مثنى حامد’إننا سنموت على كل حال. يكفي أن يعبث بخليتنا طفل بشري، أو تدوسنا في الطريق أقدام ضخمة، أو يحرقنا رجل محبط لمجرد انه ضجر ويريد أن يتسلى’. هذا ما أجابت به ‘نملة’ متمردة في قصة للكاتب الراحل محمد طملية تحمل عنوان ‘المتحمسون الأوغاد’. وكانت هذه ‘النملة’ ترد على رفيقتها ‘المتحمسة’ عندما سألتها الأخيرة بكثير من الدهشة:’ماذا تقولين، كيف نعيش من غير طعام؟’. في عام 1984 صدرت مجموعة قصصية للكاتب الأردني الراحل محمد طملية تحمل عنوان ‘المتحمسون الأوغاد’ وهو عنوان قصتنا هذه التي اقتبست منها الحوار السابق. القصةُ قصيرةٌ لدرجة أن قراءتها لا تستهلك دقيقة واحدة، ولكنها بما تثيره من إشكالات سوف لن تختفي من الذهن بمجرد انتهاء القراءة، أو انتهاء اليوم، أو ما يعقبه من أيام قد يكسبها القارئ في حياته. حيث تتقاطع أحداث القصة مع الواقع اليومي المعاش بكل تفاصيله، وتتجاذب الرغبة والرهبة معا صاحب القراءة، لإسقاط القصة على أشخاص بعينهم، وجماعات بعينها، وأيديولوجيات باسمها. الحماسُ الظاهرُ الخارجي لقطيع من النمل، وهو يبحث عن طعامه في الحقول والوديان، ثم يحمله بجد واجتهاد إلى مخازنه التي تقبع في جذع شجرة قديمة، لم يمنع ‘نملة’ واحدة من التذمر من شكل الحياة اليومي، ومن السعي الحثيث لإيجاد الطعام. فالعمل ـ كما تخبرنا القصة بشكل موجز ونظرتنا الأوسع بشكل عام ـ هو الشيء الوحيد المقدس عند جماعات ‘النمل’ وهو ما لا يمكن التساهل مع التشكيك فيه. وليس الخروج عن الدين والتقاليد بأهون من الخروج عن المنظومة الحياتية المتمثلة بالعمل، حيث أن العمل هو ما ورثه خلفهم عن سلفهم، ولا يمكن إعادة التفكير بصيغته الحالية، ولا بمعنى آخر للحياة. لهذا فان الإرهاب الفكري الذي يُمارس ضد ‘النملة’، لا يتمثل فقط بالسلطة السياسية الحاكمة، ولا حتى بالسلطة الدينية كنصوص مقدسة، بل هو إرهاب فكري مجتمعي، أساسه الركون إلى تقديس السائد، والخنوع الموروث لصيغ الحياة بشكلها الاعتيادي، مما يعطي هالة من القدسية لأشكال الحكم والسلطة. فسمعة ‘النملة’ مهددة بشكل جذري مما يعطي تبريرا للعقوبة، وإجازة عامة من المجتمع لشكل العقاب ونوعه،. فليس سحب ‘الرقم الوطني’ للنملة هو المهدد فقط، ‘ينبغي أن لا تظل هذه النملة الفوضوية بيننا بعد الآن’. بل حتى مجرد وجودها في المجتمع يشكل تهديدا أخلاقيا كبيرا على باقي أبناء جنسها، خشية أن تعدي هذه النملة بمرضها التحرري غيرها من النملات. ويتعدى الإرهاب شكله الذكوري التقليدي، ليتعداه إلى كافة أطياف الطبقة المنتفعة، وما سواها من طبقات حَمَلت إلى تقديس الأفكار التي أنتجها رجال الدين والعشيرة والسياسة، ‘حتى أن إحدى النملات المدللات قالت وهي تمر من أمامها:
تلك النملة الساقطة، كم أرجو لو يسمحوا لي بدق عنقها’. ومن الملاحظ أن القسوة التي جوبهت بها ‘النملة’لا تتوافق مع ما اقترفته بحق النظام، فهي لم تفعل إلا التذمر، ولم تشكك إلا بالإسراف بالعمل. وحتى بعد نبذها كان تمردها تمردا فكريا، متمثلا بالرأي. ‘أشاحت النملة المتمردة بوجهها وهي تقول:
هؤلاء المتحمسون الأوغاد’. ولكي أميز هذه النملة عن رفيقاتها، سوف اختار لها اسم ‘رنده حبيب ‘ على سبيل المثال، فالمتحمسون هؤلاء هم السياج التقليدي للقوى الأمنية، وهم الذين نصبوا أنفسهم بداعي من الإخلاص الغريزي، والشعور الجبلي بالامتنان لتلك القوى، والرغبة برد الجميل. لم تكن النملة التي احتجت على قضاء الحياة بجمع الطعام، تنكر حاجتها للطعام كي تبقى على قيد الحياة، ولكن إنكارها كان تذمرا بخصوص اختزال الحياة في المأكل والمشرب فقط، ‘حتى ليخيل إلي أنني نقلت حبة قمح واحدة طيلة حياتي’. وذكر الموت ليس تنظيرا لشكل من إشكال عبثية الوجود، ولكن الموت يأتي في سياق التفكير المقلق للآخرين، فليس هو الفزّاعة التي يخبئها القدر، بقدر ما هو سوط النظام الذي يجعل من تعبيد الناس للمنفعة، وإشغالهم عن التفكير الحر، دينا منزلا من السماء، وتكريسا لمبدأ ‘العمل أولا’. لهذا قالت النملة الأخرى:’إن البشر يموتون أيضا’. قدم الراحل محمد طملية عملا مبهرا بلغة سهلة بسيطة، اقتربت من المباشرة، وهذا له ما يبرره في ذلك الوقت، فليس من الشجاعة آنذاك الركون إلى الإغراق في الرمزية، والمداراة التي تحمل أكثر من وجه عند القراءة.
تحمل القصة حسا تنبؤيا، وإرهاصات مستقبليه نشهد آثارها الأولية هذه الأيام، مما يجعلنا نتمنى لو كان محمد طملية بيننا اليوم لكي يرى نملته المتمردة في ميدان التحرير وفي حارات حمص وفي شوارع رغدان، وليتنا نعيش كلنا لذلك اليوم الذي نشهد فيه تنصيب تمثال لتلك ‘النملة’ التي قالت ذات يوم:’هؤلاء المتحمسون الأوغاد’. قصة ‘المتحمسون الأوغاد’.’كانت مجموعة من النمل تعمل بدأب في نقل حبوب القمح المتناثرة هنا وهناك، إلى مقر ‘بيت’ النمل الذي تم اختياره في جذع شجرة قديمة. كان أفراد البيت مهتمين بتخزين ما يكفي من المؤن للشتاء القادم. وهي مهمة مقدسة أخذها الخلف عن السلف. فإذا كان مسموحا لجماهير النمل أن تبدي رأيها في كثير من أمور الحياة. فان مسألة العمل لا يمكن الجدل حول أهميتها.
إلا أن نملة صغيرة أبدت في يوم من الأيام تذمرها من هذه المهمة الفارغة، وقالت لرفيقتها:_’هراء أن تكون حياة النمل مقتصرة على نقل أشياء سخيفة’. فسألتها النملة الرفيقة بكثير من الدهشة:_’ماذا تقولين؟ كيف نعيش من غير طعام؟’. فأجابتها النملة الأولى بلا مبالاة:_ ‘إننا سنموت على كل حال. يكفي أن يعبث بخليتنا طفل بشري، أو تدوسنا في الطريق أقدام ضخمة، أو يحرقنا رجل محبط لمجرد انه ضجر ويريد أن يتسلى’. فقالت الرفيقة:_ ‘إن البشر يموتون أيضا. لقد علمت أن جميع الكائنات تموت مثلنا تماما. ومع ذلك فهي لا تتوقف عن القيام بشيء ما.
انه الواجب المقدس’. أجابت النملة الضجرة:_ ‘الحقيقة هي أنني مللت هذا الأمر الذي تسمينه مقدسا. لقد فقدت عنصر الدهشة في حياة رتيبة لا جديد فيها.
إن حبوب القمح متشابهة حتى ليخيل إلي أنني نقلت حبة قمح واحدة طوال حياتي’. قالت النملة الرفيقة:_ ‘إن المصلحة العامة تقتضي أن أقوم بكتابة تقرير مفصل عن نواياك السيئة هذه’. وهرعت الرفيقة لمقابلة النملة قائدة الفصيل.
جلست النملة الضجرة في ظل أعشاب جافة، وأخذت تفكر: ‘إنهم مجانين. يعملون ليل نهار وكأنهم خالدون إلى الأبد. إنهم يزدادون سمنة فحسب، ومع ذلك فالموت يبتلع الجميع أخيرا’. انتشر خبر النملة الضجرة في أوساط النمل. وصار الجميع ينظر إليها بعين الشماتة والازدراء. حتى إن إحدى النملات المدللات قالت وهي تمر من أمامها:_ ‘تلك هي النملة الساقطة، كم أرجو لو يسمحوا لي بدق عنقها’ . وقالت نملة مدللة أخرى:’ينبغي أن لا تظل هذه النملة الفوضوية بيننا بعد الآن’. أشاحت النملة المتمردة بوجهها وهي تقول ـ ‘هؤلاء المتحمسون الأوغاد’. *كاتب وشاعر اردني[email protected]