نوال العلي في سيرة النائم : بوح حميمي يأخذ من الشعر تحليقه ومن السرد حجارته

حجم الخط
0

نوال العلي في سيرة النائم : بوح حميمي يأخذ من الشعر تحليقه ومن السرد حجارته

نوال العلي في سيرة النائم : بوح حميمي يأخذ من الشعر تحليقه ومن السرد حجارتهعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: عرفت الساحة الثقافية الأردنية نوال العلي شاعرة ومترجمة عن الفرنسية والإنكليزية من خلال بعض النصوص التي نشرتها في الصحافة المحلية والعربية خلال السنوات الخمس الأخيرة، واليوم فإن العلي صحافية ايضا، لكن كتابها السردي الأول سيرة النائم: علي الجانب الآخر من النهر الذي نشرته لها وزارة الثقافة بداية عام 2006 بدا مساهما أساسيا في وضع اسمها بقوة ضمن المشهد الأدبي في الأردن، ومن الواضح أنه يؤشر علي موهبة أصيلة وجامحة سيكون لها حضور خاص في المشهد العربي أيضا فيما إذا استمرت في الكتابة بالمستوي نفسه من النضج والتميز الذي قدمته في كتابها الأول.قدر لي أن أقرأ سيرة النائم وهي مخطوطة، وقد بدت لي العلي وهي تقدم لي كتابها قبل نحو عام ونصف واعية لفعل الكتابة، ومتوجسة من فعل الإبداع، ومتواضعة في تقييمها لتجربتها، لكنها بدت لي أيضا مثقفة وقارئة لا تكاد تقارن بأبناء جيلها الذين يستعجلون الظهور دون سند ثقافي حقيقي واستعداد كاف، وعلي كل حال حسنا فعلت وزارة الثقافة في تبني كتابها الأول، ومن الجيد أيضا أن تكون العلي قد اقتنعت أخيرا بضرورة إخراج كتابها علي الناس دون تردد، رغم ما يشوب التجربة الأولي عادة من هنات وأخطاء، ووضوح في الجانب التطهيري للكتابة عبر إشغال حيز كبير للسيرة الذاتية فيها، وضبابية أحيانا في استيعاب سؤال الكتابة.! سيرة النائم أو كما رغبت أنا في تسميتها سيرة النائمة نص سردي أقرب إلي الرواية في التجنيس، رغم أن الكاتبة نفسها قد وقعت في حيرة التسمية لا أعرف ماذا أسمي كتابي: رواية، سيرة، نص، شعر هي نفس الحلقة التي تتدلي من السلسلة وتعلق بكل التفاصيل الثقيلة والخيالات الثمينة .. ص 20. وبغض النظر عن التجنيس فإن الكتابة جاءت علي شكل سرد متوهج ظل محافظا علي سويته حتي النهاية، وظل هناك خيط سري ينظم النصوص الواردة في الكتاب لتحافظ علي روحها، ومن الجلي لمن يعرف العلي أن يدرك مقدار غمسها نصوصها بجزء غير يسير من سيرتها الحياتية الخارجية أو العوالم الداخلية لها، ولهذا سيكون الكتاب مفهوما بدرجة أكبر لمن اقترب منها، فثمة الكثير من النصوص والجمل الواردة في الكتاب يبدو المعني فيها في بطن الشاعر كما يقال، أي أن المعني يصل إلي المتلقي بشكل مشوش وسريالي ضمن نص يبدو واقعيا في بعض درجاته بل في منتهي الواقعية أحيانا.ما يهمني في هذه القراءة أن أحاول التعريف بهذا الجهد وملامحه، والدخول أيضا إلي بعض أعماقه، وتبقي مسألة الغوص في تفاصيله التقنية وتحليل خطابه أمرا نعول أن يتنطع له الأكاديميون والنقاد المتخصصون، ولا سيما في ظل حالة نقدية عربية انتقائية غالبا ونائمة عن الكتاب الجدد أيضا. يمكن في سيرة النائم المرور علي عناصر كثيرة لمناقشتها، الكتابة عن الكتابة مثلا، فشخصية الراوية نوال تتطابق مع شخصية الكاتبة كاسم وملامح، و ثمة إشارات كثيرة إلي هذه المسألة، ففي ص 12 مثلا تقول سأكتب النص الأكثر طيبة.. ، وفي ص 18 أن أكتب يعني أن يدربني الله علي مهارات الخفة ، ص 56 تناولت القلم وكتبت عتبة آب وعتابه تفوهت بأشياء كثيرة نشرت بعد عام من ذلك الوقت بأخطاء مطبعية عاطفية .. ولكن الحوار الأبرز في النص عن الكتابة بينها وبين الممثلة ظهر جليا في ص 83، 84 إنني لا أنفصل عن كتابتي أبدا،أنا أعيشها.. .ويمكن الإشارة أيضا إلي علاقة راوية النص بالكتب الأخري التي تستوقفها بين الحين والآخر مثل قصائد درويش، رواية جورج أورويل 1984، الرواية الفلبينية، وغيرها. في الجانب الآخر يمكن لقاريء سيرة النائم أن ينتبه إلي الشعر الخالص الذي ينتمي لقصيدة النثر في صفحات بعينها، أو الشعرية العالية في نصوص سردية أخري،رغم بعض التمويه الحاصل أحيانا لدي الكاتبة في وضع النصوص علي شكل مقاطع سردية تنتمي لما قبلها، لكنها في الحقيقة منفصلة عنها تماما في صورها المركبة،ومقدار التخييل فيها،والغني بمفرداتها،ونقرأ من ذلك ص 58 القارب الذي حللت وثاقه ما هو إلا حياة ولت بغير رجعة / أتذكر يوم تأملتني كمضغة أفسدت الأمر كله / كان الله غاضبا حينها وما كان ليساعدني أبدا / لكننا فجأة استندنا كقتيلين طازجين إلي شجرة لن تخضر أبدا / وبعد خمس دقائق انحدرت السماء بقطعان النعاس… .وربما يأتي هذا الشعر وتلك الشعرية من أثر كتابة العلي أصلا في الشعر،واقترافها للسرد بعد ذلك، وعلي أية حال فإن هذه الروح الشعرية المبثوثة في النص تنهض به عاليا، فيما يتكفل السرد برزانته وثقله في جعل النص لا يطير بعيدا ليتحلل في الهباء…!المسألة الثالثة التي استوقفتني في النص اللعب علي حالتي الصحو والغياب، الوعي واللاوعي، الحلم واليقظة، والتماهي بينهما أحيانا كثيرة، وهذه الثنائية تندرج أيضا علي التناوب بين اكثر من راو، ولكن الأبرز هنا نوال والمرأة المجاورة لها .إن الطفلة الأكثر طيبة قد طعنت في ذاكرتها منذ الصغر علي ما يبدو، وتعرضت إلي ما يشبه حكاية ليلي والذئب (ص 21) وهذا الطعن أتي من العالمين الخارجي والباطني، ولهذا كانت النتيجة امرأة شبه معطوبة في ذاكرتها وبعض حواسها كالشم والذوق، لقد أفاد الشعر هنا في نقل بعض ما يعجز السرد عن المراوغة به، فالدلالات المشوشة، والتي تحتمل معاني ضبابية للمتلقي يمكن للشعر تحمل وزرها أما السرد فلا يقبل غالبا إلا الوضوح (السرد/ الصحو/ الواقع (نقيض( الشعر/ الحلم/ المتخيل): بماذا تفكر الملائكة وهي تريق أوعية من نعاس ووشوشات صغيرة جدا كحبات السمسم؟ لا يمكنني سماعها دون ابتسام، في تلك الحجرة المضاءة بنور ذهبي يتحرك مفتونا بالحراك يبدل ملابسي ويستغرق في حركة ناعمة ومركزة … وبالطبع فإن دراسة هذه الحالة من الدخول إلي الباطن تحتاج إلي الكثير من التحليل،ولا مجال لها هنا،إن الذهان المرعب الذي سيطر علي الطفلة منذ صغرها بسبب تواجد أفاع تلتف عليها في الحمام أو من أثر الكوابيس الليلية جعل الطفلة تهرب من البيت نهارا ومن النوم ليلا، وفي ظل ضغط خارجي (العائلة) وداخلي (تغول العالم الباطني والكوابيس) في الآن نفسه، وتعرضت الراوية هنا إلي انهيارات متوالية علي الصعيد الجسدي والنفسي بل وأدي ذلك إلي السجن.والعلي كما يظهر للقاريء عارفة جيدا بعوالمها وهي تؤشر عليها أكثر مما تشرح، ولقد هالني مثلا عدد الجثث الملقاة بين الصفحات، وقد رصدت نحو خمس جثث لميتات مرعبة عدا الموت الطبيعي مثل رحيل الأب والجد والأم، ففي ص 61 هناك جثة في بيت الدرج ، ص 42 جثة أخ الساردة الطفل وقد اختنقت بفعل الشد عليها أثناء اللعب ، ص 53 جسد راضي المشنوق تحت شجرة التوت، ص 91 مقتل شقيقة الساردة بحادث سير فاجع، هذا عدا عن الجثث التي وجدت في النوم مثل الرجل الذي يقطع حلمات النساء بالسواطير، وعدا أيضا عن عشرات المفردات مثل القبور، الشنق، الموت، الظلام وغيرها، وقد زاد الطين بلة كما يقال بعض الأوصاف والجمل التي تحيل إلي كل ما تعافه النفس مثل: شرب دم الحيض، القيء،..الخ، وعلي أية حال فإن كتاب سيرة النائم يظل غنيا بدلالاته وبالبعد السيكولوجي والميتافيزيقي محمولا علي ثقافة كاتبته وخبراتها الغنية في نهر الحياة والجانب الآخر منه اللامرئي ، وهو في النهاية من الكتب السردية القليلة التي صدرت مؤخرا في الأردن لكاتبات يمكن للمرء أن يقرأ لهن دون تردد وبعيدا عن النمطية والعادية السائدة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية