نهج الأسد والمصالح الروسية في سوريا

فالح الحمراني
حجم الخط
0

أن صبر موسكو قد ينفد مع الرئيس السوري

نشرت بعض وسائل الإعلام الروسية، مقالات انتقدت النظام في دمشق، وحمّلت الرئيس السوري الكثير من المسؤولية عن ما وصل إليه الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب السوري، والتلكؤ في مبادرة القيادة في دمشق، في ظل الظروف المواتية بوقف إطلاق النار، للبدء بخطوات عملية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يعد السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا، وإنعاش الوضع الاقتصادي المتردي. وتهدف تلك المقالات إلى النقد الصريح والبناء، كما جاء في مقال لصحيفة “زافترا” (الغد) ذات التوجه القومي.

وذكرت العديد من المصادر الصحافية والدبلوماسية الروسية والدولية خلال الأيام الماضية، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير راضٍ عن نهج نظيره السوري بشار الأسد وإدارته. ووفقًا للمصادر، يمكن الحكم على استياء الكرملين من الأسد من خلال المقالات في وسائل الإعلام الروسية في منتصف نيسان/ابريل حول الفساد في الحكومة السورية والمماطلة في تشغيل عمل اللجنة الدستورية وتهيئة الأجواء المناسبة لمشاركة قوى المعارضة التي لم تتورط في الإرهاب في الحكم.

ومن غير الممكن الشهادة على الموقف الرسمي لموسكو من تلك الفرضيات، نظرا لأن الرئيس فلاديمير بوتين والمتحدث باسمه ديمتري بيسكوف لم يتحدثا علناً عن استيائهم من الأسد. كما لم تعلق وزارة الخارجية حول الموضوع، رغم أنها أكدت مرات عديدة على إن موسكو لا تمارس الدفاع عن بشار الأسد، في إشارة إلى أن روسيا معنية بسوريا كدولة ذات سيادة وبوحدة أراضيها وشعبها بكافة مكوناته الذي يقرر مصير بلاده بنفسه وتوسيع دائرة مراكز اتخاذ القرار، من دون تدخل خارجي. ومن ذلك يمكن القول إن سوريا المستقرة في ظل نظام سياسي يحظى بقبول أغلبية سكانها يصب في مصالح روسيا الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية في سوريا.

وكان المصدر وراء فرضيات استياء الكرملين من بشار الأسد مواد صحافية باللغة الروسية. على سبيل المثال مقال للسفير فوق العادة للاتحاد الروسي ألكسندر أكسينوك نشر في صحيفة “كوميرسانت” ومن ثم على موقع المجلس الروسي للشؤون الخارجية، وهو مؤسسة لتحليل السياسة الدولية، قريبة من الكرملين، ويترأسه وزير الخارجية السابق إيغور ايفانوف، اتهم فيه بشار الأسد بعدم الاستعداد للتفاوض مع المعارضة أو محاربة الفساد. وكتب أيضا عن حجم الفساد وضعف أداء الرئيس السوري. وتقول تقارير صحافية إن مثل هذه “الحملة شبه الرسمية” في وسائل الإعلام الروسية لا يمكن أن تبدأ بدون تعليمات من إدارة الكرملين. وتعبر أخرى عن ثقتها بأن المقالات التي تنتقد الأسد تشير إلى أن صبر موسكو قد ينفد مع الرئيس السوري و “إدارته غير الكفؤة”.

ويرى أكسينوك أنه لا يمكن أن يكون الواقع العسكري الجديد في سوريا مستداما بدون إعادة البناء الاقتصادي وبناء نظام سياسي يعتمد على قاعدة عريضة حقا من القوى السياسية والاجتماعية ومكونات المجتمع المذهبية والعرقية، يقوم على تسوية دولية. وأضاف “هذا مهم بشكل خاص لأنه لا يوجد الكثير من الوقت المتبقي حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2021”. وعلى وفق رصده “مع تخفيف حدة النزاع السوري، أصبح واضحا أكثر عدم رغبة السلطات في دمشق، أو عدم قدرتها على إقامة مثل هذا النظام الحكومي الذي سيوفر الظروف للانتقال من اقتصاد الحرب، إلى التجارة الطبيعية والعلاقات الاقتصادية”. كما أشار المحلل السياسي إلى أن “روسيا غير راضية تماما عن كيفية تعامل النظام السوري مع الأزمة الاقتصادية، لأنه كما يبدو لا يلتزم بالتوصيات الروسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى التردد في تحمل التكاليف المرتبطة بذلك وحده”.

ويتناول انتقاد الرئيس السوري في الصحافة الروسية في المقام الأول الصعوبات والفساد الذي واجهته الشركات الروسية أثناء العمل في الجمهورية. وأعاد أكسينوك الأذهان إلى أن “القيادة الروسية العليا شددت على عدم وجود بديل عن الحلول السياسية لتحقيق تسوية بين السوريين أنفسهم في الإطار القانوني الدولي”. وبقناعته إن “الحكومة السورية ليست مستعدة لذلك بعد، لكن الوضع بمرور الوقت يمكن أن يتفاقم فقط”.

ويجمع الكثير من المستشرقين الروس والخبراء الإقليميين على أن دمشق الأسد تعرقل بالفعل عمل اللجنة الدستورية السورية. وتختبئ خلف الجدل الدائر حول “الإرهابيين” (كما تسمي المعارضة المعتدلة) وحول احتلال البلاد من قبل قوى خارجية، ويأمل النظام بحل المشكلة السورية بطريقته المعتادة، بقوة السلاح. كما كان في حمص وحلب والغوطة الشرقية وأماكن أخرى تحررت من المسلحين والمعارضة المسلحة. والآن جاء دور إدلب، حيث ما يزال يتواجد عدد كبير من جماعة النصرة “هيئة تحرير الشام”. وقال الكسندر شوميلين، وهو خبير روسي مهتم بشؤون الشرق الأوسط ويدير “مركز أوروبا والشرق الأوسط” الذي تموله الحكومة في موسكو: “على الكرملين التخلص من الصداع السوري”. وأضاف: “تتعلق المشكلة بشخص واحد، وهو الأسد، وحاشيته”. وقال: إن غضب بوتين وعناد الأسد، يسلطان الضوء على المعضلة التي تواجهها روسيا، حيث إن الجانبين يعلمان أنه لا يوجد بديل للزعيم السوري من أجل التوصل إلى اتفاق.

إلى ذلك فان الجانب الروسي ووفقا لبعض التقارير أعرب عن عدم ارتياحه لمواصلة شن قوات النظام السوري الهجوم على إدلب، ورصد فيه محاولة من قبل بعض القوى الإقليمية لنسف الاتفاق مع “الشريكة” تركيا، مقابل حصول دمشق على دفعة مالية ضخمة. وقالت صحيفة “نيزافيسيميا غازيتا” الصادرة في موسكو “عندما بدأ الأسد في حشد القوات لهجوم جديد على إدلب، اكتشفت القيادة الروسية خططه. ومن السهل تخمين رد فعل الكرملين على سلوك القيادة السورية. ومن أجل تحذير دمشق من عدم تجاوز الخطوط الحمراء في إدلب، توجه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى سوريا”. وذكرت الصحيفة: “كانت الرسالة الموجهة من شويغو واضحة: لا نريد منكم استئناف هذا الهجوم، وتريد روسيا أن يستمر وقف إطلاق النار”. ومع ذلك، ووفقًا لهذه البيانات، استمرت الجهود الرامية إلى تعطيل الاتفاقات الروسية التركية حتى بعد زيارة شويغو. ولا يستبعد أن يكون هذا أيضا أحد أسباب استياء الكرملين من بشار الأسد.

ومن هذه المواد، استنتجت واشنطن أن الكرملين يرسل إشارة إلى حليفه في الشرق الأوسط (بشار الأسد): بأن الوقت قد حان للتهدئة وبدء العملية السياسية التي طال انتظارها. وزعم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري أن موسكو “غير راضية عن الرئيس بشار الأسد” لكنها “لا ترى بديلاً ” للتعاون مع السلطات السورية. وعرضت واشنطن على الجانب الروسي الطرق الدبلوماسية للنأي بالنفس عن الشركاء في دمشق وطهران. وقال جيفري حسبما نقلت عنه وكالة أنباء “تاس”: “إنهم (في روسيا) يدركون أن هذه (الشراكة مع سلطات سوريا وإيران) ليست أفضل طريقة للمضي قدما”. وأفاد الدبلوماسي بأن موسكو “غير راضية عن الأسد”. وفي الوقت نفسه إنهم في روسيا “مهتمون مباشرة بسوريا” حيث يتم بناء الجيش بدعوة من سلطات الجمهورية، ويستثمرون في استعادة الاقتصاد.

وضمن هذا السياق نُقل عن ايرينا زفيياجيلسكايا، خبيرة شؤون الشرق الأوسط في “معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية” الذي تديره الحكومة الروسية، قولها: “إن موسكو، التي تمتلك منشأة بحرية وقاعدة جوية في سوريا، والتي أرسلت شرطة عسكرية لتسيير دوريات في المناطق التي كان يسيطر عليها المسلحون من قبل، ولديها بعض النفوذ في أنحاء البلاد، ستخاطر بالكثير إذا حاولت الإطاحة بالأسد”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية