إسماعيل الرفاعيفي ملَقَا.. في الحي الصيني القديم، أبحث عن حبر لاوتسو في دكاكين الحكمة، أتأمل مخطوطات الأرز الممهورة بتوقيع كونفوشيوس وصمت بوذا الدامغ.. تخيّم ظلال الأسقف المجنحة على الشوارع الضيقة، وتشعّ الفوانيس الحمر في عيون التنانين المحفورة على مداخل الفنادق.. تستوقفني هندية توزّع أعواد البخور على المارة، تعدد لي أسماء بوذا.. أدلف إلى المعبد.. بوذا بأذنه المتدلية متربّعاً في ملاءة من الذهب، تحفّ به خراطيم الفيلة المحفورة من خشب الصندل، وعند يديه حفنة من الرماد، ينظر إلي بعينين باردتين.. أوقد له بخوراً بأصابعي المشتعلة، وأمضي..’المطر لا يتوقف، غيمة الاستواء خفيضة هنا.. وكأنها شجرة من أشجار آسيا، ينحني الجسر’كذراع حجرية على نهر بيرتام، تتفرع أصابعه القرميدية خارج الحي الصيني.. طاحونة للصور التذكارية على اليمين، كنيسة تقف كتفاً إلى كتف مع مسجد تاريخي باذخ، ينتصب بزجاجه المعشّق ومئذنته المالاوية، ألمس بكفي أثر حروف عربية على جداره، وألتقط صورة لسرب من عصافير الدوري يتجه إلى الشمال.. أتبع رفيفه.. وأقف متسمّراً لغرّاف النهر العظيم.. نواعير حماة هنا في ملقا!.. نواعير حماة، نواعير ملقا.. نهر العاصي، نهر بيرتام.. أطبقت الأنهار علي فجأة.. وأطبق صوت القاشوش على المكان، دخت.. دارت الدنيا من جديد.. وأردى الصياد رفّ الزرازير من جديد، تناثر ريش القطا، سقط أحمد الجمول من على نفسه، بصق أيمن الحمش الدم من فمه، ونفض عن جثته التراب.. هرول معاذ الركاض، تعثر، نهض، أطلق هتافة الأخير، سال دمه على عنق أخيه.. تناثر رذاذه على نواعير ملقا، أنّت له نواعير حماة.
تختلط الأزمنة والأمكنة.. من الحي الصيني القديم إلى دير العتيق، من ماء يسيل على الرخام هنا، إلى نافذة الدم التي تفور في بلادي.. الطاحونة تدور، عنفات الناعورة أيضاً، عجلة دندش، وعربات محمد الكلاش المصنوعة من الأسلاك، الزحّافات الهابطة من العلوة إلى مسجد الوسط، والكواكب أيضاً تدور على أقمار بزغت في ليل بلادي.. تنفر عصافير الدوري من جديد، وتنحسر سحابة الاستواء عن كتفي.. يتوهج نثار من الذهب على مياه بيرتام، ينزع الطفل صدأ الأيام عن روحه، يتسلق صفصافة على ضفة الفرات، يسحب نفساً عميقاً.. يصرخ بأعلى صوته.. واحد.. واحد.. واحد، يشق صدر السماء، ثم يقفز في لجة النهر.. يتناثر رذاذ الفرات على المدن كلها، يتردد الصدى في أرجاء الأرض.. الشعب السوري واحد.
حماة الديار عليكم سلامكارمينا بورانا.. كارل أورف.. الشعراء الجوّالون، قصائد الحب والخمرة والنساء.. الموت والحياة.. كارمينا بورانا.. الشعر والموسيقى. كيف تتلقى هذه الجرعة دفعة واحدة أيها الولد دون أن تستعين بالفرات؟ دون أن يهدر بداخلك؟ كارمينا بورانا في حصة الاجتماع، في الصف العاشر، في ثانوية عبد المنعم رياض، الطالب النجيب يناول المدرس الحالم أسطوانة قديمة، يصدح الكورس في القاعة، تتباعد الجدران، تتسع السبورة، تتلوّن، تنفرد المغنية بنشيد الجسد.. تتقدم موجة الكمنجات، تنحسر الرمال، تئن ضلوع التشيللو.. ويقرع أحد ما جرس المدرسة. يصمت كارل أورف ‘يندفع الطلبة إلى الباحة.. يهدر المذياع: حماة الديار عليكم سلام.. أبت أن تذل النفوس الكرام.
في الميادين.. في ثانوية عبد المنعم رياض.. في الصف العاشر.. في غرفة موجّه الإعدادي، كان عنصر الأمن يحقق معي بحنكة مفرطة، وهو يثني على لباقتي، وعلى ماسمعه من أخبار ترفع الرأس عن شطارتي.. في أي تنظيم أنت يا بني؟.. من هم رفاقك؟.. عن ماذا تتحدثون؟.. أنظر في عيون الموجّه، يشيح بوجهه، أنظر في عيون عنصر الأمن، أرى فراغاً مفزعاً.. تضيق الغرفة، يضيق النفس.. أُفلت من أسئلته المتلاحقة بإجابات مقتضبة، أحدثه عن حصص الرسم، ولوحات الأزرق والأحمر، يقطب حاجبيه.. يسكن الفرات برهة، أبتلع ريقي، أصمت، يقرع أحد ما جرس المدرسة، أصفق الباب ورائي، وأقفز إلى الباحة.. يهدر المذياع: حماة الديار عليكم سلام.. أبت أن تذل الفنوس الكرامكارمينا بورنا. كارل أورف.. أغاني الحب والحياة.. تضمّ المغنية السوداء عينيها، يرتعش ثوبها الأحمر الشفيف، تترنم بلازمة الحبّ، تذوب الموسيقى في العروق، تصدح جوقة المغنين. ينفرد عازف كمنجة أعمى، يسترشد بعصا المايسترو المضيئة، تهدر الجموع.. كيف تحتمل هذه الجرعة دفعة واحدة أيها الرجل الغريب، دون أن تستعين بالفرات؟ دون أن يهدر بداخلك؟ كارمينا بورانا.. هنا في سعير الغربة، في الرابعة والأربعين، في اشتداد الشيب، يهبط الرجل أدراج عمره، يستريح برهة على مقاعد الدراسة، يناول أستاذه الحالم أسطوانة قديمة.. تضيق القاعة، تشحب السبورة.. تتقصف النوافذ، تتشظى الروح.. يندلع النشيد: حماة الديار عليكم سلام.. أبت أن تذل النفوس الكرام.
فنان تشكيلي وشاعر وروائي من سورية والنصان جزء من كتاب ينشر قريبا