نهاية الديبلوماسية او اللعب ‘عالمكشوف’!

حجم الخط
0

محمد صادق الحسيني

قد نتفق جميعا على ان ما قامت به جماعة موقع ‘ويكيليكس’ في نشرها لهذا الكم الهائل من الوثائق السرية حول عمل الديبلوماسية الامريكية في العالم انما يشكل سابقة خطيرة وغير متعارف عليها في تاريخ نشر الاسرار كشفت عن عورة الديبلوماسي الامريكي والسياسي الامريكي ومن يتعامل معهما من تابعين او عملاء او حلفاء وهم في حالة ارتكاب الجرم المشهود!

بمعنى انها المرة الاولى التي يتم نشر مثل هذه الاسرار وآثار الجرم لاتزالقائمة ولم يتم محوها بعد كما كانت قد جرت عليه العادة بنشر مثل هذه الاسرار بعد عشرين او 25 او ثلاثين او ستين سنة!

لكننا قطعا سنختلف حول الجهة الحقيقية التي تقف وراء تمكين جماعة موقع ‘ويكيليكس’ من الوصول الى هذا الكم الهائل من الوثائق السرية’ وكذلك حول حقيقة الاسباب التي دفعت بتلك الجهة او هذه الجماعة الى القيام بنشر هذا الكم الهائل من اسرار وخفايا الديبلوماسية الامريكية مرة واحدة لتصل الى اكبر عدد ممكن من سكان العالم وهكذا مجانا دون ان تبذل الجهات الاستخبارية الامريكية لبذل اي جهد يذكر لمنع مثل هذا العمل المثير للدهشة وغير المتعارف والفاضح لاسرار اكبر دولة عظمى ماديا كما يفترض!

ثمة من قال انه تسريب من داخل الادارة سببه صراعات امريكية داخلية بين الجمهوريين والديمقراطيين مثلا الهدف منه تظهير صورة التصعيد الموجود في النزاع على السلطة الداخلية وعلى ثروات العالم فيما بينهما بشكل دراماتيكي للوصول الى هدف ما لا يزال خفيا!

وثمة من نسب المهمة الى جماعة امريكية استشاطت غضبا من سياسة قادة بلدها تجاه العالم وارادت الانتقام من كل ما يمت الى تلك السياسة من خلال هذا العمل الصادم!

فيما ذهب آخرون الى نسب هذا العمل الى جماعة الموقع انفسهم الذين استطاعوا اختراق الجدارالالكتروني المحصن الذي تتكدس خلفه اسرار الديبلوماسية الامريكية بهدف فضح لا اخلاقية نظام النيوليبرالية الامريكي وهؤلاء هم الغالبية من المنبهرين بما بات يعرف بفضائح ‘ويكيليكس’ وهو رأي صاحب الموقع ايضا الذي تصرف منذ البداية على انه ‘البطل’ الابيض الجديد وهكذا تحول!

لكنني اريد ان اختلف مع اصحاب الفرضيات الثلاث الآنفة الذكر طارحا بعض الاسئلة لاصل الى فرضية مختلفة ارجو التأمل فيها اما الاسئلة فهي:

اولا: لماذا لم تهتز للادارة الامريكية شعرة كما يقول المثل ولم تقدم على هدم الموقع او ايقاف مسلسل نشره بالقوة وهي القادرة كما يفترض كما حصل مع صاحب الكتاب الذي حاول كشف بعض اسرار البنتاغون فقامت الجهات المعنية باحراق كافة نسخه بعد الطبع؟!

ثانيا: لماذا تحركت السويد ضد صاحب الموقع وعلى خلفية جريمة اخلاقية – اغتصاب جنسي عنفي – لا علاقة لها بالفعلة الاصلية محل النزاع مما حول الرجل الى بطل عالمي وهو ما اراده اصلا؟!

ثالثا: لماذا لم يتقدم اي مسؤول امريكي او اي من حلفاء امريكا الاقوياء بمن فيهم استراليا على تقديم شكوى قضائية تتهم صاحب الموقع بالاعتداء على الامن القومي الامريكي وتعريضه كما تعريض رجاله وكذلك العديد من حلفاء امريكا للخطر؟!

رابعا: لماذا لم يتقدم اي من الزعامات والقيادات التي يفترض ان اسرار تعاونها الصريح مع امريكا سواء ضد بعضها البعض او ضد شعوبها او ضد جيرانها قد افشيت حسب الوثائق المنشورة، بشكاوى قانونية ضد صاحب الموقع، وماذا افشت لهم الادارة الامريكية في اتصالاتها الهاتفية حتى همدوا جميعا؟!

اعرف ان كثيرين سيقولون بانني من جماعة نظرية المؤامرة، وانا بالفعل كذلك!

فهذه ليست سبة ولا تهمة بل هي واقع حال تؤكده وقائع امريكية وصهيونية بشكل يومي وعلى الهواء مباشرة وما فضائح ‘ويكيليكس’ الا شاهد اضافي على اقول!

واما رأيي المتواضع في قصة ‘ويكيليكس’ فهو باختصار بانها الخطة الامريكية – الصهيونية الجديدة للعب على المكشوف كما يقال عندنا ونهاية عصر الديبلوماسية المقنع وذلك للاهداف التالية:

اولا: ازالة حاجز الحياء الظاهري لدى الحلفاء او التابعين او المتعاونينواشاعة نظرية سقوط قبح التعامل مع امريكا والترويج لنظرية الخيانة وجهة نظر!

ثانيا: اشاعة الشك والريبة وانعدام الثقة بين الدول والجماعات والافراد حتىبين اولئك المتعاونين مع امريكا لان ذلك سيسهل عملية الاحتفاظ بكل طرف او مجموعة في موقعها الراهن من الجانب الامريكي كما سيسهل تجنيد جدد!

ثالثا: الاحتفاظ بجبهة حلفاء امريكا واصدقائها مقفلة وغير قابلة للاختراق على اعداء او خصوم امريكا، لتسهيل ادارة معركة الهروب المنظم من الحالة الامبراطورية المنتشرة والمتناثرة بتعاون رجالها الى حين حلول لحظة الانكفاءة الامريكية المتوقعة بعد تعاظم وتنامي الفشل المتكرر لمشاريعها التوسعية في اكثر من موقع على امتداد الخريطة العالمية!

رابعا: ولما كان نحو تسعين في المائة او اكثر مما نشر على موقع ‘ويكيليكس’ معروفا اصلا لدى الرأي العام المعادي لامريكا بالتجربة الملموسة للثوار والمجاهدين وقادة وزعماء المقاومة المناهضة لامريكا اثناء خوض المعارك معها، كان لابد ان يمنح الفضل للرجل الابيض مرة اخرى تأكيدا لنظرية التفوق العرقي التني قامت عليها دولة الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني المدعوم من معسكر الغرب الامبريالي.

خامسا: وهذا بدوره سيشكل سابقة لقيام هذا الموقع او ما يشابهه في المستقبل القريب او البعيد بنشر ما يحلو له من اكاذيب او اتهامات او اباطيل تطال رموز المقاومة والممانعة لامريكا والكيان الصهيوني على قاعدة ان من يصدق وينبهر بما جاء عبر قناة البطل الابيض في موقع ‘ويكيليكس’ عليه ان يصدق ما ينشر حوله والا اتهم بالكيل بمكيالين!

انها باختصار محاولة اشاعة مقولة نهاية الديبلوماسية والعمل السري مع العملاء والتابعين فضلا عن الحلفاء وذلك على قاعدة نهاية التاريخ الامريكية لفوكوياما باعتبار ان النهاية دائما ينبغي ان تكون مع جماعة ‘الواسب’ اي الرجل الابيض الانكلو ساكسوني النقي باعتباره شعب الله المختار!

نعم هناك وثائق مهمة و دامغة نشرها موقع ‘ويكيليكس’ تدين امريكا وجماعة امريكا لاسيما في منطقتنا وبلادنا العربية والاسلامية، لكن ذلك كان معروفا لدى المقاومين اولا واذا كان ثمة من فضل ثانيا للجوء احدهم الى هذا الاسلوب في كشف الاسرار فهو للمقاومين الذين تمكنوا من تعرية العملاء والتابعين وتهشيم صورة المستكبرين ورجالهم وقواعدهم المعلنة مما اضطر العدو لكشف ما تبقى من وجوه مستترة لعله يخفف من شدة الصدمة على تجار الصداقة مع امريكا والمروجين لمقولة ان خيانة الوطن والدين والهوية مجرد وجهة نظر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية