لندن ـ ‘القدس العربي’ كشف مسؤولون أمريكيون عن سفر عدد من مقاتلي القاعدة المجربين ومنهم مخططون من قادة الصف الثاني في التنظيم من باكستان إلى سوريا. ويرى المسؤولون الأمنيون أن هذا هو جزء من محاولة التنظيم تثبيت مواقعه داخل البلاد التي تشهد حربا أهلية دخلت عامها الرابع هذا الشهر.
ويخشى الأمريكيون ونظراؤهم الأوروبيون من وجود تنظيم القاعدة قريبا من الحدود الأوروبية لأنه سيمنح التنظيم الفرصة للتخطيط وتنفيذ عمليات خارج سوريا. وكان جون برينان، مدير الوكالة المركزية للإستخبارات الأمريكية ‘سي أي إيه’ قد حذر مع عدد من مسؤولي وكالة الأمن القومي من الدور الذي تلعبه سوريا في تشكيل خطط القاعدة، فبالإضافة لكونها مركز جذب للمقاتلين من كل أنحاء العالم، أصبحت قاعدة انطلاق لعمليات قد تستهدف التراب الأمريكي.
وحتى وقت قريب ظلت المخاوف الغربية تتركز على طبيعة المتطوعين الأجانب الذي يسافرون إلى سوريا والتهديد الذي يمثلونه بعد عودتهم من ساحات القتال بخبرات وقدرات قتالية.
وبحسب برينان ‘نشعر بالقلق من استخدام القاعدة للأراضي السورية لتجنيد وتطوير قدراتها حتى تكون في موقع توجيه ضربات منها للخارج’.
ويشير التقييم إلى أن الناشط السوري المولد أبو خالد السوري قد أرسلته القيادة المركزية للقاعدة للمشاركة في قتال الأسد أولا، وثانيا لإنشاء منطقة أو جيب آمن تنطلق منه العمليات ضد الغرب.
وقد أرسلته قيادة القاعدة للتوسط بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية حيث قتل في شباط/فبراير الماضي عندما هاجم انتحاريون ينتمون إلى جماعة منافسة مقره.
محاربون وعقائديون
ويقول تقرير لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن المجموعة التي تثير خوف المسؤول الأمريكي هي جزء من القاعدة التي تعرضت في السنوات الأخيرة إلى ضربات متتالية من الأمريكيين في مناطق القبائل باكستانية بشكل أضعف قوتها.
لكن القيادات العملياتية هذه التي سافرت إلى سوريا لا تزال تحتفظ بخبرات قتالية في ساحات المعركة وفي التحضير للعمليات مثل صناعة المتفجرات، والعمليات اللوجستية والتثقيف العقائدي، ولا يعتقد أن لهؤلاء خبرات في شن هجمات على الغرب.
ومع ذلك فسيكون بإمكانهم الإعتماد على أكثر من 1200 مقاتل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة في التخطيط لعمليات خارج سوريا.
وتشير الصحيفة إلى أن الساحة السورية أصبحت منطقة هجرة للجهاديين من باكستانيين بسبب غياب الإستهداف الأمريكي لهم بطائرات ‘الدرون’ أو الموجهة.
وتشير الصحيفة إلى تقييم غربي قامت به مؤسسات أمنية أمريكية وبني على تصنت إلكتروني، وعملاء ومواقع للتواصل الإجتماعي وتوصل هذا التقييم إلى حقيقة مفادها أن قادة القاعدة البارزين في باكستان بمن فيهم زعيم القاعدة أيمن الظواهري يقومون بتطوير خطة منظمة وطويلة الأمد تهدف إلى إنشاء خلايا خاصة في سوريا تقوم بمتابعة وضع المقاتلين الغربيين وتجنيدهم لعمليات خاصة.
الفرع السوري
وهذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها قيادة القاعدة المركزية بإنشاء فرع لها في بلد مع أنها في الماضي باركت الجهود التي يقوم بها ناشطون محليون وقبلت مطالبهم بالعمل تحت رايتها، وهذا واضح في حالة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والمغرب الإسلامي، وحركة الشباب الصومالية، وحتى وقت قريب الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
ويرى المسؤولون الأمريكيون أن جهود إنشاء الفرع السوري ستؤدي إلى إنعاش المركز في باكستان الذي يرى الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه تلاشى من حيث الأهمية.
ورغم اتفاق حلفاء أمريكا في مكافحة الإرهاب على فكرة زيادة عدد محاربي القاعدة القدماء من باكستان في سوريا إلا أنهم لا يوافقون التقييم الأمريكي حول انخراطهم في عمليات تجنيد وخطط لاستهداف الغرب.
ويقول مسؤول أمني غربي إن الوضع في هذه المرحلة ‘أقل تنظيما’ولا يعبر عن خطط منظمة، مضيفا أن من يترك باكستان ويتجه إلى سوريا من مقاتلي القاعدة يسافرون بناء على قرارات شخصية وليس ضمن خطة منظمة. ويقول الخبراء إن معظم المقاتلين ممن تم تحديد هويتهم يركزون جهودهم على مقاتلة النظام السوري لبشار الأسد.
وبالنسبة للولايات المتحدة فمجرد ظهورهم في سوريا يعبر عن خطط لزعيم القاعدة في سوريا والتي يستخدمها لتسهيل عبور المقاتلين إلى العراق وإيصال الدعم اللوجستي إلى شبكات القاعدة هناك. ويدخل في استراتيجية الظواهري الموقف الأمريكي المتردد من توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري.
وتساءل مسؤول أمريكي في مجال مكافحة الإرهاب عن استراتيجية الظواهري وعلاقة سوريا كنقطة انطلاق نحو أوروبا بمجمل أهدافها، مؤكدا أن نقاشا سيدور بين اللاعبين المحليين والقادمين من ناشطي القاعدة حول طبيعة الأهداف وإن كانت ضرورية.
وفي الوقت الذي لن يغير فيه التقييم الجديد حسابات الولايات المتحدة المتعلقة بسوريا، سواء من ناحية ضرب النظام أو تسليح المعارضة بأسلحة ثقيلة إلا أن المعلومات الجديدة ستضع ضغوطا على البيت الأبيض كي يتحرك قبل أن تتحول سوريا إلى أفغانستان جديدة. وفي هذا السياق تتعاون الوكالات الأمنية الأمريكية بمن فيها مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) مع نظيرتها الأوروبية حيث تعمل معا على متابعة حركة ونشاطات المتطوعين الغربيين في سوريا.
جهادي سعودي
ويعتقد مسؤولون في مكافحة الإرهاب أن هناك بضع عشرات من المحاربين القدماء ممن قاتلوا سابقا في أفغانستان وباكستان ينشطون الآن في سوريا.
وكان ماثيو أولسين، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب قد أخبر لجنة في الكونغرس بداية الشهر الحالي أن القاعدة تعتبر سوريا ‘أهم جبهة’ من الجبهات التي تقاتل عليها. ويرى وزير الأمن الوطني جي جونسون إن سوريا أصبحت موضوعا ‘متعلقا بالأمن القومي’ المحلي.
وبالإضافة للسوري يقول المسؤولون إن عددا من الناشطين الذين جاؤوا من باكستان وأفغانستان تجمعوا في المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة، ويذكر منهم سعودي وضعت السلطات السعودية اسمه على قائمة المطلوبين، وسافر إلى سوريا من المناطق الحدودية باكستانية- الأفغانية وقيل إنه قتل الأسبوع الماضي لكن لم يتم التأكد من صحة التقارير بعد.
ويؤكد المسؤولون الأمريكيون أن مبعوثي الظواهري وإن شاركوا في الحرب ضد النظام إلا أن لديهم خطط وطموحات مختلفة.
وكان هذا جوهر شهادة جيمس كلابر، مدير الأمن القومي الذي قال للكونغرس إن هناك ‘خلية صغيرة’ جاءت من أفغانستان وباكستان لديهم خطة مختلفة عن تلك التي تهدف إليها جبهة النصرة.
ويرى تشارلس ليستر، الباحث في معهم بروكينغز أن الكثير من ناشطي القاعدة موجودون في سوريا الآن نظرا لدورها المحتمل في الجهادية العالمية وكملجأ آمن لها.
البحث عن قوة
ويعقد وجود جماعات القاعدة في سوريا من جهود الإطاحة بنظام الأسد، كما أنهم يشكلون عامل انقسام في صفوف المقاومة ويعرقلون أي جهد لتسليح المعارضة المعتدلة خشية وقوع الأسلحة الثقيلة بأيدي هذه الجماعات التي يحاربها الغرب.
وكان رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا قد دعا القمة العربية التي انتهت يوم أمس في الكويت لتوفير السلاح الثقيل بيد المقاتلين.
وتقول صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ الأمريكية أن دعوة المعارضة ومنها مطالب الجربا لم يتم الإستجابة لها بسبب الخطوط الغائمة بين جماعات المقاتلين، والأجانب والسلفيين المتطرفين بمن فيهم عناصر القاعدة.
وتضيف أن هناك أملا بظهور جماعة ‘معتدلة’ يمكن للولايات المتحدة التعويل عليها، مشيرة إلى مشاركة قادة أربع فصائل على هامش مؤتمر جنيف 2 الفاشل الشهر الماضي. وتقول الصحيفة إن هذه الجماعات تأمل في إثبات قدرتها على مواجهة النظام بدرجة تعتمد عليها الولايات المتحدة.
وتشير الصحيفة إلى أن ممثلي الفصائل الأربعة جاؤوا من جبهة ثوار سوريا التي أعلن عن تشكيلها في نهاية عام 2013. وتمثل جبهة ثوار سوريا اليوم الذراع العسكري للائتلاف الوطني السوري، وتأمل بالتحول إلى قوة قتالية رئيسية يمكن للغرب الثقة فيها والإعتماد عليها في تحقيق النصر على الأسد.
ونقلت الصحيفة عن أبي شهبندر، وهو سوري أمريكي يعمل مستشارا للائتلاف السوري قوله إن الولايات المتحدة طلبت من الائتلاف إثبات أن لديه قوات مسلحة تنسق مع بعضها البعض.
وأكد شهبندر أن التنسيق موجود بالإضافة لكون الجبهة تدعم الحل الدبلوماسي على خلاف الجماعات المتطرفة التي ترفض جهود الأمم المتحدة لوقف الحرب من خلال الطرق السياسية. ويقدم داعمو جبهة ثوار سوريا الحملة التي قامت بها ضد مقاتلي القاعدة الذين تخشى الولايات المتحدة من وقوع الأسلحة الثقيلة بأيديهم حالة قررت تزويدها للمعارضة. وأصبحت الجبهة التي يقودها جمال معروف العدو الأول لجبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة.
وفي شريط وضع على اليوتيوب شنت فيها حربا على جبهة ثوار سوريا. وبحسب شهبندر فجمال معروف هو ‘المطلوب رقم 1 على قائمة الظواهري’.
ولفت شهبندر الإنتباه إلى الرحلة التي قام بها زعيم الائتلاف احمد الجربا إلى منطقة إدلب حيث اجتمع مع معروف كدليل على التنسيق والتعاون ورفض معروف للتطرف.
وتشير الصحيفة إلى أن محاولة المعارضة تبدو أنها تنجح ففي رسالة مؤرخة في 14 آذار/مارس الحالي تقدم بها عدد من النواب الأمريكيين وتدعو البيت الأبيض إلى إعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، وكتب تسعة أعضاء من لجنة الشؤون الخارجية بمن فيهم رئيسها الديمقراطي روبرت مينديز والنائب الجمهوري البارز بوب كوركر وجاء فيها ‘لقد أصبح الوضع وخياراتنا أصبحت معقدة، ونعتقد أن هناك دعما قويا من الحزبين لاستراتيجية قد تكون قادرة على كسر الجمود على الأرض’، و’جاء فيها علينا أن نجهز أنفسنا بخيارات نزيد فيها من الضغوط حالة فشل الأسد ونكون قادرين على الوفاء بالتزاماتنا’.
وتقول الصحيفة إن القوات المعارضة هي القوة المعتدلة الوحيدة التي تواجه المتطرفين الذين يتدفقون إلى سوريا، وعليه فدعم قوي لهذه الجماعات سيؤدي إلى زيادة قوتها ومنع المتطرفين من إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا.
وحتى الآن تركز الدعم الأمريكي على الأسلحة غير الفتاكة من عربات وبطانيات ووجبات طعام جاهزة ومواد طبية، وتمت المصادقة على مساعدات أخرى لكن أوقفت بسبب المخاوف من وقوعها في يد الجهاديين.
وتقوم سي أي إيه ببرنامج تدريب سري لقوات المعارضة وإن كان على قاعدة صغيرة. وفي الوقت نفسه تقدم دول الخليج الكثير من المساعدات العسكرية لجماعات المعارضة.
ورغم هذا الدعم من الكونغرس إلا أن البيت الأبيض لا يزال غير مقتنع بجبهة ثوار سوريا، وتنقل الصحيفة عن أندرو تابلر، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى قوله ‘هناك الكثير من الشكوك’، ولا يزال البيت الأبيض غير مقتنع بالجبهة الجديدة ‘ويشعر بعدم الراحة تجاههم’ أي المسؤولين الأمريكيين. ومن هنا فالتحدي الأكبر للجبهة هو الإبتعاد عن التطرف وإثبات نفسها كقوة في ساحة المعركة.