نكبة الفلسطينيين بين معضلة العودة ومسؤولية الزعماء!

حجم الخط
0

كحجم التوقعات يكون حجم خيبة الأمل في أوساط من أمِل أو قدّر بأن أحداث يوم النكبة ستؤدي إلى اشتعال على طول حدود إسرائيل، بل وربما إلى اضطرابات في داخل البلاد. غير أن هذا اليوم مر بهدوء، وإن بدا أنه ترك الأغلبية الساحقة من السكان العرب على جانبي الخط الأخضر في حالة من عدم الاكتراث.
يتبين أنه في الوقت الذي يواصل فيه الدين لعب دور مركزي في حياة سكان المنطقة، ولا يزال استخدامه يبعث بين الحين والآخر النوازع ويخرج الجماهير إلى الشوارع ـ فإن الحس الوطني، ولا سيما الفلسطيني، أفلس وبقي بلا كثير من حملة العلم. ففشل الحركة الوطنية الفلسطينية يبعث مرة أخرى التساؤل كم كان فيها من حقيقي حتى في أيامها البهية، ولا سيما على خلفية انتصار الإسلام على القومية العربية في كل أرجاء الشرق الأوسط.
إن عدم الاكتراث الذي يستقبل فيه يوم النكبة يدل على أن كثيراً من الفلسطينيين في غزة والسامرة ويهودا، وفي أوساط عرب إسرائيل أيضاً، قرروا التقدم إلى الأمام، وألا يبقوا عالقين في الماضي الموهوم الذي حاول آخرون أن يخلقوه لهم. فكثيرون منهم لم يعودوا مستعدين لأن يكونوا أسرى الإحساس بالضحية، الذي دفعهم إلى طريق مسدود ويمنعهم من التقدم إلى الأمام نحو مستقبل أفضل.
لقد حلت مصيبة بعرب بلاد إسرائيل في العام 1948، ولكن هذه لم تكن مصيبة طبيعية ولا حتى مصيبة من فعل أيدي الحاضرة العبرية التي أصبحت لاحقاً الدولة اليهودية. مسؤول عن هذه المصيبة أولاً وقبل كل شيء زعماء الجمهور العربي في البلاد، وإلى جانبهم الزعماء العرب في الدول المجاورة ممن اختاروا كلهم طريق الحرب على طريق الحوار أو محاولة التعايش بسلام مع جيرانهم اليهود.
لا أحد يطلب من الفلسطينيين أن ينسوا مصيبتهم ومأساتهم التي أوقعها عليهم زعماؤهم. ولكن محاولة إلقاء المسؤولية عن الحرب وعما وقع في أثنائها على كاهل الطرف اليهودي، بل وأكثر من ذلك، التوقع بأن يتبنى الجمهور الإسرائيلي الرواية الفلسطينية كشرط للمصالحة بين الشعبين، يمنعان تحقيقه. فاستخدام الذاكرة التاريخية كمعول للحفر فيه ـ والتدمير بمعونته ـ يتبين المرة تلو الأخرى كسهم مرتد، من شأن من يستخدمه أن يتضرر منه.
بالفعل، فإن من يمجد يوم النكبة لا يعمل ببراءة، بل ولا يقصد الماضي، بل المستقبل. بين هؤلاء من يسعون إلى وضع الأساسات لاستمرار الصراع ضد إسرائيل حتى تصفيتها، بطريق الإرهاب والمواجهة العسكرية، أو من خلال العودة الجماعية لأنسال الهاربين أو المطرودين في حرب الاستقلال إلى أراضي إسرائيل.
لهذا السبب، فإن كل من يريد عن حق وحقيق مصلحة الفلسطينيين ومعني بتحقيق حل دائم للنزاع الإسرائيلي ـ العربي، يجب أن يعلن بصوت عال وبشكل واضح أن اللاجئين لن يعودوا إلى أراضي دولة إسرائيل، بل سيستوعبون في أماكن تواجدهم. كما أنه مسموح لنا الإشارة إلى أن المصالحة بين اليهود والعرب لن تتحقق من خلال إخضاع الرواية الإسرائيلية للرواية الفلسطينية. وعلى الإطلاق، مرغوب فيه أن نضع الروايات جانباً ونعمل على تحقيق السلام بين الشعبين وليس المصالحة بين الروايتين التاريخيتين.
ولكن يبدو أن مثل هذه المهامة ليست في متناول يد الزعماء الفلسطينيين، أو الزعامة العربية في إسرائيل. لهذا السبب، من المشجع أن نتبين بأن الجمهور العربي لم يعد مستعداً لأن ينتظر زعماءه، وبدلاً من ذلك فقد اختار مواصلة طريقه وألا يبقى عالقاً في ماضيه.
يواصل عرب إسرائيل السير في اتجاه يبعث الأمل بالانخراط في المجتمع؛ في الاقتصاد الثقافة، رغم كل المصاعب والحواجز التي في طريقه. يخيل أن الجمهور الفلسطيني أيضاً يبحث عن قنوات الاندماج، وليس المواجهة. إذا ما اتخذت حكومة إسرائيل في المستقبل قراراً بشأن إحلال القانون الإسرائيلي في يهودا والسامرة، فستتفاجأ؛ إذ يتبين لها بأن كثيرين من بين السكان المحليين سيرحبون بمثل هذه الخطوة انطلاقاً من الأمل في أن يصبحوا في يوم من الأيام مواطنين إسرائيليين.

ايال زيسر
إسرائيل اليوم 29/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية