نوروز الشرق تحت المهجر!
محمد صادق الحسيني نوروز الشرق تحت المهجر!ثمة مناسبات تحتفل بها الامم والشعوب لا يتجاوز عمرها فترة حكم امير، او عهد نظام حكم ما، او حقبة تاريخية معينة، ثم ما تلبث ترحل عن ذاكرة الناس وتصبح في ارشيف الزمان.بالمقابل ثمة مناسبات اخري تمر القرون تلو القرون عليها وهي صامدة كالاوتاد في مكانها تمخر علي امتداد الازمان في مراكب التاريخ وتتسع كالدوائر البحرية المتوالية في عرض الجغرافيا.اعياد نوروز الايرانية هي من النوع الثاني.فعمر هذه الاعياد التي تتجاوز الـ2500 عام كحد ادني مدون لها عاصرت كل العهود الايرانية بامتياز منذ الاخمينيين والساسانيين قبل الاسلام مرورا بعهود الاسلام الخلافة الراشدية والاموية والعباسية والسلجوقية والبويهية و.. والعثمانية والصفوية والقاجارية والبهلوية وصولا الي عهد الاسلام الخميني الحديث واخيرا بعهديه الاصلاحي والمحافظ بامتياز ايضا.فمنذ عهد الاخمينيين والايرانيون كافة بل ومعهم كل من ينتمي الي الثقافة الايرانية ،علي امتداد الشرق الكبير يحتفلون في يوم الحادي والعشرين من آذار (مارس) من كل عام ـ في هذه السنة في العشرين منه باعتبار ان السنة الشمسية كبيسة هذا العام ـ بعيدهم الوطني القومي و الديني والذي يطلقون عليه اسم عيد الـ نوروز في اليوم الجديد باللغة الفارسية، حيث تتعطل الحياة الادارية والسياسية وكافة الانشطة الحكومية لمدة اسبوعين متتاليين تطغي خلالها الحياة المدنية ـ الاهلية ـ الاجتماعية ـ الشعبية علي كل ما عداها يكون السفر هو الحال الجامعة لحركة الفرد الايراني باتجاه الطبيعة ـ تعالي الروح وسموها عن الحياة الاعتيادية المترافقة مع ضجيج العمل اليومي طوال العام.ثمة من يرجح التأريخ لهذا اليوم بمثابة عيد وطني الي الاساطير الايرانية الفارسية القديمة في عهد انتشار دين زرادشت المجوسي الشهير. وثمة من يربط بداياته بالعائلة الحاكمة الملوكية الضاربة في تاريخ الحضارة الفارسية القديمة. وثمة من يعطي الفضل فيه للعلماء الذين اخترعوا التقويم الشمسي المرتبط بتلك الحضارة العريقة اعتمادا علي تحولات الطبيعة والنظام الشمسي والابراج الاثني عشر. وثمة من قرأ فيه ارتباطا وثيقا بمواقيت تحصيل الخراج من المزارعين وتنظيم المواسم الاقتصادية للامبراطورية الفارسية القديمة.لكنه ومع ذلك كله فقد استقر منذ العهد السلجوقي وتحديدا منذ زمن جلال الدين ملك شاه اي في العام 468 هـ. ليصبح احتفالا شعبيا ثابتا واسع الانتشار يبدأ مع فصل الربيع لا يتغير بتغير الملوك ولا المواسم الزراعية ولا التفسيرات النجومية كما كان يحصل من قبل، بل صار له توقيت رسمي ثابت يصادف في كل عام لحظة تحول الشمس من برج الحوت الي برج الحمل. ومنذ ذلك الحين وهذا العيد القومي الايراني يمتد ويتسع ليشمل اقواما ومساحات دينية وعرقية وجغرافية ليصبح جزءا لا يتجزأ من تراث ومناسبات العراق وسورية وتركيا وبلاد اسيا الوسطي والقوقاز وبلاد الافغان وصولا الي شبه القارة الهندية وحدود الصين العظيمة.ما هو جديد في اعياد النوروز لهذه السنة هو اعلان مجلس بلدية طهران الاسلامي المحافظ بانه و نزولا عند رغبة الشعب قرر اختيار 40 نقطة في طهران العاصمة لتكون مراكز لتنظيم احتفالات ليلة الاربعاء الحمراء الشعبية وذلك من اجل التخفيف من الاضرار التي عادة ما تنجم عن الاحتفال بهذه المناسبة وتأمين سلامة العامة .واحتفالات ليلة الثلاثاء علي الاربعاء او ما يسمي بالفارسية بـ جهار شنبه سوري اي الاربعاء الحمراء والتي تقام في آخر ليلة للاربعاء من العام الشمسي الايراني، عبارة عن احتفالات شعبية عارمة تقام في كافة الازقة والشوارع واماكن التجمع العامة عبر اشعال النيران والقفز فوقها. ويقال لتطهير الابدان والارواح من الشرور، وهي جزء لا يتجزأ من فلسفة اعياد النوروز والربيع الايرانية، يرافقها بالطبع استعمال كافة انواع المفرقعات، وهي فرصة يخرج فيها الشباب غالبا فتية وفتيات عن طورهم ليمارسوا درجة ما من درجات الحرية الاجتماعية تتفاوت من بلدة لبلدة ومدينة لمدينة واحيانا من حي لحي او شارع لشارع.وعلاقة النار مع دين زرادشت معروفة للجميع هنا في ايران، وهي علاقة روحية ودينية توحيدية كما يقول اتباع زرادشت. اذ انهم يقولون بانها ترمز الي النور والضياء الرباني الازلي بالرغم من كل ما يشاع عنها في البلاد العربية بانها ترمز الي عبادة النار بحد ذاتها مما يجعلها عرضة لشبهة الشرك!المهم في الموضوع بالنسبة لنا ليس الجانب العقيدي، بقدر ما نحن بصدد التأمل فيه من الجانب السياسي والاجتماعي والثقافي. فان يعترف الاسلاميون، محافظون واصلاحيون، باهمية هذا العيد ويقرون بضرورة العمل بمراسيمه كما قرر المجلس البلدي لطهران (محافظ) او ان يذهب احد رجالات الاصلاحيين ليقول بمناسبة مرور ثلاثة آلاف عام علي ديانة زرادشت بانه لا يمكن ان يتصور ايران من دون زرادشت ولا زرادشت من دون ايران، كما ورد علي لسان محمد علي ابطحي مساعد رئيس الجمهورية الايرانية قبل اشهر فان ذلك يؤكد موضوعة في غاية الاهمية وهي ان مناسبة كمناسبة نوروز وثقافة من نوع ثقافة زرادشت ورموز وسلوكيات وعقائد واعراف وتقاليد عديدة اخري غالبا ما تبقي محفورة في ذاكرة الشعوب لا يمكن لاحد تجاوزها او انكارها او التطاول عليها تحت اي ذريعة كانت. لانه مهما فعل وايا كان الوقت الذي صرفه من اجل تجميدها لابد ان يأتي الوقت الذي سيضطر للاعتراف والاقرار لذلك فان الافضل والانجع هو الاعتراف بها كما هي اولا ومن ثم العمل علي تشذيبها او تهذيبها في حال وجود ما يتعارض فيها مع عقائد او ديانات او فلسفات ارقي او اشمل او احسن او افضل منها.وفي هذا السياق لابد من الاشارة الي واحدة من اهم الميزات التي يمتاز بها الشعب الايراني الا وهي استيعابه الكفوء والناجح بامتياز لكل ما يأتيه او يرده من افكار او فلسفات او ايديولوجيات او عقائد، وهضمه لها ووضعها في بوتقة ايرانيته القوية والراسخة دون ان يضطر لخوض المعارك الكبري لمقاومتها بطريقة الاقصاء او النفي التام.حتي فيما يتعلق بـ نوروز نفسه فقد حوله الشعب الايراني بمرور الايام والسنين الي عقيدة ثابتة تتكيف مع الاعصار والازمنة والانظمة الدينية والسياسية الحاكمة دون ان يغير من جوهر نوروز في شيء. ونوروز زرادشتي كما هو اسلامي كما هو سني قبل العهد الصفوي كما هو شيعي من بعده وهو محافظ كما هو اصلاحي، وهو ليبرالي كما هو ثوري.بل انه قادر علي تحويله الي نوروز للشرق الاوسط الكبير كله ان اضطر الي ذلك، لكنه سيبقي هو ايرانيا ملتصقا بالارض التي ولد عليها والي الطبيعة ينتمي.هذه الميزة العظيمة التي يمتلكها العديد من الامم والشعوب ولا اظن انها مقتصرة علي الشعب الايراني بالمناسبة. اي ميزة الواقعية في التعامل مع السنن الكبري وظواهر التاريخ وحقائق الجغرافيا الدامغة، انما تتجلي في كثير من مسلكيات شعوب الارض ولكن باشكال وبمظاهر وتبلورات مختلفة انما جوهرها القدرة علي ممارسة قرار البقاء رغم الاعاصير والطوفان، فالشعوب جميعا كل يوم هي في شأن وكل يوم من ايامها نوروز لا يستوعبه الا الراسخون في علم الشعوب والامم ليس من بينهم دعاة الشرق الاوسط الكبير علي طريقة الاسرائيلية الامريكية، ولا حماة الشرق الاوسط القديم علي طريقة الطغاة وشركائهم في الاستبداد والتبعية والطغيان من مثوري الفكر المنبهرين بكل ما هو جديد ويلمع ظنا منهم انه ذهب وما هو بذهب وان ارادوه كذلك!9