نهاية السياسة العربية

حجم الخط
0

سمير طاهر الثورة العربية (وهي تسمية أراها أكثر دقة من تسمية ‘الثورات العربية’ المتداولة في الميديا) التي افتتح بها عام 2011 لم تسقط أنظمة عربية فقط وإنما ـ بالأحرى ـ أسقطت السياسة العربية ككل. وأعني بالسياسة العربية طرفيها الرئيسيين: ذرائع الحكم اللاديمقراطي، وذرائع التواطؤ مع الحكم اللاديمقراطي (التي تشكل ما يسمى بأحزاب المعارضة). ولأن أنظمة الحكم العربية مكثت في أماكنها زمناً أطول حتى من معدل العمر البشري (الأمر الذي أدى الى ظاهرة توريث السلطة الى الأبناء) وعاصرت مراحل عديدة من تاريخ السياسة الدولية، فلا بد ونحن ندرس ظاهرتهم الى الرجوع بالزمن عدة عقود الى الوراء.ذرائع الحكم اللاديمقراطيالحقيقة السارية والساطعة في الواقع العربي هي ان هناك سرقة متواصلة للبلاد ومواردها من قبل حفنة حاكمة، وحرماناً للمواطنين من حقهم في خيرات بلادهم وحقهم في المشاركة السياسية وحتى في التعبير عن أنفسهم. ونحن هنا نتكلم بلغة هذا الزمن، أما بلغة الزمن الذي تأسست فيه الأنظمة المعنية فقد كانت المفاهيم ـ بالطبع ـ مختلفة، وكانت البيئة الثقافية في مجتمعاتنا تسمح بتمرير نمط كهذا من الحكم. ولكن هذا النمط استمر الى اليوم في جزء كبير من العالم العربي، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية، ورغم تغير العالم من حولنا. فما هي الذرائع التي تستخدمها عُصبة حين تستولي على الحقوق المالية والسياسية والانسانية لبقية السكان؟ لقد عتقت الذرائع التقليدية لطول مكوثها (كان أظرف أمثلتها الفتوى السعودية بأن التظاهر حرام!) وصارت موضوعاً للسخرية لدى الاجيال الجديدة ولم تعد تصمد أمام تيار الحداثة الجارف، حتى صارت تُجرى لها عمليات تنشيط ويتم ابتكار المزيد منها بين فترة وأخرى. وخلال مسيرة طويلة منذ استقلال الدول العربية في منتصف القرن الماضي، مرت هذه الذرائع بأشكال من التزويق والتعديل ولكنها ظلت طيلة الوقت متشبثة بمضمونها المركزي: بديهية حق العصبة الحاكمة في التفرد بالثروات والسلطات جميعا. وقد تشارك العامل المحلي والعامل الدولي في مختلف المراحل في تزويدها بالغطاء والإسناد اللازمين، وعلى النحو التالي.العامل المحلي مثلت الأنظمة القائمة في بلداننا ثلاثة أنواع من الحكم اللاديمقراطي تبعاً لأوضاع اجتماعية مختلفة. النوع الأول هو ما دعاه أصحابه ـ من بين أوصاف أخرى ـ بالشرعية الثورية، ويمكن تلخيصه بأنه استغلال رغبات شعبية مشروعة لبناء سلطة فردية أو فئوية. هذا النوع أنتج ظاهرة الاوليغاركيات السياسية ـ العسكرية بكل شعاراتها وأناشيدها الحماسية، وكانت ذرائعها للتمسك بالسلطة هي: دورها في تخليص البلاد من الهيمنة الأجنبية؛ أهدافها القومية بتحرير فلسطين وتحرير البلدان العربية من الوجود الاجنبي وتحقيق الوحدة العربية؛ العمل صوب الاستقلال الاقتصادي. النوع الثاني هو حكم العائلة، الذي يجد سنده في الذهنية القَبَلية التي تتمظهر كامتداد لثقافة مجتمع ما قبل صناعي. فقد استندت العُصْبات الحاكمة في تبرير استفرادها بالحكم الى التراث الديني للمنطقة والى الثقافة الاجتماعية المتوارثة (القبلية تحديداً)، الأمر الذي يفسر تركيز الاعلام في دول هذا النوع، وخصوصاً دول الخليج، على مثول الماضي، ممجداً وصارخاً، في الحاضر وبتكرار خرافي، ويفسر ترويجه حد الابتذال للقيم المتخلفة والتقاليد القبلية. فبما ان نمط العائلة المستبدة بالحكم والثروة ينتمي الى الماضي فليس أمام هذه الأنظمة سوى اللجوء إليه بحثاً عن شرعنة لا يمنحها إياها العصر الحديث. والذرائع المتداولة لهذا النمط في التمسك بالسلطة هي: ‘العائلة المالكة’ (وهو تعبير مبهم، رافض للمساءلة المنطقية، جرى ترسيخه لعقود طويلة كبديهية أبدية رغم افتقاره الى أي أساس واقعي أو قانوني)؛ تعابير ساذجة مثل ‘العلاقة الأبوية’ بين الحاكم والشعب، أو ‘الأسرة الواحدة’ التي تضم الشعب والحكام؛ فكرة ان التسليم للأسرة المالكة بحقها في الاستئثار السياسي والمادي هو طاعة لأمر إلهي، الأمر الذي يفسر التماهي التقليدي بين المؤسسة الدينية والسلطة الحاكمة، وكذلك الانفاق الهائل للدولة على الرموز والطقوس الدينية وعلى رجال الدين المكلفين بترسيخ هذه الفكرة.أما النوع الثالث فهو الليبرالية المشوهة. ويتأرجح هذا النوع بين الطابع العلماني والطابع الديني للدولة، حسبما تقتضيه المصلحة. هو حليف سياسي للغرب ومنفتح أمام الشركات المعولمة، ولكنه متجمد سياسياً، مهمِل ومُفقِر لغالبية الشعب، فاسد مالياً. هنا يدافع النظام عن تمسكه بالسلطة استناداً الى دستور غير ديمقراطي حيناً، وعلى ‘اختيار الشعب له’ حيناً آخر (والمقصود هنا انتخابات يفوز فيها الحاكم حتى قبل ظهور النتائج)، وعلى دوره ‘الأبوي’ حيناً ثالثاً، والمقصود به وجود برلمان وانتخابات أو حتى حكومات ذات طابع تنفيذي، بينما رأس النظام ثابت في منصبه وبسلطات مطلقة.العامل الدولي:قدمت الحرب الباردة خدمة كبيرة، إما في تأسيس هذه الأنظمة أو في دوامها. فبفضل هذه الحرب كان هناك أعداء ماثلون، وصراع إقليمي ودولي، وموجة ثورية عالمية أعقبت انتهاء عصر الامبريالية، وباختصار كان هناك كل ما تحتاجه عصبة عسكرية أو حزبية لاضفاء شرعية على تسلطها وقمعها. بينما كانت حماية البلاد والدين من ‘خطر الشيوعية الملحدة’ التي تحاول اكتساح العالم من أشهر دعايات الأنظمة العائلية. وعندما وطّّدت أنظمة ‘الشرعية الثورية’ علاقتها بالدول الاشتراكية، فقد أضافت الى شرعيتها ثقلاً كبيراً وهذه المرة منتزعة اعتراف حتى القوى اليسارية المحلية التي ألجَم ألسنتها الاحتضان السوفييتي لهذه الأنظمة، فيما قدم هذا الاحتضان، من دون أن يقصد، خدمة للعوائل المالكة التي اعتبرت نفسها حامية للمنطقة العربية ضد التسلل الشيوعي، ومنذ ذاك تماهى تعبير ‘أمن المنطقة’ بأمن حكامها. وبهذه السيرورة دخل العالم العربي في مرحلة جديدة صارت فيها القوى الدولية تنظر إليه بوصفه أنظمة حكم بعدما كان مجرد ‘أراض’، وصارت فيها أنظمته تلعب أدواراً لم تكن حتى هي تتوقعها، أن يكون لوجود كل نظام وكل حاكم أهمية حساسة للقوى الكبرى ودوراً في الصراع الدولي؛ أن يكون لبقاء وسلامة أنظمة عربية ‘ثورية’ أهمية بالنسبة للكرملين وأن يكون لبقاء وسلامة أنظمة عربية عائلية أهمية للحلف الغربي، وما يستوجبه كل ذلك من دعم ومن خدمات. وعندما نصل الى هنا نكون قد أثرنا نقطة ربما لم تدرس من قبل بما يكفي (وليس هذا مجال دراستها) وهي دور القوى الكبرى في إطالة عمر الأنظمة العربية اللاديمقراطية. الارهاب والطائفيةبطبيعة الحال كانت نهاية الحرب الباردة نهاية في الوقت نفسه لكل ما رافقها من دعاية موجهة وثقافة سياسية لدى الدول والحركات السياسية في أنحاء العالم، لأن غالبيتها كانت منحازة لأحد القطبين المتحاربين. بالنسبة للدول العربية كانت هذه مشكلة! فنهاية الحرب الباردة عنت سقوط منظومة متناسقة من ذرائع الحكم الاستبدادي. ولم ينقذ الأنظمة من هذا المأزق إلا ظهور عدو جديد وحرب جديدة، وكان العدو هذه المرة هو تنظيم القاعدة، والحرب صارت على الارهاب الاسلامي بدلاً من الشيوعية. وتوفرت للعدو الجديد كل الخصائص المطلوبة التي كان قد تضمنها العدو القديم، فهو خطِر، وشمولي، وراديكالي، وتوسعي، وموجود في كل بلد تقريباً، وسري بحيث لا سبيل الى كشفه إلا باستخدام القسوة والتجسس على المواطنين وفرض قوانين الطوارئ الى أجل غير مسمى، أي جميع الوسائل التي تتيح الابقاء على القمع وتشرعن البطش بالمعارضين فتؤَمّن بقاء النظام. والجدير بالملاحظة أن هذه الوسائل استخدمت من قبل كل أنواع الحكم العربية، الثورية والعائلية والليبرالية، مع اختلاف التبريرات لدى كل منهما. ارتبطت الحرب على الارهاب سيئة الصيت بواحدة من أقذر الحروب في العصر الحديث: احتلال العراق. وقد أحدث هذا الاحتلال تغييراً شاملاً في المنطقة، فانفجرت الطائفية كاسحة ودموية، وتنافست في تأجيجها أنظمة الحكم والتنظيمات المسلحة معاً؛ فحصل استقطاب سياسي وطائفي أوصل المنطقة الى درجة قصوى من التوتر. وكان واضحاً ان كل هذه التغيرات قد أثرت، وقتياً على الأقل، في اتجاه الصراع ومضمونه في الشرق الأوسط، ونقلت الانظار من فلسطين ـ التي تكتسحها حملة تهويد واستيطان غير مسبوقة ـ الى إيران، ولعل هذا كان مقصوداً بذاته؛ ولكن في الوقت نفسه لبّت هذه التغيرات تماماً مصالح الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة، حيث استثمرتها كمصدر لتأكيد ذرائع قديمة للاستبداد وتوليد أخرى. ففي ظل هذه التغيرات أصبح مناسباً لهذه الأنظمة أن تغازل النعرة الطائفية عند مواطنيها لتنصب نفسها حامياً غيوراً للسنّة وعدواً لدوداً لايران والشيعة، الأمر الذي يفسر تكرار حكام هذه الأنظمة التحذير من مؤامرات مفترضة لتقسيم البلدان العربية وعزمهم على إحباطها بكافة الوسائل. وتزامنت هذه التحركات مع الترويج في الساحة الفكرية لفكرة أن أنظمة الحكم القائمة هي صمام الأمان ضد سقوط المجتمعات العربية في حروب أهلية محتملة. وفي النهاية تجتمع كل هذه العناصر لتأكيد الذريعة الجديدة: أن هذه الأنظمة يجب أن تبقى لكي تحمي العرب السنّة من ‘الخطر الايراني الشيعي’.غير أن التخويف بالارهاب والتشدد الاسلامي، وبالخطر الايراني، وبالحرب الأهلية وتشظي الأوطان قبَلياً أو طائفياً أو إثنياً، في حالة انهيار الأنظمة الحاكمة العربية، كان يُستهلَك مع مرور الزمن، مما يدفع الحكومات الى إجراء عمليات تحفيز وتنشيط اصطناعي لهذه المخاوف بين الحين والآخر، وذلك بتدبير أحداث جديدة ذات طابع طائفي أو إرهابي باسم منظمات مسلحة، بل وتأسيس هذه المنظمات (على سبيل المثال، تصنيع عمليات ذات طابع طائفي أو إرهابي لتأكيد دوام الحاجة الى حالة الطوارئ وللتخويف من مستقبل مظلم في حالة رحيل النظام القائم، وهو ما اتهم به وزير داخلية حسني مبارك).’ كاتب عراقي مقيم في استوكهولم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية