ننبطح ولا نجوع!
عبد الستار قاسمننبطح ولا نجوع!لو كنا ندري عن متعة الانبطاح لانبطحنا منذ زمن بعيد. ركبنا رؤوسنا واستسلمنا لظنوننا بأن الصمود لا بد أن يعطي ثمارا طيبة في النهاية، وضحينا بفلذات أكبادنا وبجهودنا وبعض أموالنا وراحة عيشنا مفاخرين بأن هكذا يعبر الأحرار الي فلسطين. وبعد هذه السنين الطوال وما رافقها من مشاق وصعاب وآلام ودموع وآلام وآهات وأحزان، وشهداء وجرحي ومعتقلين ومشردين ويتامي وأرامل، اكتشفنا مدي المأساة التي جلبناها علي أنفسنا بشعار نموت واقفين ولا نركع. لا بأس، أن نكتشف متأخرين أفضل من ألا نكتشف أبدا.من هو ذلك المناضل الكبير الذي ذكرنا بالشعار نموت واقفين ولا نركع؟ ماذا صنعت يا أبو علي اياد؟ أنظر كم من الثمن دفع شعب فلسطين منذ أن ذكرتنا بالشعار؟ ألم تدرك أن الشخص ينبطح عندما يموت؟ ألم يكن من الأسهل أن ينبطح قبل أن يموت؟ أليس من الممكن أن الحي يستمتع بانبطاحه أكثر بكثير من استمتاع الميت؟ سامحك الله يا أبا اياد، وجعلك من الذين اجتهدوا واستحقوا أجرا علي ما اعتبروه خيرا.نجوع ولا نركع، أليس هذا هو الشعار الذي أطلقه عرفات قبل أن يقرر وضع لقمة خبزنا بيد أعدائنا في اتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات؟ لقد ركعنا وركعنا وسجدنا لملك الخبز، وصباح مساء نذكره عند رب العزة عساه يلين قلبه رأفة بنا فيرسل لنا الأموال، أو علي الأقل بعض الطحين نبيّض فيه وجوها يمكن أن يعلوها سواد الانبطاح.علي قادة فلسطين أن يتوقفوا عن التلاعب بمشاعر وعواطف الشعب الفلسطيني، وعليهم أن يتواروا خجلا قبل أن تنطق ألسنتهم بالشعارات. كفي، لقد قدتم الشعب من متاهة الي أخري، ومن احباط الي احباط، ومن استغباء الي استغباء، ومن هزيمة الي هزيمة؛ وجررتموه من تنازل الي تنازل حتي بات يستعطي علي أبواب اسرائيل. قدتموه الي الفاقة، وقلتم له أن لا مخرج أمامنا الي بوابة اسرائيل، فإما ننبطح أو نجوع. وقد صارحت شعبك يا عباس عندما قلت ان الخبز أهم من الحرية. وبالرغم من ذلك، ما زلتم تبيعون لهذا الشعب الطيب المسكين التمنيات والمعسول من الكلام مزينين له كل انبطاح علي أنه انتصار.بالتأكيد للانبطاح زينته لأنه لا يتطلب الكثير من الجهد والتعب، وهو انتصار لأننا نضحك به علي اسرائيل والغرب ليقدموا لنا الأموال، وهذه الأموال ليست ثمنا لفلسطين وانما تعويض عن المعاناة التي لحقت بنا عبر السنين. قد يبدو الانبطاح انبطاحا، لكنه في حقيقة الأمر عبارة عن تكتيك عجزت الشعوب عن اتقانه كما نتقنه نحن، وهو فن من فنون الهجوم الدبلوماسي الشرس الذي نخوضه ضمن منطق فن الممكن الثوري.المنبطح يحصل علي طعامه بدون تعب، أما ذلك الواقف الذي يتمنع فعليه أن يكد ويتعب ويشقي ويستصلح الأرض ويطور المعامل ويقيم المزارع وينمي روح التعاون والعطاء والفداء والايثار، والسهر علي كرامة الانسان وعزته وحريته وحرية الأجيال من بعده. فاذا كنا قادرين علي القيام بالالتفاف التكتيكي، والمناورة المتعرجة المنطوية علي التمويه والفهلوة، والسيطرة علي عقول الأعداء والغاء القدرة المنطقية لديهم وتعزيز فكر الأوهام والشعوذة عندهم، فنحن نكون قد سرنا في الطريق الأسهل نحو تحقيق أمانينا بتوفير لقمة الخبز.نحن نتحدث عن قيادات فلسطينية فذة، عرفت في الماضي كيف تشق طريقها الي الهزيمة، وهي تعرف الآن كيف تشق طريقها نحو انبطاح جماعي سيكتب عنه التاريخ وستتحدث عنه الأجيال، ولو بمرارة.هناك من سيقول، ماذا يهم هذا الأستاذ الجامعي الذي يتقاضي راتبا كل شهر؟ انه لا يشعر بالجوع كما يشعر الآخرون. المزايدات لا ضرورة لها، ولا مبرر لأن الواقع يكذّبها. مرت علي شخصيا فترة لم أكن أجد فيها قرص الفلافل، وأبيت باصرار واباء في تلك الفترة أن أقبل منصب وزير. ودافعت عن حق الشعب ضد الفساد والفاسدين، ووجدت المزايدين يتشفون لوجودي في سجن مخابرات فلسطين. كما أنني لم أبخل بقدر استطاعتي، كما لم يبخل مئات الآلاف من أبناء شعبنا من أجل فلسطين. في هذه الأثناء التي أكتب فيها هذا المقال، اتصلت بي اذاعة الشمس من الناصرة، وأسمعتني قبل مداخلتي أغنية وين الملايين لجوليا بطرس. لقد صدحت جوليا في قلبي وفي خلجات نفسي، وأكدت أن هذه الأمة لا تبخل بالعظماء. لعلها تصدح بما يمكن أن يسمع هؤلاء الطرش من القيادات.كم نبه مفكرون ومثقفون فلسطينيون من خطورة الاعتماد علي الأعداء في لقمة الخبز؟ نفر قليل جدا أراد أن يسمع، والبقية تهافتوا يتنافسون علي وظائف لا انتاج لها. وكم من الأفكار والبرامج تم تقديمه لحكومة حماس، لكن عينها الموجهة نحو المساعدات الأجنبية طغت علي عينها الأخري. وسيري الجميع في النهاية أن الذي يتسول لقمة خبزه لن يشبع الا ذلا وفقرا.أمامنا أن نعود الي أنفسنا ونطور برامج التكامل والتضامن، ونزرع الأرض ونستهلك السلعة الوطنية ونخفض مستوي المعيشة بما يتناسب مع انتاجنا، ونستهلك جزءا من رغيف مجبولا بعرق جباهنا. لا منجاة لنا في أموال الآخرين، ولا كرامة لنا الا بما تنتجه أيدينا. واذا كان منا من يظن أن تنازلاتنا ستأتينا بدرهم كرامة، فعليه أن يدرك أن ضغوط الأعداء تريدنا بلا كرامة.ہ كاتب من فلسطين8