جورج أورويل
قد لا يبدو الأمر باعثاً على المفارقة، حين يقول الكاتب البريطاني جورج أورويل بأن قول الحقيقة في زمن الخداع يعدّ أمراً ثورياً. هذه العبارة تنطوي على رؤية راديكالية لكاتب عُرف عنه نقده للأنظمة الشمولية، ذلك أن غاية المثقف أن ينطلق من رؤية يدافع عنها، وفي ظل غياب هذه الرؤية فإنه لا يمكن أن نعدّه مثقفاً أو لنقل مثقفاً راديكالياً، فمفهوم المثقف الراديكالي يعني المثقف الذي ينتمي أو يتبنى الأفكار العميقة القائمة على وعي أو فكر قيمي دون مهادنة، وعلى ما يبدو بأن زمننا قد شهد انحساراً واضحاً لهذا النوع من المثقفين، فبات الأمر يحتاج إلى شيء من التوضيح، كون هذا المفهوم اصطلاحياً يعني المثقف الذي يتبنى توجّهات عميقة على مستوى البنى والمعتقدات التي يدافع عنها، إلى حد التطرف اتكاء على مبدأ إنساني خالص، بغض النظر عن أي شيء آخر، ولعل هذا يبدو بعيداً في زمن الرغبات المحمومة للتكسب والشهرة، نتيجة ما يكمن في الأنا من رغبة في أن تستأثر بكل شيء، وبناء عليه فإن أزمنة المثقف الذي يتجاوز الهوى الشخصي قد ولى لصالح حساب المنفعة الخاصة، فشاع النفاق للسلطة.
كما أنه يُلاحظ أن المؤسسات تُسهم في خلق هذا النوع من المثقفين أو المبدعين تحديداً، ولاسيما مع وجود تمايز بين مفاهيم المثقف من جهة والمبدع، أو الأكاديمي من جهة أخرى، فبعض المؤسسات ربما تجعل من كاتب، أو روائي متواضع القدرات كاتباً كبيراً، ولاسيما حين تمارس هذه المؤسسات فعل إعادة التدوير، بحيث يتنقل هذا المبدع بين جائزة وتكريم وندوة، ومن هنا، فإنّ هذا المثقف يحرص على أن يبقى في وضع الحياد، فلا يوجه نقداً واضحاً تجاه موقف ما، أو يعلن استنكاره لتوجه ما، وهو – أيضا- لا يتنكر أو يتخلى عن ركوب موجة قضية ما، فثمة جمهور تنبغي مخاطبته؛ فهو يتمتع بالذكاء فيظهر بموقف المثقف الملتزم تجاه قضية إنسانية، غير أنه لا يعلن موقفاً راديكالياً، ما يعني أن الكتابة في هذه الصيغة، أضحت أقرب إلى عملية تمييع، أو نفاق، بل إن ذلك يعدّ خيانة لمعنى المثقف، وقيمة وجوده.
لقد عرفت المؤسسات كيف تنتج هذا النوع من المثقفين، كي تُبقي على شرعية وجودها، وبهذا فإن ثمة منفعة مشتركة حين يضفي كلاهما أي (المثقف والمؤسسة) شرعية على وجود الآخر، بل إن فعل إعادة تدوير الأسماء عينها قد أصبح مفضوحاً، وهي ربما تعدّ معضلة العقلية العربية التي انتقل لها هذا المرض من البنية السياسية في الحكم التي تنهض على تكريس الأسماء عينها، وهي الوجوه التي تدين بالولاء، وتحقق التوازنات اللازمة لاستقرار النظم السلطوية التي تسعى إلى شراء من يجرؤ على المعارضة من خلال تعيينه، أو منحه منصب حكومي رفيع، أو من خلال توريث المنصب، أو تدوير الأسماء عينها في مواقع عدة، إذ تنتقل من منصب (أ) إلى منصب (ب)، وليس مهما ما تحققه من أهداف أو نجاح، فليس هذا معيار البقاء، وإنما معيار الولاء.
ولعل هذا المسلك يبدو عاملاً يحول دون تحقيق أي تقدم في الوطن العربي، بما في ذلك واقع الثقافة العربية من حيث اجترار الأسماء عينها، فلا يتيح ذلك ظهور تصورات أخرى، لأنها لا تريد ببساطة أفكاراً أخرى، فالأسماء عينها في كل المؤتمرات والندوات واللقاءات، على الرغم من اختلاف الموضوعات، بيد أن المتحدث عينه تجده في كل مكان. في سياق الأحداث الجارية في غزة لا يمكن لأي عاقل أن يكون حيادياً مهما كان السبب، ومع ذلك فثمة الكثير من المثقفين الذين ظهروا مرتبكين تجاه الموقف نتيجة حسابات جارية في وعيهم، بداعي التباين القائم عربياً تجاه مركزية القضية الفلسطينية، وبناء عليه يمكن تحديد تمظهر المثقفين في ثلاث فئات: الأولى التي تتبنى المساندة، وأخرى صامتة، وأخرى تتقن الرقص على كل الحبال، فهي إن لم تتبنَ القضية فإنها ستخسر قيمتها، فتبادر إلى الكتابة عن الألم الفلسطيني بلغة شعرية أقرب إلى سياق حيادي، فلا نقرأ في هذه الكتابة نقداً لبعض المسالك، كي لا يستجلب غضب السلطات، وهكذا يتنكر لعذابات الإنسان من أجل أن يحافظ على مكتسباته القيمية والمادية، فتنتفي عنه صفة المثقف، ذلك أن معنى المثقف يتصل بالموقف الجذري الراديكالي تجاه الوقائع الحقيقية، نتيجة وعي معرفي وقيمي، ومع ذلك فيمكن أن تكون كاتباً مبدعاً أو أستاذاَ جامعياً مرموقاً، ولكنك لن تكون مثقفاً ما لم يتصل موقفك بوعي جذري تجاه القضايا التي تكتب عنها، أو التي تحيط بك، لقد ولى زمن المثقفين الذين يواجهون السلطة، ويرفضون الامتيازات.
ثمة مثقفين محدودي الأفق، ومنهم الطغمة التي ترى أن تداعيات القضية الفلسطينية، ربما تستجلب ضرراً على بلدانهم، ضمن منظور شعبوي يذهب إلى تقديم مصلحة وطنهم العليا، وفي الحقيقة لا أعرف كيف يمكن أن يدّعي صاحب هذا التفكير بأنه مثقف أو حتى متعلم، إذا كان لديه هذا الفكر الذي يعاني من قصور في الوعي.
كما يلاحظ أيضاً، أن ثمة مثقفين محدودي الأفق، ومنهم الطغمة التي ترى أن تداعيات القضية الفلسطينية، ربما تستجلب ضرراً على بلدانهم، ضمن منظور شعبوي يذهب إلى تقديم مصلحة وطنهم العليا، وفي الحقيقة لا أعرف كيف يمكن أن يدّعي صاحب هذا التفكير بأنه مثقف أو حتى متعلم، إذا كان لديه هذا الفكر الذي يعاني من قصور في الوعي، بل في التفكير الاستراتيجي، كون الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو وجود هذا الكيان يهدد الجميع، بل إنه صاغ حاضر هذه الدول، وماضيها، ومن المُعيب أن يعبر بعض المثقفين عن شعورهم بالقلق المبالغ على أوطانهم التي يصورونها طفلاً يحبو على الرغم من أن بعض هذه الدول تعادل في مساحتها وقوتها المادية والثقافية والديموغرافية، بعض الدول الكبرى في العالم، غير أن العقلية العربية مسكونة بهذا الخنوع، الذي يبدو أقرب إلى خوف نفسي، أو خيانة أورثتها أنظمة سياسية منذ بدء تكوينها، وقد جندت أشباه المثقفين كي تروج لهذا الخطاب، بل إنها جعلت بعضهم يضعون السياسات والاستراتيجيات.
لقد بات مثقفو هذا العصر لا يرتبطون بأي مشاريع فكرية حقيقية، هم فقط مهتمون بتحقيق ذاتهم، والانشغال بها، ما أوجد مفهوم سيولة وعي المثقفين التي باتت جزءاً من هويتهم، وهنا تحضرني مقولة للكاتبة فرجيينا وولف، مفادها بأنك إن لم تتمكن من قول الحقيقة عن نفسك، فإن الآخرين لن يصدقوك، وبناء عليه، فإن تعريف المثقف يبدأ من حقيقة ذاته، وإلا فإنه سيكون عبارة عن خواء أو هراء نتيجة غياب المعنى الأخلاقي ما يقربنا من رأي آخر للروائي ألبير كامو، الذي يرى أن النزاهة لا تحتاج إلى قواعد، ويمكن أن نقول إنها لا تحتاج إلى حسابات أيضاً. لقد باتت ظاهرة المثقف الوهمي أو الظاهري، تدعو إلى الاستغراب؛ من منطلق أن فعل الثقافة ليس القدرة على الكتابة والإبداع والتنظير، ولكنها تعني الممارسة الحضارية التي تجعل من الثقافة مدخلاً ومرشداً لوعي الذات، وبناء المواقف، لا أن يُمسي المثقف متنقلاً في حقيبة سفره للحصول على تكريم أو جائزة هنا أو هناك، فهذا المسلك يعني أن الثقافة لم تسكن الوعي، ولم تستجلب موقفاً، أو تحدث موقفاً، وما كتبك ورواياتك ومجموعاتك الشعرية سوى أداة من أدوات التكسب، ذلك أن هذا النمط من المثقفين المحايدين أشبه بمعنى فاقد للقيمة، بل لا يمكن أن ندرجه ضمن خانة المثقف الحقيقي.
وهكذا نخلص إلى أن موقف المثقف المشبوه تجاه الإبادة الجماعية في فلسطين لا يعني سوى خيانة للمثقفين، حسب تعبير جوليان بندا، فالمثقف ينبغي أن يقع ضمن مفهوم التفرد أو التوحد لمواجهة الوعي الجمعي أو السلطوي ما يقودنا إلى قول نيتشه الذي يرى أن الجنون في الأفراد نادر أو استثنائي، ولكن في الجماعات والأحزاب والأمم والعصور فهو القاعدة كما جاء في كتابه «ما وراء الخير والشر».
كاتب أردني فلسطيني