نهاية الحلف الميكيافيلي بين نظام الأسد و«داعش»… ودمشق خائفة من توسع التنظيم شرق وشمال البلاد

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: يحمل تحرك النظام السوري لبشار الأسد ضد تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش- عددا من الرسائل الموجهة في معظمها للغرب فيما يعتبره محللون نهاية للعقد الميكافيلي بين النظام وداعش الذي لعب دورا مهما في إضعاف ما يطلق عليها المعارضة السورية «المعتدلة» ذلك انها اضطرت للقتال على جبهتين، النظام وداعش إضافة لمحاولتها حل خلافاتها المستعصية فيما بينها.
ويرى تشارلس ليستر، الباحث الزائر في شؤون الحركات الجهادية بمعهد بروكينغز- الدوحة « في الأسابيع الستة أو السبعة الأخيرة انهار»اتفاق تجنب العدوان» بين الطرفين حيث بدأ كل طرف يستهدف «الآخر» حسبما قال لصحيفة «التايمز» البريطانية، مضيفا ان الغارات السورية على مواقع داعش في سوريا ما هي إلا تقليد للغارات الأمريكية في العراق. وبحسب اندرو تابلر، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى «اعتقد ان (الحكومة السورية) اكتشفت أخيرا عدم نجاح الإستراتيجية الميكافيلية للعمل مع الدولة الإسلامية ضد المعتدلين ولهذا بدأ بضربها».
ويواجه النظام وجماعات المعارضة خطر الهزيمة من داعش، فلم يبق للنظام في منطقة الرقة إلا المطار العسكري «الطبقة» وفي حلب تواجه المعارضة «تهديدا وجوديا» حسب ليستر ذلك انها تجد نفسها محاصرة بين داعش الذي يتقدم من الشرق وقوات الحكومة التي تحيط بالمدينة.
وكان قادة المعارضة العسكريين قد أعلنوا عن تمتين التحالف فيما بينهم لمواجهة الجهاديين عندما أعلن مقاتلون في جماعة تلقى دعما من السعودية «لواء التوحيد» التحالف مع الجيش الحر. ونقل عن المتحدث باسم الجيش الحر حسام المري «الجيش الحر ملتزم بقتال داعش حتى آخر طلقة وآخر قطرة دم تجري في عروقنا»، مضيفا ان «يمنح هذا التحالف الجديد أملا للقتال، فنحن شركاء الغرب في مكافحة الإرهاب ويجب دعمنا ان رغب الغرب بنجاح القوى المعتدلة في سوريا».

رسالة للغرب

وفي تقرير لوكالة انباء أسوسيتدبرس نشرته صحيفة «اندبندنت» البريطانية تحليل لأبعاد التحول في الموقف السوري الرسمي من داعش.
فالانتقال من موقف المتعاون مع أو غض النظر عن التنطيم نابع من مخاوف النظام السوري خسارة ما حققه من انجازات طوال العام الماضي بدعم من حلفائه الإيرانيين والروس، حزب الله والميليشيات العراقية، فالتقدم السريع لداعش في شمال وشرق سوريا علاوة ما انجزه في العراق يفسر الغارات الجوية المكثفة التي قام بها الطيران السوري خلال اليومين الماضيين.
وسجل التقرير نفس التحول في عمليات داعش الذي انشغل طوال الفترة الماضية بقتال جماعات المعارضة السورية، حيث شن في الشهر الماضي هجوما عنيفا ضد مواقع للجيش السوري في شمال- شرق البلاد، وألقى القبض على عدد من جنود النظام وعناصر الميليشيات المؤيدة له. كما وان سيطرة داعش على مواقع المعارضة في مدينة حلب سيعتبر كارثيا للحكومة التي تقدمت قواتها داخل المدينة خلال الأشهر الماضية.
ويقول محللون ان غارات الأسد على مواقع داعش ربما تهدف لإرسال رسالة للغرب وانه يقاتل على الجانب نفسه الذي يقف عليه الأمريكيون، مما يعزز من زعم الحكومة السورية منذ بداية الانتفاضة عام 2011 انها تقاتل جماعات إرهابية.
وبحسب أرون لوند المحلل في الشان السوري « سيكون الأسد سعيدا لو اكتسب قبولا دوليا عبر «الحرب على الإرهاب» وربما تكون هذه هي خطته على المدى البعيد».
وحتى الان لم يظهر الأمريكيون رغبة في توجيه ضربات لداعش في سوريا رغم الغارات التي يقوم بها الطيران الأمريكي في العراق.
ورغم الانطباع الذي يحاول النظام الايحاء به عن الشراكة في الحرب على الإرهاب إلا ان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية ماري هارف رفضت الفكرة وان أمريكا وسوريا تقلبان نفس الصفحة. ولعل التفسير الحقيقي لتغير موقف النظام من داعش وهو ان النظام لم يعد بإمكانه تجاهل ما يمثله التنظيم خاصة بعد ان بدأ الأخير بمهاجمة قواته والتي بدأت بالهجوم على حقل الغاز الطبيعي في منطقة الشاعر قرب حمص والذي قتل فيه 270 جنديا سوريا.

ليبيا من جديد

وفي الوقت الحالي ستبقى سوريا بعيدة عن الإهتمامات الأمريكية فهي تركز على مهمتها «الزاحفة» في العراق والتي يرى ديفيد بلير في صحيفة «دايلي تلغراف» انها تحولت لصورة جديدة عن ليبيا.
ويرى بلير ان سيطرة المقاتلين الأكراد ـ البيشمركة ـ على سد الموصل لم تتحقق لولا الغطاء الجوي الأمريكي لها. ويرى ان النموذج الذي قاتل فيه الثوار الليبيون على الأرض قوات العقيد معمر القذافي وبغطاء من الناتو تم استنساخه مرة أخرى في العراق. ويقول ان «إعادة السيطرة على سد الموصل يعطي فكرة عن الهجمات التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد داعش في شمال العراق».
و»عندما سيطرت البيشمركة على السد كانت الطائرات الأمريكية تحلق فوقها بشكل دائم. ومنذ السبت أغارت الطائرات الأمريكية على المواقع القريب من منشآت توليد الطاقة، وقامت بـ32 غارة على مواقع عسكرية وعربات.
وكانت الجهة المنتصرة قوات محلية- البيشمركة والتي تلقت ساعدتها الطائرات الأمريكية من الجو. وببساطة فهو نفس النموذج الذي أطاح بطالبان عام 2001 وبمعمر القذافي عام 2011 يعمل الان مرة أخرى وان كان على قاعدة صغيرة».
ويرى ان النقاش حول شن هجوم على الطريقة الليبية في العراق تأثر بالأحداث المتسارعة، والسيطرة من جديد على سد الموصل يظهر ان النموذج يطبق على الواقع. فيما بدأ تنظيم الدولة الذي سيطر على كميات كبيرة من الأسلحة بدأ يتصرف وكانه جيش نظامي مما يسهل على الأمريكيين تحديد مواقعه وبالتالي إجباره على التراجع وهزيمته رغم انه لا يزال يسيطر على آلاف الأميال. لكن الكاتب هنا لم يقل ان نجاح الناتو وأمريكا في ليبيا وأفغانستان لم يكتمل فالدولتان لا تزالان تعانيان من فوضى واضطرابات ولم يتم القضاء على طالبان.

مهمة زاحفة

ويعلق مايكل كرولي مراسل الشؤون الخارجية في مجلة «تايم» في هذا السياق على تصريحات الرئيس باراك أوباما حول الدور الذي لعبه الطيران الأمريكي في استعادة سد الموصل قائلا ان استعادة هذا السد لم تكن من ضمن الأهداف التي حددها أوباما في خطابه 7 آب/اغسطس الذي تحدث عن هدفين، حماية المصالح الأمريكية في بغداد وإربيل والقيام بمهام إنسانية.
ومع ان أوباما حذر من «مهمة زاحفة» وعبر عن قلقه، لكنك لا تحتاج لجيش كبيرعلى الأرض لتبدأ عملية من هذا النوع، فقد تورطت أمريكا في فيتنام عندما قاتلت مع جيش جنوب فيتنام. وعندما يتم توسيع أهداف الحملة فاننا أمام مهمة زاحفة وهو ما نراه يحدث في العراق حسب كرولي، موضحا ان الإدارة الأمريكية أضافت بندا ثالثا للعملية وهو سد الموصل وأعلن عنه البيت الأبيض في اجواء صاخبة.
وقام أوباما يوم الإثنين بتبرير العمل العسكري في المنطقة بانه مرتبط «باهدافنا» لان تخريب السد «يمثل خطرا على سفارتنا في بغداد» على افتراض قيام داعش بتدميره وإغراق الموصل وحتى بغداد.
ويعلق كرولي «لا يهم ان بغداد تبعد 250 ميلا عن الموصل مما سيعطي الأمريكيين الوقت لإجلاء الأمريكيين». ومن هنا يقول الكاتب «ما يثير القلق هو توسيع أوباما منطقه «حماية الأمريكيين في العراق» ليبرر أي نوع من أنواع الفعل العسكري بعد ان ضاعف من عدد الأمريكيين في العراق إلى 2000 منذ حزيران/يونيو، ويذكر الكاتب بالمرحلة الأولى التي تورطت أمريكا في فيتنام عندما أرسلت الولايات المتحدة قوات لحماية القواعد الأمريكية في ذلك البلد. لكن أوباما منح لنفسه رخصة أوسع من هذه فعندما أعلن عن إرسال 300 مستشار عسكري للعراق في 19 حزيران/يونيو وقع أوباما على شيء يشبه «الصك المفتوح» كما يقول كرولي.
وبموجب هذا يمكن لأوباما الذي عبر عن استعداد للقيام بعمليات عسكرية محددة «عندما نرى ان الوضع يحتاج لهذا» اعتبار أي تهديد يمثله داعش على الأمريكيين مدعاة للتدخل. ويحذر الكاتب من تكرار نفس درس ليبيا عندما أكد اوباما في آذار/مارس 2011 على عملية عسكرية محدودة لحماية سكان بنغازي، لتستمر العملية 7 أشهر وتنتهي بـ 26.000 غارة نفذتها طائرات الناتو على ليبيا. فهل نحن أمام عملية عسكرية مشابهة؟ تقول وزارة الدفاع البنتاغون انها قامت بـ 68 غارة على شمال العراق منذ بداية الشهر الحالي.
ووعد أوباما بتقديم دعم عسكري للحكومة التي ستشكل في بغداد. ويعلق الكاتب هنا ان من حسن حظ أوباما انه لا يواجه رأيا عاما غاضبا. فبحسب استطلاع أجراه معهد «بيو» في 18 آب/أغسطس أظهر ان 54٪ من المشاركين يدعمون الغارات الأمريكية. لكن الإستطلاع وجد 51٪ من الامريكيين يخشون من «تورط أوباما في الوضع».
فمع مرور الوقت يحتاج أوباما لأن يشرح للأمريكيين كيفية تحقيق المهمة ومنع تحولها لمهمة زاحفة، خاصة ان أوباما لم يتدخل في العراق إلا مترددا، وقد يجد نفسه وهو الرئيس الذي دخل البيت الأبيض معارضا لغزو العراق ومتعهدا بسحب القوات الأمريكية يودعه والقوات الأمريكية متورطة بشكل أو بأخر في العراق.
وهنا يتساءل محلل عن السبب الذي يدعو الولايات المتحدة والغرب بشكل عام التدخل لحماية العراق وتسليح الأكراد ومواجهة داعش، فماذا عن الدور العربي، ولماذا لا تتحمل الدول العربية وجيران العراق مسؤولية حمايته؟

الدور العربي

طرح هذا السؤال شانشك جوشي الزميل الباحث في «المعهد الملكي للدراسات المتحدة» في لندن.
ففي مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» قدر القدرات الجوية لدى دول الشرق الأوسط وقال انها كافية وقادرة على ضرب داعش.
فدول الخليج لديها 600 طائرة في حالة قتالية جيدة، ومصر وتركيا والأردن لديها مجموعة 1000 طائرة. فلماذا لا تشغل هذه الدول طائراتها وتسيرها فوق العراق.
يبدو ان الامر متعلق حسب الكاتب بتداعيات احتلال صدام للكويت، فمنذ عام 1990 تعودت الدول العربية على الدعم الخارجي وتوجيه اللوم حالة لم يحدث.
وبهذا الاعتبار لا بد للعالم العربي وتركيا من تحمل المسؤولية وبناء تحالف ضد داعش، وعلى الغرب تقديم الدعم لهم من ناحية تزويد الطائرات بالوقود، وبالمعلومات الأمنية ونشر قوات خاصة لإرشاد الطائرات وغير ذلك من الدعم اللوجيستي.
لكن الحلف العربي- التركي لن يتحقق طالما لم تتخل دول الجوار العراقي عن مخاوفها. ويحددها بثلاثة. الأول يتعلق بنظرة الدول العربية السنية للعراق حيث لا تراه إلا عبر المنظور الإيراني ومسألة التوازن الطائفي.
فالدول العربية وان كرهت داعش إلا انها ترى في مواجهته تقوية للحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد وضد حساب مصلحة السنة العرب العراقيين. أما الثاني فيتعلق بسوريا.
وتخشى الدول العربية من استفادة نظام الأسد من محاولات إضعاف داعش الذي يسيطر على مناطق واسعة في العراق وسوريا، وعليه فأي محاولة لهزيمته ستصب في صالح النظام السوري الذي يرونه تابعا لإيران.
وبالنسبة لمظهر الخوف الثالث فله علاقة بتداعيات هزيمة داعش وردة فعله. فقد انضم لصفوف داعش عدد كبير من المقاتلين العرب والذين تسللوا عبر الحدود بين العراق وسوريا . ولهذا فالدول المجاورة للعراق مترددة من مواجهة داعش خشية انتقامه منها، وبالتحديد تركيا التي تخشى على مصير 49 من الرهائن بيد الجهاديين بعد سيطرتهم على الموصل.
وفي تحليله لهذه المخاوف يرى الكاتب انها غير مبررة من وجه وشرعية من وجه آخر.
فتهديد داعش على هذه الدول يتفوف على التهديد الذي تمثله طهران. ويشير للدور السلبي الذي لعبه تنظيم داعش في سوريا والذي قضى وقتا طويلا في قتال بقية الفصائل هناك وهذا يفسر السبب عدم استهدافه من قبل النظام السوري إلا في الفترة الأخيرة. وخلافا لهذا الموقف فمواجهة داعش ستعود بالنفع على المعارضة الشرعية للأسد.
ويتفق الكاتب هنا مع مخاوف الدول العربية من عمليات انتقامية لداعش ولهذا يجب على الغرب تقديم العون لها كي تشدد حراسة حدودها وتقوي من عزيمتها على المواجهة.
ويعتقد الكاتب ان التغيرات السياسية في العراق هي فرصة جديدة. فتنحي نوري المالكي الذي فقد شرعيته وتعيين حيدر العبادي الذي رحبت به السعودية وإيران يجب ان يكون لحظة تعيد فيها الدول العربية تقييم موقفها من بغداد.
ومع ان الإصلاح السياسي مهم لتحقيق النصر على داعش لكن لا غنى عن العمل العسكري ولن يستطيع سلاح الجو العراقي وحده تحقيق النصر حتى بالطائرات الروسية الجديدة.
ولا يوجد أي سبب لعدم لعب العرب دورا قياديا لمواجهة الخطر الكامن في ساحتهم الخلفية، مشيرا للدور السعودي في اليمن، ومواجهة تركيا المتمردين الأكراد في جنوب البلاد، ومشاركة الإمارات في العمليات القتالية في أفغانستان.
بل وعلى العكس فدور غربي أقل في العراق سيحرم داعش من واحدمن أساليب التجنيد القوية. فالطائرات الأمريكية بدون طيار في اليمن قد تكون مسؤولة عن زيادة عدد عناصر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي كان باستطاعته شن «جهاد دفاعي». ودور عربي قيادي ضد داعش سيجرد الجهاديين من هذا الزعم الضعيف.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية