نوري الجراح: “لا حرب في طروادة”

حجم الخط
0

منذ مجموعته الأولى “الصبي”، 1982، يواصل الشاعر السوري نوري الجراح الارتقاء بتجربة شعرية ذات خصوصيات شتى وامتيازات جمالية وتعبيرية كثيرة أفردت صوته داخل مشهد قصيدة النثر في سبعينيات القرن الماضي، وهي اليوم واحدة من أبرز التجارب المعاصرة وأشدّها أصالة وحداثة وتطوّراً دائب الاغتناء. مجموعاته تعاقبت بعدئذ: “مجاراة الصوت”، “كأس سوداء”، “القصيدة والقصيدة في المرآة”، “طفولة موت”، “صعود إبريل”، “حدائق هاملت”، “طريق دمشق”، “الحديقة الفارسية”، “يوم قابيل”، “يأس نوح”، “مرثيات أربع”، “قارب إلى لِسبوس”. جمع أعماله الشعرية في مجلدين، بيروت 2008؛ وصدرت مؤلفات نقدية في شعره، بينها أيمن باي: “النزوع الدرامي في (الأيام السبعة للوقت)”؛ ومفيد نجم: “القصيدة المعلقة – دراسة أسلوبية في شعر نوري الجراح”. كما تُرجمت مختارات من قصائده إلى لغات أجنبية عديدة، منها الفرنسية والإسبانية والإنكليزية والألمانية والهولندية والتركية واليونانية والفارسية والإيطالية. حرّر مجلات شعرية وأدبية، بينها “الناقد”، “الكاتبة”، “القصيدة”، “دمشق”؛ ويرأس حالياً تحرير مجلة “الجديد” الشهرية الثقافة التي تصدر من لندن، ويشرف على “المركز العربي للأدب الجغرافي” و”جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة” في لندن/ أبو ظبي.

 

في مجموعته الجديدة “لا حرب في طروادة” تبدو أرواح الجحيم السوري وساكنته وخلائقه وكأنها، حسب كلمة الناشر، “تجهد لإيصال النشيد الكوني إلى بُحّة متصاعدة، عبر نداءات عميقة قادمة من عالم بعيد. نداءات تضع قطعَ الصورة في الفراغات الملائمة لها في تاريخ ملحمي لم يتسن لهوميروس ودانتي والمعري ولوقيانوس السوري تدوينه. وثيقة أدبية رفيعة عن اللحظة الإنسانية الدامية محفورة على حجر قديم، ذاهبة إلى ورثة لم يولدوا بعد”. يضمُّ الكتابُ 54 قصيدة موزعة على 11 فصلاً، جاءت عناوينها كالتالي: الملْهاةُ الدّمَشْقيَّة (لسان الجحيم)، سَمَكَةُ آخِيلْ (أنشوُداتْ)، كَلِمَاتُ هُومِيرُوسْ الْأَخيرَةْ، الطَّالِعُ بِالْعَجَلَةِ وَمَعَهُ الْإكْلِيلْ، الْقِيثَارَةُ والرِّيحْ، كِتَابُ آيَة، هَوَاءُ تِيْنُوسْ (أَرْبَعُ حِكَايَاتٍ لِلْمُرَاهِقِينْ)، طَيَرَانٌ فِي بُورْتُوبِيلْلُو، آلَامُ نَرْسِيسْ، يَأْسُ أُوْدِيسْيُوسْ، ما بَعْدَ القَصِيدَةِ.

هنا الجزء III من قصيدة “هل قال لك البرقُ ما لم تقل الكلمات؟”:

أنا أليعازر الدمشقي خرجتُ من باب الفراديس ووجدت الجنان تحترق

وفي دخان الحرائق،

ورماد الأشجار،

على ضفافٍ تناهبتها ضباع مرقطة،

تاه مرشدي، ورأيتُ داريوس الهارب من المعركة يطيل السلسلة الفارسية للفَرْغَل السوري الأعمى

تحت سماوات ادلهمت كصفيح نابح،

وطافت بها طيور بأنياب زاعقة،

 

طيور

تنقضّ

وتنهش الإسفلت،

هل قلتُ بالإيماءة ما أرعب الكلمات،

وأوحش المتكلم؟

هل قلتُ ما لم أقل أبداً؟

أنا أليعازر الطارقُ باب القيامة.

المتوسط، ميلانو 2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية