نماذج وطنية!

حجم الخط
0

نماذج وطنية!

ميشيل كيلونماذج وطنية!ثمة نموذج من البشر يعتقد أن الديمقراطية ليست، ولا يمكن أن تكون، غير اختراع امريكي، وأن لها، بالتالي، مهمة وحيدة هي اختراق الوطن العربي. يؤمن أتباع هذا النموذج أن امريكا نجحت في اختلاق حاجة كاذبة لدي قطاعات واسعة من شعب معاد لها هو الشعب العربي، أوهمته أنه يحتاج إلي الديمقراطية، مع أنها خطر سينزل به ضررا قاتلا، في حال أفقده حصانته الاستبدادية وجعله فريسة سهلة لواشنطن وتل أبيب. أخيرا، يستنتج أنصار هذا النموذج أن سلامة العرب ترتبط بامتناعهم عن المطالبة بالديمقراطية، خاصة وأن من الجنون قيامهم بتغيير الحصان، الذي يمتطونه ـ نعلم جميعا أنه هو الذي يمتطيهم ـ، أثناء السباق، ورفضهم الدفاع عن أنفسهم بقوي الأمر السلطوي القائم، الذي لا شك في أنه أوصلهم إلي ما هم فيه من خراب وضعف، لكن تغييره خلال المعركة سيدمرهم.هذا النموذج هو استمرار لنموذج عرفته الحقبة بين الخمسينيات والسبعينيات، قام موقفه السياسي علي تجاهل الواقع والقفز عنه، قال، حين كانت الوحدة العربية مهمة راهنة في الخمسينيات، بأولوية المسألة الاجتماعية، ثم رفع في الستينيات شعار إلي الوحدة عبر الاشتراكية ، بحجة أن الأولي لن تكون غير وهم مستحيل التحقيق، إذا لم يمهد لها بناء الاشتراكية في أكثر من بلد عربي. واليوم، وبعد فشل النظم الاشتراكية/القومية وانقلابها إلي نظم ما قبل مجتمعية لحمتها وسداها الاستبداد، وبعد تعذر حل القضية الاجتماعية علي يدها، يقفز النموذج السابق عن المسألة الديمقراطية باسم المسألة الوطنية، التي يتجاهل تماما أن انحدارها منذ بداية الستينيات إلي استبداد يمثل ظاهرة ما قبل أموية، قوضت العمل القومي من جذوره وقطعت روابطه مع السياسات الحديثة، وخاصة منها السياسات العربية والوحدوية، بعد أن دمرت ركائزها في واقع العرب، وفي بلدان الاستبداد بخاصة، التي تتغني بالوحدة العربية والوطنية الصمود ليل نهار !. يقول أتباع أحد هذا النموذج: لا يجوز أن تكون الديمقراطية مطلب الحاضر العربي، ولا تستطيع أن تكون طموحا غير امريكي وأداة تخترق امريكا بها بلداننا، لإسقاط هويتها القومية وطابعها التاريخي، فلا مفر من النظر إلي القبول أو المطالبة بها باعتبارها خيانة عظمي!إذا ذكّر أحد أصحاب هذا الرأي بحقيقة أن العرب جربوا القومية وفشلوا، وجربوا الاشتراكية وفشلوا، وجربوا خلطة اشتراكية / قومية ثم تبين أنها كارثة بمعني الكلمة، واختبروا أشكالا وليدة من ليبرالية منقوصة وأخفقوا، ولم يعرفوا غير الفشل بعد إخفاق المؤسسة الدينية في صد وردع الهجمة الاستعمارية في أواخر القرنين التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وأنه لا يبقي بين الخيارات المتاحة لهم غير الخيار الديموقراطي، الذي يجعله الوضع العربي القائم بديلا إنقاذيا يستطيع وحده تعزيز موقعهم من العالم، وتحديث وتقوية مجتمعاتهم ودولهم، وشد مفاصل بلدانهم، والإسهام في بناء أمتهم كأمة عصرية وفاعلة، تقدر أن ترفض بالفعل والقول تحول فلسطين إلي دولة صهيونية، وضياع النفط كثروة عربية، وتحول الظلم الاجتماعي إلي قدر تستحيل مواجهته، والتمزق القومي إلي تعبير آخر عن رغبات وأحلام المواطن العربي… الخ، قال هؤلاء: نحن أشد ضعفا من أن نستطيع إقامة ديموقراطية تخدم حاجاتنا، وهم ـ الامريكيون ـ أقوي من أن نستطيع منعهم من وضع يدهم علينا عبر الديمقراطية. فإن سألتهم: وكيف يدافع الوطن عن نفسه والمواطن عن ذاته ضد الخطر الخارجي والعجز والضعف الداخلي، إذا كان الاستبداد قد يخرجه من المعركة ويقصيه عن السياسة ويمنعه من التعاطي مع أي شأن، شخصيا كان أم عاما، وكان يعزز عن عمد ما في المجتمع العربي من عوامل فرقة وتمزق يعتبرها ضرورية لإخضاعه وبقائه في قبضته، وكان الاستبداد يمعن في إفقار المواطن وإذلاله وتخويفه، بينما يجدد يوميا رغبته في التفاهم مع امريكا وإسرائيل، ويعمل لهدف وحيد هو استمرار استئثاره بالسلطة وانفراده بالقضايا المصيرية التي يتوقف عليها وجوده الوطن والمواطن؟ صمت هؤلاء لبعض الوقت، ثم ردوا عليك بتكرار شعارات راجت خلال واحدة أو أكثر من مراحل الفشل العربي المختلفة، لاعتقادهم أن تكرارها سيصلح الأخطاء وسيجدد اقتناع الناس بالواقع القائم. هذا النموذج، الذي يسعي إلي ربط المواطن العربي بالاستبداد، وينكر حقه في فعل أي شيء لنفسه وبلده، ويتهمه في وطنيته لمجرد أنه يطالب بالحرية، يقوض عزم الأمة علي المقاومة ويحولها إلي أمة من خراف، لكنها تتآمر علي وطنها، بينما يطنب في وصف محاسن الاستبداد، الذي يري فيه هوية عربية أصلية، وفي إبراز مثالب الحرية، التي يعتبرها امريكية وصهيونية بالضرورة!كيف يمكن أن نحمي أنفسنا ووطننا، ونصير مشاركين بفاعلية في قضايانا، إذا كان هناك من يريد لنا أن نبقي غارقين في الضعف والعجز، بذرائع وطنية، ومن يسعي إلي إقناعنا بأن الديمقراطية فساد امريكي والاستبداد هو الهوية القومية ورسالة العرب الخالدة !. وكيف لا تتكرر هزائمنا علي يد نظم الاستبداد القائمة، إذا كان الأعداء والخصوم يرون في سيطرتها وفي الأوضاع التي فرضتها علينا سانحة تاريخية يجب أن يفيدوا منها، قبل أن تستيقظ الأمة وتتخلص من ضعفها وعجزها، وتحصن نفسها بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمواطن، التي هي خير حواضن للوحدة العربية وللوطنية؟ أخيرا، هل تخدم مساواة الديمقراطية بالعدو، والاستبداد بالوطنية أمة العرب أم امريكا وإسرائيل !. وهل يجوز أخيرا أن نتجاهل دروس ماضينا القريب، التي تلازم فيها فتك الاستبداد الداخلي مع خطط الأعداء الخارجيين، فانتهت إلي هزيمتنا وفشل محاولات نهضتنا، وإلي ما نلحظه في حياتنا من تيه وضياع؟9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية