نقطة الصفر
محمد كريشاننقطة الصفرليست وحدها المباحثات مع حركة حماس الفلسطينية هي التي عادت إلي نقطة الصفر، علي حد تعبير الرئيس محمود عباس، بل مجمل عملية التسوية مع الإسرائيليين ككل. ليس هذا طبعا بالاكتشاف الجديد ولكنه حري بالتأكيد من جديد في ضوء ما روج بعد الحرب علي لبنان بأن قطار هذه التسوية قد يتحرك من جديد بعد ما صدئت عجلاته بالوقوف وكذلك في ضوء انفضاض الاجتماع الأخير لمجلس الأمن علي مستوي وزراء الخارجية الخاص بالقضية الفلسطينية دون نتائج بل ودون حتي بيان رئاسي عام يعيد علي الأقل التأكيد علي قرارات المجلس نفسه ذات الصلة.هذا الشهر مرت الذكري الثالثة عشرة لتوقيع اتفاقية إعلان المبادئ، المعروفة باتفاقية أوسلو، في حفل شهير في حديقة البيت الأبيض لكن ما من أحد تذكرها رغم السلسلة الطويلة من الاتفاقات المتفرعة منها والتي ما عاد لها وجود منذ أعادت إسرائيل احتلال مناطق السلطة الفلسطينية خاصة في الضفة الغربية بعد الخروج من غزة وتركها عرضة لحملات عسكرية متقطعة. هذا التجاهل يعكس في حقيقة الأمر مناخا عاما من اليأس الكامل من إمكانية حدوث أي اختراق حقيقي بعد كل هذه الوقائع السياسية والميدانية التي تعاقبت منذ اندلاع انتفاضة الأقصي في ايلول (سبتمبر) 2000 والتي مرت ذكراها السادسة، هي الأخري، دون إحياء خاص، وفي ذلك دلالة هامة في ظل الظروف البائسة الحالية في الساحة الفلسطينية. وما يعمق أكثر هذا اليأس حاليا أن لا شيء يمكن أن يؤشر، في المدي القريب علي الأقل، إلي أن أطراف هذا النزاع والمعنيين به علي حد سواء مهيئون أو جاهزون لتحريك الأمور في اتجاه تفعيل حقيقي لعملية التسوية بغض النظر عن مضمونها وهو ما يتجلي بالخصوص في التالي:ـ الإدارة الأمريكية مهمومة بمأزقها المتصاعد في العراق، الذي لا تستطيع مغادرته ولا البقاء فيه كما قال كوفي عنان، إلي جانب التردي المتزايد في أفغانستان. ملفان فيهما من الصداع ومن الإحراج ما يكفي للإدارة الأمريكية بحيث لا تبدو مستعدة لاتخاذ مبادرات علي أصعدة أخري، وهي المهمومة فوق ذلك بالموضوع النووي الإيراني، خاصة وأن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل يفرض الكثير من الحذر، وهي الانتخابات التي لا يبقي بعدها من المدة الرئاسية لبوش ما يجعله قادرا علي أي جديد وهو ما سيزداد صعوبة إن فقد غالبيته الجمهورية المتململ بعضها. ـ اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) الخاصة بالتسوية في الشرق الأوسط تبدو بشكل جلي ومتزايد مرهونة بالإيقاع الأمريكي بحيث لم تستطع أن تدفع باتجاه تحريك حقيقي وجدي لخطة خارطة الطريق التي ترعاها رغم ما أبدته أحيانا روسيا والاتحاد الأوروبي مؤخرا من جهود للتميز، بل ونراها تحولت إلي واضع شروط علي طرف بعينه دون الآخر. ومع أن المؤتمر الدولي الخاص بالشرق الأوسط الذي طالبت به الأطراف العربية وتحمست له فرنسا بشكل أساسي كان يمكن أن يخلق الديناميكية المطلوبة بعد طول ركود إلا أن لا شيء يدل حتي الآن أن اللجنة مستعدة لتبنيه والعمل لإنجازه. ـ إسرائيل غير معنية مطلقا بالتوصل إلي تسوية فهي في النهاية تحقق ما تريده عبر فرض وقائع جديدة علي الأرض تجد من يتفهمها لاحقا ويدخلها في اعتباره عند البحث في تفاصيل أي تسوية يجري بحثها. وإذا كان ذلك هو ديدن إسرائيل دائما فإن ما أصيبت به من نكسة حقيقية في عدوانها علي لبنان يجعلها أكثر حساسية لأي تحرك قد يسجل بشكل أو بآخر علي أنه من باب التنازلات ولهذا سارع الكل الآن إلي الحديث عن أن خطة الانطواء في الضفة الغربية قد سحبت من التداول في وقت لا يتردد فيه غلاة المتشددين في التركيز علي أن الخروج من غزة لم يجلب لإسرائيل الأمن ولا الانسحاب من جنوب لبنان الذي عادوا إليه بعد 6 سنوات لمحاربة نفس العدو.ـ الساحة الفلسطينية منهكة ومشرذمة وما عاد همّ الناس في الضفة الغربية وغزة سوي اللهاث وراء لقمة العيش وسط استياء متزايد من هذه المناكفات بين فتح و حماس المنذرة بما هو أخطر. ما يوتر الوضع أكثر أن الناس لا تري في الوقت الحاضر لا عملية سياسية يمكن أن تأتي بشيء مهما كان ضئيلا ولا تري مقاومة مسلحة قادرة علي أن تجبر إسرائيل علي تغيير ما في سياساتها أو علي الأقل تعطي أملا في هذا الاتجاه وإن كان محدودا.ـ الوضع العربي هو حاليا في مستوي غير مسبوق من الضعف والتحلل فضلا عما كشفته حرب لبنان الأخير من استعداد بعض الدول العربية للانتقال من مربع السلبية إلي مربع التواطؤ مما يستحيل معه، للأسف الشديد، الحديث عن قوة عربية رسمية يمكن أن تكون ظهيرا لمفاوض فلسطيني يحاصره العنت الإسرائيلي الأمريكي من كل حدب. لكل ذلك فإن أقصي ما هو مطلوب من الفلسطينيين الآن هو السعي الدؤوب لتحصين وضعهم الداخلي وتجنب الانجرار إلي متاهات لا طائل منها لأن لا شيء الآن يستحق فعلا أن يختلفوا حوله علي أمل أن يظهر يوما ما ضوء حقيقي وليس خادعا في نهاية نفق يزداد طوله يوميا رغم أن الكل يدرك ويكرر أن لا استقرار في هذه المنطقة المضطربة لعقود بغير تسوية عادلة للمسألة الفلسطينية تقوم علي الأقل علي القرارات الدولية التي ارتضاها العالم كله شريعة المتخاصمين رغم ما يلفها أحيانا من حيف. 9