نهاية الحقبة البليرية وملامح العصر الـ بن لادني

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

في آخر مرة ذهبت فيها لأستمع لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير يلقي أحد أهم خطاباته ليحدد ملامح السياسة الخارجية لبريطانيا كان أول ما لفت نظري وأنا أقترب من مكان الاجتماع الحضور الكثيف للشرطة بحيث أصبحت المنطقة أشبه بميدان قتال. وعند الباب كان هناك العشرات من رجال الأمن مع التفتيش الدقيق للحقائب والأشخاص.

وكان هذا انعكاساً لحال الرعب الذي أخذ يسود البلاد ويشكل تفكير الحكومة في هذه الفترة الأخيرة من حكم بلير. وفي داخل القاعة كان موضوع الإرهاب هو أيضاً المهيمن، حيث أنحي بلير باللائمة علي ما وصفه بـ النظرة المهيمنة علي التفكير في العلاقات الخارجية التي تربط بين الظاهرة الإرهابية والسياسة الخارجية لدول مثل بريطانيا والولايات المتحدة. وسعي بلير لإقناع الحضور بتفسيره الذي يري أن السبب الحقيقي هو التطرف الديني، والتطرف الإسلامي خصوصاً. وأسهب في القول بأن الأمر يتعلق بهوس ديني يعبر عن نفسه في حروب موجهة ضد الحضارة، وشبكة عالمية لتقويض السلام في العالم توحد بين هؤلاء المتطرفين في فلسطين وجنوب لبنان والعراق والشيشان وكشمير واندونيسيا والفلبين والجزائر وأفغانستان… إلخ. لهذا السبب، أكد بلير، فإن حروب بريطانيا وأمريكا وحلفائهما في العراق وأفغانستان تمثل خط الدفاع الأمامي عن الحضارة الإنسانية، وأن الصراع القائم ليس صراع حضارات، ولكنه صراع من أجل الحضارة. وهاجم بلير من يترددون في وصف التطرف الإرهابي بالتطرف الإسلامي حتي لا يجرحوا مشاعر المسلمين، قائلاً إنه لا بد من أن تسمي الأشياء بأسمائها، وأن التطرف الذي نواجهه اليوم هو تطرف إسلامي. وعليه فإن مواجهة هذا التطرف تقع علي عاتق المسلمين أولاً وأخيراً، حيث عليهم أن يصلحوا من أمر دينهم وأن يعزلوا المتطرفين. ودعا لمواجهة هذا التطرف بإجراءات عدة، منها دعم المعتدلين والترويج لقيم الديمقراطية والتقدم مقابل قيم الانغلاق والرجعية التي يروج لها المتطرفون.

وقد كرر بلير هذه الأطروحات في خطابين آخرين، ثانيهما في اندونيسيا وثالثهما في لوس انجليس. وكان الطرح الغالب في كل هذه الخطابات، إضافة إلي الدفاع عن قراره المشاركة في غزو العراق، هو الاعتراف بعزلته المتزايدة، وعجزه عن إقناع الغالبية داخل وخارج بريطانيا بسلامة موقفه. وعزا ذلك جزئياً إلي مهارة الإرهابيين في استغلال الإعلام الغربي، حيث قال إنهم تفوقوا في ذلك علي خصومهم. ولمح ضمناً إلي سذاجة الغالبية في الغرب ممن فتنوا واغتروا (بزعمه) بأراجيف الإرهابيين بدلاً من أن يتجاوبوا مع الموقف السليم الذي يعتنقه بلير وحليفه بوش. ولكنه أكد اقتناعه التام بسلامة موقفه، وعدم نيته التراجع عنه، حتي ولو كلفه ذلك منصبه، لأن القناعات عنده أهم من المنصب.

المفارقة الأكبر في كل هذا هو أن بلير عندما جاء إلي زعامة حزب العمال في منتصف التسعينات ثم إلي السلطة في عام 1997، لم يكن يتبني هذا الموقف الانتحاري، بل بالعكس، اشتهر بمذهبه البراغماتي ورفضه لما وصفه بالتطرف الدوغمائي لأسلافه في الحزب الذين أصروا علي نقاء مبادئهم الاشتراكية مما كلفهم البقاء خارج السلطة لقرابة عقدين من الزمان. ولهذا جمع حوله ثلة من المجددين كان أبرز ما جاءوا به من تجديد هو الاجتهاد في التعامل مع الإعلام، وتطوير رسالة سياسية تكون مفصلة علي ما يريده الناخبون. وتبني أيضاً ما وصف بالطريق الثالث، أي التوسط بين التطرف الاشتراكي لأسلافه العماليين، والتطرف الرأسمالي لمنافسيه المحافظين. ويستتبع هذا التخلي عن دعم المطالب العمالية، والسير في الطريق الذي اختطه المحافظون في الخصخصة، والتعامل الخلاق مع الإعلام، والتقرب من الطبقات المتنفذة والغنية في المجتمع.

وفي أول عهده حقق توني بلير نجاحات لا بأس بها في مجالات عدة، منها الاقتصاد ودعم الخدمات العامة من صحة وتعليم، وتعزيز مكانة بريطانيا الدولية. ولم يخل الأمر من إثارة اتهامات له (خاصة من أصوليي حزب العمال) بالتنكر لمبادئ الحزب والتحول إلي نسخة من المحافظين، والاقتراب أكثر من اللازم من أشخاص من أمثال روبرت ميردوخ مالك شبكة سكاي الفضائية. وقد عاني الحزب من فضائح متكررة ذات طابع مالي، خاصة لجهة قبول الحزب بتمويل سخي من عدد من الأغنياء أصحاب الغرض. ولكنه استطاع تجاوز هذه الانتقادات، مستفيداً في ذلك من ضعف المعارضة، واستمر في توسيع قاعدة الدعم لسياسياته.

وقد كانت الظاهرة البليرية جزءا من ظاهرة عالمية لمراجعة أطروحات اليسار بعد نهاية الحرب الباردة. وكان قد سبقه إلي ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون الذي سعي بدوره إلي تحديث خطاب وأطروحات الحزب الديمقراطي والتكيف مع عصر الانفجار الإعلامي ومطالبه القاسية. وقد استفاد هؤلاء من مساهمات مفكرين من أمثال أنتوني غيدينز في بريطانيا وبنجامين باربر في الولايات المتحدة وغيرهم، إضافة إلي تجارب الدول الاسكندنافية في مجالات التحديث الاشتراكي. ولكن صرح البليرية ودعاة الطريق الثالث بدأ يتداعي مع سقوط برجي مركز التجارة العالمي في خريف عام 2001، بل ربما قبل ذلك مع سقوط المرشح الديمقراطي آل غور في انتخابات عام 2000، مما أفقد بلير أحد أهم حلفائه. ولكن بلير شهد مع أحداث ايلول (سبتمبر) باعترافه تحولاً جذرياً في نظرته للعالم، واندفع أكثر من أي زعيم آخر في دعم الرئيس الأمريكي جورج بوش في ما وصفه الأخير بحربه علي الإرهاب، بدءاً من غزو أفغانستان وانتهاءً بغزو العراق. وقد كان هذا التحالف مع بوش كافياً لإغضاب معظم مؤيدي بلير خاصة داخل حزبه، حتي لو لم تكن حرب العراق سبباً إضافياً للاعتراض. فتحالف زعيم حزب يساري مع أكثر رئيس يميني يدخل البيت الأبيض يكفي وحده لقيام ثورة داخل ذلك الحزب، فكيف إذا انطلق ذلك الرئيس في مغامرات امبريالية وآثام من دون ذلك، مثل رفض التعاون في وقف سباق التسلح أو إصلاح البيئة؟

من الواضح أن بلير أصيب بما يشبه الهوس بقضية الإرهاب، وأصبح لا يري العالم إلا من خلالها. فقد تحول بطل العلاقات العامة فجأة إلي شخص يعيش هوس العصر الـ بن لادني، ويؤمن بأن الإرهاب هو سيد اللحظة، مما يستدعي قلب كل الموازين والخطط. ولكن خطابه هذا لم يقنع مواطنيه ولاحزبه، فأصبح يعيش عزلة تزايدت بعد مغامرة غزو العراق. ولكن إشكاله هو أنه مع انحراف يميناً تحت تأثير هذا الهاجس أوشك أن ينسي أنه رئيس لحزب يساري. والطريف أن المعارضة لسياساته، وخاصة حرب العرق، كانت تأتي من داخل حزبه بينما كان حزب المحافظين المعارض يتدخل أكثر من مرة لإنقاذه من الهزيمة في البرلمان. وقد ضاعف من مشاكله هنا انتهاجه بعض السياسات الداخلية التي لم ترض الجناح اليساري الراديكالي في حزبه، مثل إدخال القطاع الخاص في إدارة الصحة والتعليم. ولكن المفارقة هي أن بلير واجه تهديداً من الجهة التي كانت مصدر قوته الأبرز. ذلك أن ما سمي بحزب العمال الجديد استمد نجاحه من قدرته علي التحكم في الإعلام، وذلك عبر نشر عدد كبير من المستشارين الذين عرفوا بـ حواة الإعلام، وكان من أبرزهم بيتر مانديلسون، أقرب مستشاري بلير، والموصوف بأنه مهندس الحملة الانتخابية التي حملت الحزب إلي السلطة، وأليستير كامبيل، مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في مقر رئيس الوزراء، وهو الشخص الذي دأب المعلقون الساخرون علي وصفه بأنه كان رئيس الوزراء الحقيقي. ولكن نجاح هذه الاستراتيجية اعتمد علي فرض انضباط شبه عسكري علي كوادر الحزب وقياداته، بحيث أن أي تصريح أو خطوة مهمة كان لا بد أن تعرض علي مستشاري الإعلام الذين انتشروا في كل الوزارات والمصالح، وكان علي هؤلاء في كثير من الأحيان الرجوع إلي كامبيل لاتخاذ القرار. وبينما حققت هذه الاستراتيجية نجاحاً سياسياً مقدراً في أول عهده، إلا أنها أثارت مشاكل كثيرة، بدأت من اعتراض رموز حزب العمال القديم من أمثال توني بن وكلير شورت علي النفوذ الكبير لمن وصفتهم شورت بأنهم الرجال الذين يعملون في الظلام. من جهة أخري فإن سمعة الحزب تأثرت من هذه الشهرة بما وصف بأنه الاهتمام بالصورة دون المضمون، واللجوء إلي ما يشبه الخداع في تناول القضايا العامة. ولم تكن مصادفة أن كبار المستشارين الإعلاميين من أمثال مانديلسون وكامبيل أصبحوا يواجهون أحد الانتقادات من الإعلام، وسقط كلاهما في نهاية الأمر ضحية حملات إعلامية تتبعت أخطاءهم وفضائحهم بشراسة وإصرار. وهكذا راح حواة الإعلام ضحية للمارد الذي كانت مهمتهم تدجينه والسيطرة عليه.

توني بلير سقط في النهاية ضحية للتناقض الأساسي في استراتيجيته، وهي تسويق حزب يساري للجمهور في وقت أصبح فيه هو من أول المؤمنين بأن اليسار التقليدي لم يعد له مكان في عالم اليوم، وأن علي الحزب أن يغير من صورته علي الأقل حتي يصبح مقبولاً لدي جمهور أصبحت غالبيته في الوسط ويمين الوسط. وقد كان هناك خطر ألا يقتنع أي من الطرفين بطرحه الذي يفرض علي اليسار الانقياد يميناً، بينما يطلب من اليمين دعم حزب يساري. ولعل المفارقة هي أن اليمين كان أكثر اقتناعاً من اليسار بتوجه بلير الجديد. ولكن مقتل بلير جاء من خارج البلاد، ومن واشنطن وبغداد تحديداً، حيث أن ما وصف بانقياده الأعمي لسياسة بوش الخارجية ضرب شعبيته في مقتل، مما اضطره للإعلان مبكراً عن اعتزامه الاعتزال في نهاية فترة البرلمان الحالي إذا أعيد انتخابه في عام 2005. وكان بلير يعتقد أن هذا الوعد سيمنحه فترة سماح مدتها خمس سنوات، هي عمر البرلمان تقليدياً. ولكن هذا كان وهماً، لأن الصيحات أخذت تتعالي من داخل حزبه مطالبة بسرعة رحيله. وقد أوشك أن يتعرض في أواخر العام الماضي لانقلاب يشبه ذلك الذي أطاح بثاتشر في نهاية عهدها، لولا أنه قدم تعهداً آخر بأن يرحل هذا العام. وقد أكدت الهزيمة الماحقة التي تعرض لها الحزب في الانتخابات المحلية الأسبوع الماضي ضرورة رحيله العاجل لإنقاذ الحزب من كارثة محتومة. رحيل بلير لا يعني بالضرورة نهاية توجهاته، ولكن من الواضح ـ كما كشف انتخاب نيكولا ساركوزي رئيساً لفرنسا، أن فكرة الطريق الثالث والوسطية تواجه انحساراً لصالح التشدد والانحراف يميناً في أوروبا والغرب تحديداً لأن هذه الفكرة ولدت من أجواء نهاية الحرب الباردة وانحسار التهديد الخارجي للغرب. ولكن هذا الشعور تراجع بدوره مع أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وما تبعها وتصاعد الشعور بخطر إسلامي متزايد، وهو شعور ساهم بلير أكثر من غيره في الترويج له، فكان أحد ضحاياه كما كان مانديلسون ضحية نجاحه الإعلامي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية