بعد العتمة الدامسة التي داهمت ‘غزة ‘ منذ نفاذ الوقود الذي يغذي محطات الطاقة والكهرباء فيها ، ووصف صديقتي المؤلم لمعاناة الناس من هذا الوضع المتعب منذ عام 2006 لهذا اليوم ، سألتها عن رد فعل أطفالها وأنا أتخيل الرعب الذي يجحظ بأعينهم وأكاد أسمع شدة صراخهم ، لكنني فوجئت بهدوءها وهي تقول بأن طفليها المولودين عامي 2010 و2011 قد ألفا الظلمة وصادقاها ، وأنهما يفرّقان رغم صغر سنيّهما بين الكهرباء التي تصل المنزل من محطة المدينة وكهرباء الموتور الخاص وكهرباء اليو بي إس التي لم أسمع عنها من قبل، وأنهما تعوّدا اللعب والركض في البيت في الظلمة واتقنا تفادي أشرس هجماتها ، فالعتمة هي كل ما رأه كلاهما منذ ولادتهما ، حتى بات تأثير الضوء في ذهنهما باهت وغريب. شعرت بالاختناق والخجل وكي لا تحس بارتباكي قلت لها ‘وماذا يحدث لثلاجاتكم والطعام المحفوظ بها ؟ ضحكت من سؤالي وقال : الله يحفظ لنا زمن النملية يااااااااه يا سمية . النملية ؟؟؟ لم أسمع هذه الكلمة منذ ما يزيد عن أربعين عاما ، وكانت المرة الاخيرة التي رأيتها بها حين أتى جدي برجلين من السوق يحملان على ظهريهما ثلاجة بيته الأولى ، كان ذلك عام النكبة 1967. تذكرت النملية الآن وهي مسندة على جدار المطبخ قرب النافذة المطلة على جامع المدينة في جرش ، كان بيت جدي ملاصقا له ، أتذكر خشبها المتشقق والطلاء الأزرق الذي طلاها جدي به ليخفي عمرها- لا أعرف لم تحسست وجهي لحظتها، يبدو أنني تعلمت من جدي و بحرفية عاليه كيف أخفي عمري الحقيقي بطلاء البودرة . تذكرت تفاصيل النملية الخشبية التي كانت تستعملها جدتي لحفظ الطعام وحواضر البيت من اللبنة والزيتون والزعتر والمخللات والسمن والزيت والجبنة البيضاء النابلسية وغيرها من الحلويات، وهي عبارة عن خزانة خشبيه عادية قي نصفها السفلي، أما النصف العلوي منها به بابين ينفتحان للأمام وينغلقان بقفل متحرك يتخذ شكل فراشه لم يكتمل نمو جناحيها ، وخشب النملية في الجزء العلوي مفرغ من الجهات الثلاثة ومكسو بمنخل سلكي أوشبك ناعم ليمنع وصول النمل والحشرات للطعام المحفوظ بها ، وكنت دائما ألصق وجهي بثقوب المنخل لأرى ما تخبئه جدتي من الأطايب والحلويات ، ويسيل لعابي حين المح على الرف العلوي صحون الأرز بالحليب ، اوحلاوة الشركس مسكوبة في صحن التقديم ومغطاة بأنصاف حبات الجوز المقشر والصنوبر واللوز كنت حين يخلد أهل البيت للنوم أو لإغفاءة قصيرة في الظهيرة ، أتسلل إلى المطبخ ، أجر كرسي القش الصغير وألصقه بالنملية ، ثم أعتليه بمهارة قط فضولي جائع ، يخرمش الأسلاك حتى يصل للفراشة، يدفعها بكلتا يديه بقوه حتى ينفتح البابين ويدفعانه بصورة مباغته للخلف ، يقع عن الكرسي ويصحو أهل البيت على مواءه. يبدو أن إرسال الإنترنت انقطع فجأة في غزة ، فلم تعد رسائل سمية تصلني ولم يعد بإمكاني سماع صوتها… قلبي يحدثني بأنها ربما تبحث الآن في سطح بيتها عن حمام زاجل تحمّله معاناتها.
*- الشاعرة الفلسطينية سمية السوسي والمقيمة في غزة .