نموذج تشودري

حجم الخط
0

محمد كريشان

ما يجري هذه الأيام في باكستان جدير حقا بوقفة تأمل فكبير قضاة البلاد افتخار تشودري الذي كان الرئيس برويز مشرف قد نحاه من منصبه رئيسا للمحكمة العليا لم ينجح فقط في الطعن في هذا القرار واثبات بطلانه وانما استطاع أيضا أن يتحول الي رمز سياسي كبير خرجت الناس لاستقباله بالآلاف وهو ينتقل بسيارته بين مختلف المدن من العاصمة اسلام أباد الي مدينة لاهور.

ولهذه القصة وجهان: الأول أنه مهما بدت قرارات الرئيس جائرة أو في غير محلها تبقي امكانية العمل قضائيا ودستوريا علي ابطالها أمرا ممكنا يحول دون اعتبار مثل هذه القرارات نهائية ولا معقب لها حتي وان تأخر قليلا أو كثيرا ارجاع الأمور الي نصابها، أما الثاني، وهو الأهم للمراقبين الأجانب والعرب منهم تحديدا، فيتعلق بالوقوف علي حقيقة أن الرأي العام اذا ما نفض يديه، بدرجات قوة متفاوتة، من حكامه سرعان ما يلتفت بحثا عن نماذج جديرة بالتقدير وهو في هذه الحالة غالبا ما يجد ضالته في القضاة الي درجة أن عديد المحللين الباكستانيين لم يترددوا في القول بأن تشودري تحول رغم أنفه الي زعيم سياسي لأن الناس بخروجهم العفوي والجياش لاستقباله علي قارعة الطريق ورميه بالورود انما أرادوا التعبير عن امتعاضهم من الحكم المطلق لمشرف وسعيه الدؤوب لاسكات مخالفيه مما حول خروجهم هذا وحفاوتهم الكبيرة بمن أقصاه الرئيس الي نوع من تسجيل امتعاضهم الذي سرعان ما تحول الي مناكفة مع هذا الأخير أدت غرضها في النهاية طالما أن رئيس الوزراء وصل حد التهديد بفرض حالة الطوارئ في البلاد لافساد بهجة هذه التظاهرات الشعبية المتنامية. وقد كان لنا في البلاد العربية في السنوات القليلة الماضية حالتان مشابهتان وان جاءتا طبعا في سياقين مختلفين وبيئتين أكثر اختلافا: الأولي في تونس عندما تم عزل القاضي مختار اليحياوي بعد توجيهه رسالة شهيرة وجريئة الي رئيس الدولة يشكو فيها من حال القضاء في بلاده والثانية في مصر عندما وجد الجميع في اشراف القضاة علي الانتخابات صمام أمان ضد التزوير الذي كثيرا ما اتهمت به السلطات. وفي الحالتين تحول القضاء الي نجم سياسي فاعل فصار القاضي التونسي سواء بارادته أو بعكسها قطبا شهيرا من أقطاب المعارضة يشارك في فعالياتها المختلفة ويلاقي معها ما تلاقي وعنه تتحدث المنظمات الحقوقية الدولية ويزوره كل وفد منها يصل البلاد، فيما تحول القضاة في مصر الي طرف له كلمته المسموعة في العملية الانتخابية الي درجة أزعجت كثيرا السلطات فقلمت في النهاية اشرافهم عليها الي حد يوازي عمليا الالغاء الكامل وذلك كما تجلي الأمر بوضوح في التعديلات الدستورية الأخيرة التي نددت بها المعارضة وقاطعت الاستفتاء الذي تم لاقرارها.

لو سارت مختلف مؤسسات الدولة، كما يفترض فيها أن تسير، لما تحدث أي كان عن القضاء في عالم السياسة اذ حسب القضاة أن يجلسوا في محاكمهم للفصل بين الناس بما يقتضيه القانون والسعي الي العدالة فيما تتكفل بقية المؤسسات والسلطات من تشريعية وتنفيذية بأداء دورها الطبيعي ليس أكثر ولكن عندما لا يري الناس الحكومة الا وقد تغولت في استعمال سلطاتها ولا يرون من البرلمان الا وقد أمعن في تمرير ما تريده القيادة السياسية دونما اقناع أو حتي اقتناع ربما، عندها يلتفتون فلا يجدون من منقذ الا القضاء رغم أن هذا القطاع لم يبق دائما ذلك الحصن المنيع اذ غالبا ما تسربت اليه هو الآخر فيروسات الفساد بمختلف أنواعها ولكنه قد يظل مع ذلك آخر القلاع الجدير بالحد الأدني من الاحترام. أما الطامة الكبري فهي حين ينفض الناس يدهم من الجميع ويتحول الكل في نظرهم الي لصوص وفاسدين، عندها لا مكان للقضاء أو غيره لأن المجهول هو من يكون ساعتها قد بدأ يطل برأسه بشكل مخيف وربما حتي مرعبا. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية