نهاد الموسي: سنديانةٌ باسقةٌ وظلالٌ وارفةٌ

حجم الخط
0

نهاد الموسي: سنديانةٌ باسقةٌ وظلالٌ وارفةٌ

هيثم سرحاننهاد الموسي: سنديانةٌ باسقةٌ وظلالٌ وارفةٌلا تقتصرُ جهود الدكتور نهاد الموسي المعرفية علي كتبه وبحوثه ومحاضراته التي طالما شهدتْ نقاشاتٍ وحواراتٍ وردودَ أفعالٍ مُتباينةً ومتواصلةً، وإنّما تمتدُّ لتشملَ الـمُجالساتِ والـمُسايراتِ التي عكف شيخنا علي تكوينها حتي غدتْ تقليداً ثقافياً يُمثِّلُ مساحةَ تشكُّلِ الرؤي والأفكار الخلاَّقة.ويُقْصدُ بالمجالسات تلك النِّقاشات والحوارات التي تجري في مجلسه العامر الممتدِّ مكاناً وزماناً ومعرفةً وتنوُّعاً حيثُ يُتاحُ للمرء الانخراطُ في متاع عقليّ مُثير وشائق ترافقه الحفاوةُ التي يغمرها الشيخ علي مُجَالِسيه وظلاله الوارفة التي تبعث في النَّفس الابتهاجَ والغبطة. ففي حضرة الشيخ نهاد الموسي لا يشعرُ الـمُتلقـّون بمركزية الشيخ وحضوره الطاغي وعلي العكس من ذلك تماماً يُدركُ المتلقون أنَّ الشيخَ يقيمُ توازناً خطابياً مُريحاً يَشْعُرون معه أنه يقاسمهم حضوره البهيَّ وزاده الوافر.ويتمتعُ الدكتور نهاد الموسي بحضور أخـَّاذ ومختلف نظراً لما حازه من قُدرات معرفية هائلة وأدوات منهجية علمية تؤهلة لأنْ يكون واحداً من أبرز الأعلام العرب في القرن العشرين في مجال الدراسات اللسانية العربية ورائداً من روَّاد النهضة العربية المعاصرة**. ورغم ذلك فإنَّ شيخنا لا يهتمُّ بتجنيد الأنصار ولا يسعي إلي تحقيق النجومية ولا يتهافتُ علي أنصاف الأدوار. إنَّ عارفيه الحقيقيين يعلمون أنه زاهدٌ في الأدوار التقليدية المتحققة في المواقع الوظيفية ذلك أنَّ جلَّ طموح شيخنا كامنٌ في أنْ يظلَّ علي اشتباك دائم وتواصل مستمرٍ مع المعرفة وقضاياها المتنوعة. وتفزعُ إلي مجلس الدكتور نهاد الموسي عُصبةٌ من الباحثين الذين يجدون ضالَّتهم ومآربهم في مقابساته ونخبةٌ من المريدين الذين يفرُّون من الدروس الجاهزة والمعطيات الراكدة والأداء التقليدي؛ بحثاً عن الـمُختلف والـمُفارق ذلك أنَّ حوارات نهاد الموسي لا تقدِّمُ إجابات ونتائج مطمئنة لكنَّها تحفِزُ المتلقين إلي إدامة النظر ومواصلة التـَّقصي ومُساءلة المعطيات الثابتة والأحكام القارّة. ونهاد الموسي شيخٌ صاحبُ طريقة مستقلة في مُقاربة الموضوعات وبحثها، وهو قادرٌ علي دفع المتلقين إلي هذه الطريقة من التواصل، علي نمط محاورة بارمنيدس المشهورة، حيث تتجسَّدُ براعته وفطنته في التلقي والتواصل لـِما يتمتع به من قدرة فائقة علي إدارة الحوار وتوزيع الأدوار توزيعاً ذكياً يهدفُ إلي إشراكِ المتلقين واستدراجهم وصولاً إلي تحقيق المسؤولية المعرفية الجَمْعيـَّة، إضافةً إلي حرصه علي عدم الاستقلال بالرأي والخطاب. لذلك نجده يستمع إلي مُحاوريه المتلقين ويُنصتُ إليهم بطريقةٍ مُدهشة ثمَّ إذا ما عاد يُمسكُ دفَّةَ الخطاب راحَ يُكثِّفُ الرؤي ويَنْسقُ ما تناثر منها فيخالُ المتلقون أنفسهم أمام نسـَّاجٍ محترفٍ يعرفُ مسالكَ الحكاية ويخبرُ دهاليزها.وااـمُدققُ في خطاب الدكتور نهاد الموسي وأدائه في الـمُشافهة يكتشفُ أنَّ الرجلَ يُمارسُ عدداً من العمليات اللسانية الـمُتشابكة في الوقت نفسه، فهو يبحثُ في بنية الـمُعجم فاحصاً دوالَّه ومدلولاته، ويُحلِّقُ في بنية النظام المعرفي راصداً الشواهدَ المؤيدةَ والحججَ الـمُضيئةَ، ويُفكِّرُ في المرجعيات التي تنتمي لها القضية كاشفاً تمثـُّلاتـِها، وهذا كلُّه يمنحُ خطابَ شيخنا فرادة وتميـّزاً فالعملية اللسانية، في خطابه، تـُماثلُ النـَّقبَ عن الجواهر والكشفَ عن الـمُعتم.ولا يكتفي شيخنا بإيراد الخواطر الحاضرة والشواهد القريبة، ولا يركنُ إلي المعطيات الجاهزة بل إنه يبذل جهداً دقيقاً في تقصِّي الشوارد الغائبة والنماذج البعيدة والتـّطوافِ في المدارات المترامية مُستدلاً بالأدلة المنقولة ومُبرهناً بالأدلة المعقولة فيأتي خطابه حافلاً بالشواهد المتباينة نظماً وسرداً ومُكتنـزاً بطرائف القول ولطائف النوادر وهذا ناجمٌ عن سعة اطلاعه وعمق تجربته إضافة إلي وعيه بعملية التواصل اللساني العميق الذي يتحقق بإثارة التساؤلات وحَفْزِ التفكير وعدم الركون إلي البداهة واليقين. فإذا تعرَّضَ لمسألة نحوية، مثلاً، نجده يحفر في أخاديدها ويستشرف شواهدَها ويُحاججُ من قالوا بها موافقةً ومُخالفةً ثمّ يَعْمدُ، بقدرة فائقة، إلي ربط العناصر الجزئية بدلالاتها النصية وكشف سياقاتها الثقافية من خلال استقراء حواشي المدونة وهوامشها والإحالة إلي علاماتها الحافة.أما الـمُسايراتُ فتتمثـَّلُ في ذلك التقليد الذي انتهجه الدكتور نهاد الموسي في جولات المشي التي يُنظِّمها في الجامعة الأردنية ليلاً. وتأتلفُ فيها كوكبةٌ من أولي الفضل والمعرفة التي اختارتْ الالتفاف حول الدكتور نهاد الموسي ناشدةً حواراتٍ متنوعةً وجريئةً تنثالُ فيها المعاني وترتفع الدلالات لتعانق رؤوسَ أشجار الصنوبر.ولا أبالغ إذا قلتُ: إنَّ مسارات الدكتور نهاد الموسي المعرفية تكاد تكون مفتوحة ولا نهائية؛ فهو يتخذ لخطابه موقعاً متحركاً لا يعترف بالتخصص ولا الحدود الفاصلة مُنطلـِقاً من إيمانٍ منهجي وبصيرة معرفية مُفادها: أنَّ حقولَ المعرفة يحكمها التداخل والتشابك والتضافر.يحقُّ لمحبي نهاد الموسي ومريديه الاحتفالُ به إنساناً، ومُثقفاً عضوياً، وعالماً لسانياً بارزاً استطاع، خلال العقود الأربعة الأخيرة، أنْ يُراكمَ إنجازاتٍ رصينة. فطوبي لنهاد الموسي، في عيده الرابع والستين، وطوبي للأرض التي شهدتْ ولادته. ہ شاعر وباحث أكاديمي من الأردن.ہہ الإشارة، هنا، إلي جهود اللغويين العرب: أنيس فريحة، وإبراهيم أنيس، وإبراهيم مصطفي، ومحمود السعران، ومهدي المخزومي، وعبد القادر المهيري، ونهاد الموسي، وتمام حسان، وعبد القادر الفاسي الفهري، وعبد السلام المسدي، وأحمد المتوكّل ، التي مثـَّلتْ اتجاهاً بارزاً في مشروع الحداثة العربية.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية