في المقابل يتقاضى أصحاب مهن أخرى، وعاملون في مرافق، أخرى كالهايتك وغيرها، رواتب سمينة تعادل أضعاف راتب المعلّم. في هذا المضمار يوضح الباحث الإسرائيلي غيل غرطل أن النقص في المعلمات والمعلمين (الجيدّين) يؤدي إلى قلق وعدم استقرار في جهاز التربية والتعليم الإسرائيلي منذ فترة ممتدة ومتواصلة على مدار 50 عاماً على الأقل. في مقاله المنشور بالعبرية في موقع “محادثة محلية”، وترجمه للعربية الباحث من مركز “مدار” هشام نفاع يقول إن لا إضفاء الطابع الأكاديمي على المهنة، ولا عشرات برامج الإصلاحات التنظيمية والتربوية قد ساعد في حل الأزمة، فظروف العمل والأجور متدنية للغاية، لدرجة أن قلة قليلة من الأشخاص تكون على استعداد للدخول إلى هذه المهنة.
ويتساءل غرطل؛ لكن إذا كان هناك نقص في أعداد المعلمين والمعلمات، لماذا لا تتحسن ظروف العمل والأجور؟ موضحاً أن التفسيرات التي يقدمها قد عثر عليها في مقالات للبروفسور دروره كفير والبروفسور تمار أرياف. واللافت برأيه أنه على الرغم من أن هذه الكلمات قد كتبت منذ سنوات عديدة، إلا أنها لا تزال صحيحة حتى اليوم، منبهاً إلى أن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية مُصابة بمشكلة التسييس، والنظام مجزأ إلى تيارات وتيارات فرعية وفقاً لقطاعات، وهي تتنافس في ما بينها على الموارد. ويضيف: “في هذه الحالة، ليس من الممكن بلورة سياسة متماسكة ومتضامنة شاملة وطويلة الأجل ومهنية تستند على الأبحاث العلمية. كذلك، فإن المنافسة القطاعية تشل تطور التدريس من “مهنة” (بالمعنى التقني للأداء) إلى “تخصّص” (بمعنى التخصص الأكاديمي) فالسياسيون يحتاجون إلى المعلمات والمعلمين كأدوات لنقل المعلومات والأفكار، وليس كباحثين ومطوّرين للمعلومات والأفكار. ومن هنا يستنتج أن الافتقار إلى سياسة تعليم مهنية من قبل وزارة التربية والتعليم، وعدم وجود مفهوم المهنة بوصفها تخصصاً من جانب المعلمات والمعلمين، يتركان التعليم على حاله البائسة. وسبق أن حذرت الباحثتان كفير وأرياف في العام 2002 من أن “ثمن السياسة الراهنة المنتهجة سوف يظهر في غضون سنوات قليلة.
ويرى غرطل أن الجدل حول النقص في المعلمات والمعلمين مستمر منذ عقود، كما سبق الذكر، وعلى الأقل منذ أن انعقدت “لجنة عتصيوني” العام 1978 لمناقشة وضع المعلم والتدريس على خلفية “النقص الحالي والمتوقع في قوى العمل في السلك التدريسي”. في إثر توصيات هذه اللجنة (وكذلك “لجنة يافه” من العام 1971)، مرت كليّات ومعاهد تأهيل المعلمين بسيرورة أضفت عليها الطابع الأكاديمي، وأصبحت كليات يحق لخريجيها الحصول على درجة البكالوريوس في التربية. كما اشتملت سيرورة التحوّل إلى طابع التعليم الأكاديمي على رفع عتبة القبول للتعليم، على غرار الجامعات، أي استيفاء حد أدنى من العلامات في شهادة الثانوية (المعروفة في النظام التعليمي الإسرائيلي بـ “البجروت”) وفي الاختبار البسيكومتري. وقد كان مسؤولو وزارة التربية والتعليم الإسرائيلة متفائلين للغاية بهذا التحوّل، وتحدثوا عن حقبة جديدة في تأهيل المعلمين.
ويؤكد الباحث غيل غرطل أن الدراسة الأكاديمية أمر مبارك لأنها تفتح الباب على عالم واسع من المعرفة والتنوير، وتوفر للطالب درجة من الانضباط والمسؤولية والمنهجية في كل ما يتعلق بالطريقة التي نفسر بها العالم. لكن من ناحية أخرى، يرى أن أخذ دورة في “علم الحيوان المختص بالكائنات عديمة الفقريات” إلى جانب دورة “مقدمة في علم النفس التطوري” لا يجعلك مدرساً لعلم الأحياء، ويقول إن هناك خطوة يجب الانتقال إليها بين التمكن من المعرفة وبين تطبيقها في مناهج التعليم وتنفيذها في الصفوف الدراسية. ويضيف: ” تعاطت عدة لجان مع مسألة الطريقة الملائمة للجسر ما بين اكتساب المعرفة في الكليات (التعليم بالطابع الأكاديمي)، وبين تدريسها في الصفوف الدراسية، وهو ما كان يسمى حينذاك إضفاء الطابع الإنساني. وهذا ما جاء في تقرير “لجنة عتصيوني”: “تتبنى اللجنة الرأي القائل بأنه، إلى جانب التعليم بالطابع الأكاديمي، يجب أن يتم إضفاء الطابع الإنساني على تأهيل المعلمين من خلال توضيح الجوانب التربوية في وظيفة المعلم والمعاني القيمية الكامنة في موضوعات التدريس.
ويشير غرطل إلى أنه في غضون سنوات قليلة حلت خيبة الأمل محل الحماس، إذ أظهر بعض الأبحاث أنه رغم التعليم بالطابع الأكاديمي، لم تتمكن الكليات من توظيف كادر من المحاضرين ذوي خبرة أكبر، كما أنها لم تتمكن من جذب طلاب بجودة أعلى، وهكذا، لم تتغير تركيبة المعلمات والمعلمين في المدارس. ويتابع: “قد حاججت كفير وأرياف، في ذلك الوقت، بأن “التفسير لهذه النتيجة المخّيبة للآمال يكمن أساساً في حالة مهنة التدريس وظروف تشغيل المعلمات والمعلمين، مقارنة بقوّة جذب المهن الأخرى إليها. لا تزال هذه الحجج صحيحة حتى اليوم. وها هي، على سبيل المثال، بيانات المكتب المركزي للإحصاء.
ويعتبر غرطل أن أحد أسباب الفشل المستمر في جهاز التعليم هو ما يتعلق بقوة جاذبية المهنة، فحتى المكانة الأكاديمية المرموقة ليست جذابة ضمن ظروف متدنية في العمل والأجور. هكذا صاغ كفير وأرياف الأمر: “من دون القيام بتغييرات مهمة في ظروف عمل المعلمين (حجم الصف الدراسي، وساعات العمل، والراتب، وما إلى ذلك)، سيكون من الصعب رؤية تغييرات جدية قادرة على الثبات والاستمرار بمرور الوقت. ومن جهته ينبّه إلى أن التحولات والتغييرات لا تحدث من دون قادة يقفون في المقدمة، ولم يكن في وزارة التربية والتعليم (وليس هناك اليوم أيضاً) مثل هذه القيادة: “إن عدم وجود خطة رئيسة شاملة للنهوض بالمهنة يثير الشكوك بشأن الأهمية التي توليها وزارة التربية والتعليم أصلاً لتعزيز مهنيّة العاملين في سلك التدريس والتربية والتعليم.
يقول وهنا يُطرح السؤال: ما الذي يشل وزارة التربية والتعليم، ويمنعها من الاهتمام بالعاملات والعاملين في التربية والتعليم؟ الجواب هو: التسييس والتنافس بين القطاعات على موارد الوزارة: “إن التفكك الرسمي إلى تيارات قطاعية والخطوات المتسرّعة المنفلتة التي يجلبها معه كل وزير تربية وتعليم جديد للجهاز، لا يسمحان ببلورة سياسة طويلة المدى، وبالتالي فإنهما يقوضان أيضا العلاقة بين النقد الجماهيري والعمل التربوي.
ويتابع: “بكلماتي يمكن صياغة الحجة هكذا: وزارة التربية والتعليم مصابة بلوثة تسييس، وبالتالي فإنه يتم إضعاف المستوى المهني ومنعه من أداء عمله، وبالتالي ليس هناك تفكير استراتيجي، وليس هناك تحسن في ظروف العمل في المدارس، وليس هناك عدد كافٍ من المعلمات والمعلمين، حتى لو مرّت الكليّات والمعاهد في سيرورة من إضفاء الطابع الأكاديمي عليها.
السبب الثاني في أن التعليم بالطابع الأكاديمي لم يحقق التغيير المنشود، برأي غرطل، هو الفشل المهني في وظيفة التدريس: أظهرت الدراسات أن المعلمات والمعلمين لا يدركون ولا يفهمون العلاقة ما بين الدراسات الأكاديمية وبين العمل التدريسي في الصفوف. لقد تم النظر إلى هذه الدراسات الأكاديمية على أنها توسع المدارك في خدمة الثقافة العامة لدى المعلم، إلا أنها “لا تشكل سبيلاً لتطوير مهارات التدريس، وليست هناك أيضاً توقعات بشأن مساهمتها المحتملة في تحسين مهارات المعلم التدريسية”. أي أنه بالنسبة للمعلمات والمعلمين هناك فصل بين تعلمهم هم أنفسهم وبين عملهم التدريسي أمام الطالبات والطلاب.
ويستذكر أنه في هذا الصدد كتبت كفير وأرياف: “يبدو أن المعلمين لا يطالبون بالتمتع بالاستقلالية المهنية لأنفسهم، كما هو معتاد في المهن الأخرى، وعندما يُعرض عليهم ذلك أن يحظوا باستقلالية مهنية، فإنهم لا يسارعون إلى الاستفادة منها”.
هنا أيضاً، هذا ليس خطأ، بل إنه سياسة. “يُدار التعليم من قبل قوى سياسية ومصالح قطاعية وليس من قبل المعلمين. يخضع المعلمون لقوى تطبيع، تتوقع منهم مواصلة سلسلة التطبيع وتمنع تطورهم كمهنيين مستقلين. جميع هذه القوى معاً تقوم بتكريس مكانة المعلم المتدنية وتثبيتها، وفي غضون ذلك تقوم بتكريس المكانة المتدنية لمن يعملون في مجال تأهيل المعلم. وعن ذلك يضيف: “بكلماتي الخاصة: قادة القطاعات المختلفة الذين يأتون إلى وزارة التربية والتعليم يسعون إلى التأثير في تشكيل صورة جميع البنات والأولاد في إسرائيل، وهم يستخدمون المعلمات والمعلمين كأولئك الذين سينشرون رؤيتهم ومعتقداتهم. ومن هنا يُنظر إلى المعلمات والمعلمين على أنهم أداة في خدمة نقل المعرفة والأفكار، وليس كباحثين ومطورين للمعرفة والأفكار.
خلاصة الأمر، برأيه، هي أن ظروف العمل السيئة ليست خطأ بل هي سياسة. فالحكومة تفضّل ذلك لأن الظروف والموارد تكرّس على “صمت الخراف” لدى المعلمات والمعلمين، ولدى المسؤولين المهنيين في قيادة وزارة التربية والتعليم وفي كليات تأهيل المعلمين. وبالنسبة له فإنه من الواضح أن تصحيح هذا الوضع البائس يقع في أيدي السلطات وواضعي سياسات التعليم، ويفترض بهؤلاء إحداث تغييرات بعيدة المدى في المدارس وفي أدوار ووظائف المعلم وفي ظروف عمله وفي مكافأته. مؤكدا أن هذه التغييرات تتطلب موارد وحلولاً مركبة ومتعددة الأوجه وانتظار صبور حتى تظهر ثمارها، لكن هذه مطالب صعبة، حيث يهتم صناع القرار بإنتاج المزيد من المنتجات باستثمار أقل وبسرعة.
ويخلص غرطل للقول: “لإنهاء النبوءة التي تحققت: “البيانات من النصف الثاني لفترة التسعينيات تضيف وتعزز التحذير السابق من المزيد من التدهور المستقبلي لمهنة التدريس المتخصص، في عهد يفتقر إلى سياسة قوية وشجاعة”.