نوافذُ الانفتاح الغربي: من الاستشراق إلى الاستشراف

حجم الخط
1

لما دخل سحر الوهج الشرقي العربي منافذ أوروبا المريضة – وحبس تأثيرها المنحصر أصلا في البند التبشيري التنصيري العقائدي القائم على الأبوية المسيحية – عقب تطويع الأندلس على مدى عصور النهضة التنويرية العربية (8 – 15 ميلادي) جاءت حملاتُ فرنسا، بلاد الغال سابقا، خصوصا التي قادها والي الأندلس -آنذاك- الفاتح عبد الرحمن الغافقي، الذي اقتحم مواقع أساسية للفرنجة في بوردو وبواتييه (معركة بلاط الشهداء) على مشارف الحصون الباريسية، (300 كم). حينها استفاق العالم الغربي من سباته على وقع حوافر وصهيل الخيول العربية، التي عملت على بناء شخصية متجاورة في الجغرافيا ومتجاوزة في الفكر لدرء الواقع الغربي المتردي. فشكل عمق الصدمة لدى الغرب فرصة لجمع الشتات ولمقارنة الإنجاز ومقاربة الوافد بالاطلاع على البديعيات من أدب وفلسفة شرقية وبلاغة وعلوم وفنون إسلامية مختلفة بهدف تسريع اللحاق بالركب. تم ذلك دون تثمين العنصر العربي الإسلامي، ولا حتى ذكر فضائله وتعديد مراجعه، وبإنكار تام للفرق الواسع بين الحضارتين آنذاك، باتباع سياسة المكافحة بدل المصالحة.
يأتي سياق ذلك مع تيارات الاستشراق الممهدة للتوطين والتنصير والهيمنة على مدى الثلاثة قرون الأخيرة (20،19،18 م) نتيجة تنامي الأفكار الصعبة والمتطرفة الواردة في مؤلف
«التاريخ العام والمقارن للغات السامية» الصادر عام 1863 للداعية اليسوعي والمؤرخ أرنست رينان، نورد منه هذا المقتطف:
« الإسلام هو تعصب لم تكد تعرف مثيله إسبانيا في زمان فيليب الثاني، أو إيطاليا في زمان كارلو الخامس. الإسلام هو الاستخفاف بالعلم، هو إزالة المجتمع المدني». إلى جانب التنظيرات المنحازة لأوروبا الجرمانية المضمنة على التوالي في مؤلفيْ «فلسفة التاريخ» و»فنمنلوجيا الروح» للفيلسوف الألماني الملقب بأب الجماليات فريدريك هيغل، بحيث حوت أعماله قراءات مهمة للحيوية الفلسفية الروحية والعقلانية لحضارات العالم المختلفة من الهندوس والصين (كونفوشيوس) والترك (المحسوبين على البربر) إلى هنود العالم الجديد (حمر الجلود بتعبيراته) مع تقييم لنقاط الالتقاء والافتراق وتخصيص لحيثيات مهمة ترتبط بالفكر والدين والتأثير والتأثر، دون الإحاطة بالفكر الإسلامي الذي لم يأخذ حقه في كل المقاربات، وانحصر اهتمام تداوله على عدد من النقاط المتعلقة بالتعصب والقبلية، مع تعمد تمرير يافطة الصحراء القاحلة كمحيط صعب وغير مؤهل للإبداع والانسجام الثقافي، ما جعله يتوقع زواله، بحيث تم اعتبار الشخصية العربية في أوروبا (الأندلس) كعنصر وافد غير مرغوب فيه. ورد هذا التقسيم رغم استفادة العقل الغربي المشروعة وغير المشروعة من المنابع المعرفية العربية المزدهرة في إيبيرية (إسبانيا) سواء لأعلام محلية من قرطبة وإشبيلية، منها الرازي وابن رشد وابن زهر الإشبيلي، أو لأسماء من البلاد العربية بمشرقها ومغربها كالعلامة ابن خلدون والخوارزمي والكندي، ورواد الشعر كالفرزدق وجرير والمعري والمتنبي وغيرهم. فالبلاد العربية الإسلامية ظلت متمسكة بخصوصياتها الزاخرة بمنابع الخيال الحر، وهي مواد وفرت للفكر الغربي إيحاءات وتناولات حديثة تخرج عن سلطان الكنيسة الكاثوليكية وعن إملاءات القساوسة ورجال الدين المسيحيين، سواء في الأراضي البروسية أو في فرنسا وباقي الأجزاء. وهذا تأثير إبستمولوجي وثقافي مهم لا يمكن نُكرانه في أي حال من الأحوال، فمن إشعاع الشرق اقتبس غوته (1749-1932) ديوانه المعروف «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» الذي صدر في 1819، وترجمه إلى العربية الباحث المصري عبد الرحمن بدوي. وهو كتاب يتغنى بأجزاء من بلاد الإسلام على طريقة صاحبه، يقول في قصيدة «هجرة»:
الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر،
العروش تُشد، والممالك تتزعزع وتضطرب،
فلتُهاجرْ إذن إلى الشرق الطاهر الصافي،
كي تستروح جو الهُداة والمُرسلين،
هُناك حيثُ الحُب والشرب، والغناء
سيعيدك ينبوع الخضر شابا من جديد.

غوته

مثلت ملامح هذه التأثيرات الانطباعية والاقتباسات المختلفة، رافدا لاستفاقة البلاد الأوروبية (الصحوة) التي أخذت الكثير من الوقت والجهد، ولبست تكتيكاتها عباءة السلب والاستلاب، متجهة رأسا إلى الجحود والمجابهة، بعقلية مسيحية متقوقعة ومستلهمة من الباباوات (الببغاوات) التي ظلت تعيد رسائل الكراهية والنكران، واصفة العرب المسلمين بالساراسان والمتعصبين. وتبعا لذلك الثقل المؤثر، انبنت الحجب وتوسع مجال الهوة وظهر كثير من المنع والقمع لأقلام وفُرش تنفتح على خارج بوتقة المحيط اليسوعي، فتم الولوج إلى الثقافة العربية، والتعرف عليها عبر نافذة الاستشراق بقراءات متعددة تركها الانطباعيون والرومانسيون، خاصة في فرنسا وإنجلترا بعيد انبلاج بوادر النهضة الأوروبية المسيحية بداية من القرن الخامس عشر ميلادي.
فشكلت أبحاث المستشرقين الميدانية ومؤلفات عدد من الكتاب والمفكرين ومنهم غويدي وبروكلمان وجون آبيري ولوي ماسينيون، أرضية للتعرًف على المحيط العربي والتقارب والحوار بجموح المترفعين، وهي سمات استغلها أصحاب القرار لتدعيم جانب الغرابة (exotisme) لتشريع الوقوف على الوهن والاضمحلال النفسي والاجتماعي والتبشير بالمدنية المقبلة، عبر تأسيس الجمعيات والروابط المشبوهة، التي وفرت الدعم والحماية لأصحاب الأفكار الرجعية والمناورات السوداء الاستعمارية.
وفي المجال التشكيلي لم يكن الاتجاه موازيا لواقع الأمر العربي، ولم يبذل الرسامون الفرنسيون والإنكليز الكثير لنقل الواقع بأمانة، فكانت الأعمال في شكل يافطات «ستيريوتيبية»stéréotypée) ) كمجرد طلبيات جاهزة على المقاس تضع المواقع الشرقية العربية التاريخية المعتبرة كقباب لبيوت صلاة بلا روح، والمعالم العمرانية الخالدة، والقصور القديمة، كملاذ لبغاء الجواري، ومن أهم العناصر الجمالية المتواترة في أغلب الأعمال الفنية نجد: القباب المنارات، النرجيلة، الفتيات الجميلات العاريات (صدور النساء) الخادمات والخدم ببشرة سوداء، الحمامات التقليدية التركية والعربية (العراء والسرية) الملابس الحريرية المطرزة بالذهب والياقوت (الثراء) العرش السلطاني، الكرسي الوثير( السلطة) السيف، الخنجر( الغزو والقتال) السحالي والثعابين والحيوانات الضارية (الوحشة والغرابة) الجمل، الحصان ( الخيل) الكثبان (الصحراء). نجد أهم هذه الرسومات من صناعة فنانين فرنسيين وإنكليز، بقيت منها أعمال في الذاكرة مثل «نساء من الجزائر في شقتهن» لديلاكروا و»سوق عربي في براري القبائل» لآشيل قيومي (1865) و»فتاة متسولة في شوارع القاهرة» (1845) مع «صلاة في الصحراء» لجيرار ديت.
تشكل هذه الإنتاجات التشكيلية ورقة إدانة قروسطية عبر التاريخ، تذكر بسوء النوايا. ومن الغريب أنها لم تجد حصة في التصنيف، ولا حظا في الاحتفاظ بها في متحف خاص بفنون الاستشراق، لأنها لم تُعتبر تيارا فنيا في حد ذاته، على غرار التيارات التي عاصرتها، كالديني
(الكنسي القروسطي) والانطباعي والرومانسي والباروكي والكلاسيكي، بل كمجرد مواضيع تم تناولها على الهامش، عبارة عن تلبية لحاجات ذاتية للإنسان الأبيض، وإرضاء لإجراءات سلطوية بابوية أميرية (طلبيات).
يقول المؤرخ وعالم الإجتماع الفرنسي مكسيم روديسون عن الاستشراق: «لم ير المستشرقون في الشرق، إلا ما كانوا يريدون رؤيته، فاهتموا كثيراً بالأشياء الصغيرة والغريبة. ولم يكونوا يريدون أن يتطور الشرق ليبلغ المرحلة التي بلغتها أوروبا». وعلى أي حال فإن ما حصل من ممارسات بين الأمم عبر التاريخ يعكس تقلبات متفاوتة ارتكزت على تدعيم النفوذ والحفاظ على مركزية متخيلة، للاستحواذ على الثروة والتمتع بأفضلية عبر القمع والقهر وكلها أدوات اندثرت وولى عهدها، لأن الصراع توجه إلى ما بعد التكنولوجيا والمنظومة الرقمية، وسيتركز في المقبل على البقاء في حد ذاته كإشارة للمربع الأول (سيرورة الخلق) أمام تفاقم الكوارث والمجاعات والأوبئة، وتزايد موجات الانحباس الحراري وانقراض عدد من الأجناس الحية بسبب انعدام التوازن الإيكولوجي الذي أضحى أكبر تهديد للكائن البشري.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية