أعلن في مصر يوم 21/3/2021 عن وفاة الناشطة الإنسانية والكاتبة المصرية د. نوال السعداوي، عن تسعين عاما، بعد حياة نضالية حافلة بالعطاء أصدرت خلالها عشرات الكتب التي تُرجم بعضها للغات أجنبية، فيما تم منع بعض مؤلفاتها من التداول في مصر وبعض الدول العربية بسبب مجاهرتها في تحدي المحظورات الاجتماعية والدينية المصادرة لحقوق المرأة والمواطن والإنسان.
قبل ثلاثين عاما على وجه التحديد، أجريت هذا الحوار الخاص مع د. نوال السعداوي خلال زيارة لها إلى لندن في 21 شباط (فبراير) مطلع عام 1991 وبعيد حرب تدمير العراق والكويت مباشرة، إذ أقام عدد من المنظمات النسائية في لندن، لقاء كبيرا لإدانة الحرب في الخليج، ألقت فيه الكاتبة المصرية نوال السعداوي، رئيسة «جمعية التضامن مع المرأة العربية» محاضرة خاصة فضحت فيها أبعاد وأهداف هذه المؤامرة الخطيرة التي ينفذها التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الشعب العراقي وشعوب المنطقة خلال تلك الحرب.
وعبرت خلال الحوار عن تضامنها مع الشعب العراقي ضد سياسة الأرض المحروقة التي تعرض لها العراق على يد القوات الأمريكية خلال حرب الخليج الثانية كما أدانت دكتاتورية نظام صدام حسين.
نشر الحوار في جريدة «القدس العربي» يوم 27 شباط (فبراير) 1991 وفي أربعينية رحيلها تعيد الصحيفة نشره. وهنا نصه:
○ نوال السعداوي اسم كبير، وأكاد أقول انها رمز، في حركة تحرر المرأة العربية المعاصرة، وانه مفرح حقا ان نجدها في المقدمة بين المثقفين المصريين الذين رفعوا أصواتهم ضد هذه الحرب الوحشية التي يشنها التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية لتدمير الشعب العراقي؟
• أمر طبيعي جدا أن نقف ضد هذه الحرب المدمرة وان نتضامن مع ضحاياها من الرجال والنساء والأطفال في العراق وفي الكويت.
كان يجب أن لا يسمح بحصول هذه الأزمة منذ البداية وان يجري حلها سريعا وعربيا هي في مهدها. وكان يجب أن لا يسمح بحصول هذه الحرب التي تدمر طاقاتنا البشرية وثرواتنا في حين كان من الضروري تكريسها من أجل دفع تقدمنا الاجتماعي والحضاري ولدحر المؤامرات الاستعمارية والصهيونية ودعم نضال الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه المغتصبة. كل شيء واضح الآن: الأمريكيون لم يأتوا بكل هذه القوات العسكرية إلا لتدميرنا ولتسليط إسرائيل على رقابنا جميعا ولجعلها القوة الحربية الأعظم في المنطقة.
○ كيف تفسرين بقاء الصوت الثقافي المصري المناهض لهذه الحرب استثنائيا إلى حد ما ومحصورا، بينما يصطف عدد مهم من الأسماء التقليدية ضمن الإعلام الرسمي للنظام المصري الذي ينشط بشكل فاضح كجزء من إعلام دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية؟
• استثنائياً! هذا غير صحيح. الصوت المصري المناهض للحرب ليس استثنائياً، لكنه بالمقابل محاصر ومحروم من امتلاك قنوات الإيصال الكبيرة.
وعلى أي حال، وهذا مهم جدا، أن هذه الحرب بينت فعلا وأزالت الكثير من الضباب الذي كان يحيط بكثير من المثقفين العرب والمصريين. لأنها أظهرت بجلاء من منهم يناهض الاستعمار الأمريكي والغربي والصهيوني فعلا، ومن كان يتاجر بذلك. كما كشفت من تهمهم شعوبهم ومستقبلها ومن لا يهمهم سوى المحافظة على مناصبهم وكراسيهم وامتيازاتهم. فما يجري الآن هو بنظري فرز حاسم بين اولئك وهؤلاء من المثقفين والكتاب والصحافيين. إلا أنني أستطيع التأكيد هنا بان الغالبية الكبرى من المثقفين المصريين هي ضد الحرب وضد هذه الهجمة الأمريكية الصهيونية لتدمير العراق. فالمعارضة المصرية التقدمية وقفت ومنذ البداية ضد الحرب، كما أن الشعب المصري يرفض هذه الحرب رفضا قاطعا، وحتى الحكومة المصرية لم تكن تريد الحرب فعلا في البداية إلا انها سرعان ما غيرت رأيها تحت ضغوط وتدخلات شديدة ووعود الإدارة الأمريكية. أما هذا الجزء من المثقفين والكتاب والصحافيين المصريين الذين تجد اسماءهم في الصحف الكبيرة كـ «الأهرام» و «الأخبار» وما شابه، فهؤلاء نحن نسميهم بمثقفي وكتاب السلطة. ومن أمثالهم لا يمكن ان تتوقع غير ذلك. فلقد كانوا دائما يصفقون للسلطة وهو ما يفعلونه الآن أيضا. كانوا يصفقون للملك في أيام الملكية ثم صفقوا لعبد الناصر وبعده صفقوا للسادات وها هم يصفقون للحكومة الحالية. ويخطئ من ينتظر منهم أن يقدموا شيئا آخر. اننا نسميهم بـ «مثقفي السلطة» وهم يعرفون جيدا أن هذه التسمية تنطبق عليهم تماما لانهم يعرفون بانهم سيطردون أو يمنعون من الكتابة، إذا لم يؤدوا هذا الدور.
أما القسم الآخر من المثقفين المصريين الذين يرفضون تأدية هذا الدور من أمثالي، فتجدهم ممنوعين من التحدث عبر الإذاعة والتلفزة ولا ينشر لهم في الصحف الكبيرة، وليس أمامهم سوى صحف المعارضة وهذه قليلة ومحاصرة.
○ والديمقراطية التي يقال أنها موجودة في مصر الآن؟
• انها محدودة جدا جدا. في مصر كان هناك مثقفون قد وقفوا ضد السادات وتعرضوا للسجن والاضطهاد بسبب مواقفهم.
هؤلاء انتظروا حصول تغييرات إيجابية على صعيد الديمقراطية والحريات عند مجيء مبارك. وفعلا حصل بعض التقدم في هذا المجال. فنحن نتمتع فعلا بإمكانية الكلام والسفر دون مشاكل معقدة لحد الآن. لقد عرفت ان هناك من وضعوا في السجن، إلا ان هناك بعض الديمقراطية الأكبر نسبيا مما كان الوضع عليه في زمن السادات. ففي زمن السادات القي بعضنا في السجن لمجرد كتابة مقالات معارضة بينما الآن نستطيع نشر المقالات ضد الحرب دون أن يحصل شيء لنا. وانا نفسي كتبت ضد الحرب في «مصر الفتاة» وفي «الأهالي» ولم أتعرض لحد الآن إلى شيء… أقول لحد الآن، لأنني لا أدري ماذا سيحدث في المستقبل… نستطيع القول إذن ان هناك مساحة من الديمقراطية أكبر الآن مما في زمن السادات، لكنها ديمقراطية محدودة.
فالسلطة المصرية تمتلك وتسيطر على كل وسائل الإعلام الهامة من الصحف الكبرى إلى الراديو والتلفزة وغيرها. وهذا يعني ان وسائل الإعلام المصرية هذه لا تمثل إلا وجهة نظر السلطة والحكومة والتابعين لهما من الكتاب والمثقفين ولا تمثل رأي الشعب المصري أبدا. إنما بالعكس، لأن الشعب المصري هو شعب قوي ومكافح ويتطلع بعمق إلى الوحدة بين العرب ومتشبع بأفكار عبد الناصر إلى درجة يستحيل تدميرها لديه.
○ إذا انتقلنا الآن إلى الحرب الحالية ضد العراق. سؤالي كيف تبدو لك نتائجها الكبرى؟
• لا أعرف كيف ستسير الأمور في الأيام المقبلة. من المتوقع أن يحقق معسكر الدول المتحالفة الذي تديره الولايات المتحدة انتصارا عسكريا على العراق. فهذا التحالف يضم 29 دولة بقيادة أقوى قوة عسكرية في العالم ويمتلك تفوقا في الآلة الحربية لا شك فيه.
لكن هذا الانتصار سيظل عسكريا فقط ومؤقتا جدا. أما سياسيا فانه مهزوم بلا أدنى شك. وأمريكا هزمت سياسيا أمام الأمة العربية حتى إذا خرجت منتصرة عسكريا كما هو متوقع. ولقد كتبت في إحدى مقالاتي الأخيرة ضد الحرب، ان العدوان الأمريكي على العراق هو علامة سقوط الامبراطورية الامبريالية في المنطقة العربية والعالم الثالث. الامبراطورية الأمريكية وأتباعها مهزومون وليس لدي أدنى شك حول هذا. لكن لا بد من الانتظار بعض الوقت لرؤية هذه النتيجة بشكل جلي. ان الهمجية الأمريكية في قصف المدن العراقية وهذه الشراسة للسيطرة على ثرواتنا فضحت حقيقة النوايا الإرهابية وجعلت الولايات المتحدة وإسرائيل عدونا الأول والمباشر. فالشعوب العربية والإسلامية لن تغفر لأمريكا هذه الجرائم ولن تسمح لها بامتلاك مكانة لديها ولا بد ان تهزمها نهائيا. حتى في العالم الأوروبي سقطت أمريكا وفقدت أي احترام. وهذه الهزيمة السياسية ستكون على صعيد نتائجها أشبه بالهزيمة السياسية لبريطانيا بعد معركة قناة السويس في 1956.
○ لكن الدمار الذي يتعرض له العراق والأخطار المترتبة عن انتصار عسكري أمريكي لا تضمن بان تكون هذه الحرب لحظة إيجابية بالضرورة على الصعيد التاريخي بالنسبة للمنطقة فيما يتعلق بمستقبل العراق والشعب الفلسطيني من جهة وبالاستقلال السياسي والديمقراطي والحريات والعدالة الاجتماعية في العالم العربي بما فيها تحرر المرأة.
• أعتقد ذلك تماما، وأشاركك نفس المخاوف. فعلى الصعيد المباشر، الانتصار العسكري لهذا التحالف الذي تشارك فيه أمريكا وإسرائيل بفعالية وتقويانه سيخلق الكثير من النتائج الخطيرة حيث سيفرضون علينا هيمنتهم التي نعرف بانها جوهر ما يسمونه بالنظام الأمني الإقليمي الجديد والنظام الدولي الجديد، وقد يذهبون إلى حد إعادة تقسيم المنطقة. كل هذه الأخطار موجودة فعليا ونحن لا نعرف ماذا يخفون لنا من مخططات استعمارية إلا ما هو جلي منها الآن كجعل إسرائيل القوة الحربية الأعظم في المنطقة والاستحواذ على النفط وخلق أنظمة تابعة لامريكا. لكن رغم ذلك فإن هذا الحال لن يستمر طويلا. فلن يكون هناك «السلام» الذي يريدونه لنا والذي لا يعني شيئا آخر سوى الاستسلام والتبعية والتجويع والإهانة. لدينا ملايين من الجياع ويريدون تجويعنا أكثر وإهانتنا أكثر وإذلالنا أكثر، وهل هناك إهانة أكبر من تحويل إسرائيل إلى قوة حربية تسرح وتمرح على رقابنا؟
أنني أعتقد بانه لن يكون هناك سلام في المنطقة إلا إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي المحتلة وحجمت قوتها العسكرية وتمتع الشعب الفلسطيني بحريته وحقوقه المشروعة. ولن يكون هناك سلام إلا حين تبدأ حكومتنا بالعمل من أجلنا ومن أجل مصالحنا نحن. ان الشعوب العربية لن تقبل مطلقا بالإهانة والأنظمة العربية ذاتها تدرك بانها يجب أن تقف عند حد، كما أن ضرورة الديمقراطية ستطرح نفسها بشكل قوي. وأضيف أيضا بان هذه الحرب كشفت عن هشاشة الديمقراطية الغربية كمؤسسات وكنظم حيث استطاع جورج بوش وحلفاؤه الغربيون أن يستخدموا البرلمانات بسهولة لتبرير عدوانهم العسكري واعطائه طابع الشرعية والصبغة الديمقراطية. أي ديمقراطية هذه التي يتباهى بها الغرب؟ يشنون الحرب باسم إرادة شعوبهم وشعوبهم تتظاهر في الشوارع ضد الحرب ولا يسمعها أحد؟ انها ديمقراطية مزيفة لا تختلف فيما يتعلق بهذه الحرب على الأقل عن الدكتاتوريات التي تحكم البلدان العربية حاليا، سواء ديكتاتورية صدام أو ديكتاتورية حافظ الأسد أو ديكتاتورية فهد. لا أريد ان اتجاهل الإيجابيات النسبية التي تمثلها النظم الديمقراطية الغربية، الا انها ديمقراطية مزيفة في الجوهر هذه الديمقراطية التي تسمح بقتل الآلاف من أبناء الشعوب الأخرى.
○ تبقى الضحية الأكبر في هذه الحرب وفي هذه الأزمة والتي لم نسمع عن مأساتها أي شيء، واقصد المرأة سواء في العراق أو في الكويت. هذا الشهيد المجهول رغم انه يتحمل أعظم التضحيات.
• النساء والفقراء هم دائما أعظم الضحايا في الحروب لكنهم دائما منسيون ولا حصة لهم في المكاسب. الغنائم والأمجاد تذهب دائما لهؤلاء الذين يصدرون القرار بشن الحروب ثم ينتظرون النتائج في كراسيهم الوثيرة. أما النساء، أما الفقراء فهم وقود وضحايا الحروب دائما. وهذه هي طبيعة النظام العبودي الذي نعيش في ظله والذي يسمي نفسه بالنظام الرأسمالي سواء منه الليبرالي الصناعي أو الاشتراكي المزيف. وبالطبع فان مأساة النساء والفقراء مضاعفة في مجتمعاتنا الزراعية المتأخرة. ولنلاحظ أيضا بان الضحايا الأمريكيين هم غالبا من النساء والفقراء سيما الزنوج.
○ المرأة كان لها حضور مجيد في إدانة هذا الحرب. ففي فرنسا وقفت المحامية جيزيل حليمي سفيرة فرنسا سابقا في اليونسكو، في الصدارة ضد الحرب وضد تجويع الشعب العراقي وكذلك الحال بالنسبة للنساء العربيات وخصوصا من بنات الجالية المهاجرة وفي بريطانيا نذكر الدور البارز لرنا قباني وغادة الكرمي.
• النساء العربيات عملن أشياء هائلة لمنع حصول هذه الحرب. ففي مصر هناك الدور البارز الذي قامت به جريدة «مصر الفتاة» وهناك أدوار أخرى لا تقل أهمية للنساء التونسيات والفلسطينيات واللبنانيات في البلدان العربية وفي الغرب. لكن صوت المرأة العربية لا يزال محدود الصدى لحد الآن. وأنا متأكدة بان فترة ما بعد الحرب ستفتح آفاقا عظيمة في هذا المجال.
○ قيام مجموعة من النساء في السعودية بقيادة السيارات رغم الحظر الذي يفرضه القانون السعودي كان حدثا يستحق تسميته بـ»ثورة» بحد ذاته. كيف استقبلت النبأ؟
• بفرح عظيم. ليس فقط لأن هذا الحدث جاء دليلا قاطعا على ان المرأة العربية تشق طريقها بجرأة نحو تحررها وبوعي، بل لان هذا حدث في السعودية بالذات. أي في قلعة حرمان واضطهاد المرأة في العالم. وبصراحة وكما ان الدفاع عن تحرر المرأة دفعني ان أتمنى انتصار العراق على إيران، فانه يجعلني الآن ان أتمنى انتصار العراق على السعودية. وعندما أقول العراق فإنني لا أقصد هذا الحاكم أو ذاك، انما حصيلة وانجازات عقود طويلة من عمل وجهد الرجال والنساء. فالمرأة في العراق أو مصر لم تحقق ما حققته من مكاسب على طريق تحررها بفضل صدام أو بفضل مبارك أو عبد الناصر، انما بفضل نضالها القاسي والطويل.