عزت القمحاوي
أوان الحج:
كل المستشرقين الذين زاروا مصر عبر تاريخها القديم والحديث توقفوا عند السطوح ولم يستطيعوا النفاذ إلي الأعماق، كذلك فإن المستشرقين من السياسيين حملة الجنسيات الأجنبية الذين يهوون الانطلاق إلي المستقبل، وقعوا هذه الأيام في الحيرة الاستشراقية ذاتها، إذ كيف لم يتجاوب المصريون مع المبادرة النووية؟!
ليس المستشرقون فقط؛ بل كل من لايحبون، أو لايستطيعون النظر إلي الأعماق، سيرون في المصريين شعباً ناكراً للجميل. والسطح محير فعلاً؛ فهذا شعب لم يمنعه الاحتلال الإنكليزي من الأحلام العلمية، وكان لديه منذ بدايات القرن العشرين علماء مثل مصطفي مشرفة الذي سار كتفاً بكتف مع أنجب تلاميذ اينشتاين. ومن يستطع قراءة الأعماق يعرف أن المصريين يتطلعون إلي وطن مفعم بالقوة والحيوية التي يستحقها ويمتلك مقوماتها، لكنهم لا يكترثون بدعوة للحج بعد عودة الحجيج، ويعرفون أن فريضة الحج يمكن أن يؤديها المريض محمولاً علي نقالة مستأجرة، ويمكن أن يؤديها الابن عن والده الميت، أما فريضة النووي فلا يمكن أن يؤديها سوي نظام في كامل صحته.
تبرعوا ولو بشطر جرعة!
لن يستطيع أي حي علي أرض مصر أو في المهاجر ـ بعد أن ضاقت به أرض مصرـ تجنب التليفزيون، والإذاعة ولافتات الطرق، والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت في الشهر الفضيل، إلا إذا كان قد نذر للرحمن صوماً يشمل الامتناع عن الكلام والاستماع والرؤية والحركة، أي أن يكون ميتاً الآن.
وعبر أي من هذه الوسائل سوف يدرك كل مصري ـ من غير المستشرقين ـ أن حكومته لم تع من أدب نجيب محفوظ سوي درس زيطة صانع العاهات، فهذه الحكومة لم تلجأ إلي حيلة كسر رجلها أو خلع عينها كي تحنن قلوب مواطنيها، بل عمدت إلي الشحاذة بكامل أبهتها، وهيبتها.
البرامج والمسلسلات المملة أصلاً تقطع لإذاعة إعلانات التبرع لمستشفي سرطان لايريد أن يتم أبداً، ناهيك عن إعلانات دور الأيتام، وهذه لديها المزيد من فاقدي دفء الأسرة في رمضان بالذات! الحكومة الأنيقة لاتشحت بنفسها، لكنها تدع الجمعيات الأهلية الأكثر أناقة تشحت نيابة عنها، للوفاء بالتزامات هي في الأصل من صميم عمل الحكومة. وكلتاهما (الحكومة والجمعيات) لاتكمل الدور إلي آخره فتحافظ علي أناقتها في عين الرعية الكسيرة القلب واليتيمة هي الأخري، بل تعمد إلي ابتزازها بصور الأطفال كأي شحاذ شوارعي لم يقرأ نجيب محفوظ، أو يتعلم حكمة زيطة!
الإعلانات تطارد المرضي والأيتام من المواطنين لكي يتبرعوا ولو بنصف جرعة إشعاع لمرضي آخرين!
والمرضي من المشاهدين سوف تزداد حياتهم الصعبة صعوبة إن أنفقوا من إمكانياتهم المحدودة أو يعيشوا تحت وطأة إحساس بالذنب إن لم يساهموا في دفع المكافآت الخيالية لمستشاري المشروع الخيري الذين اهتزت ضمائرهم ذات رمضان لمشهد أطفال مرضي، ليسوا موجودين الآن؛ لأن الطفل المريض، لايستطيع أن يظل طفلاً أو يظل مريضا طوال كل هذه السنوات! ولم نسمع صوتاً لجمعيات حقوق الإنسان يدين استخدام صور الأطفال في التليفزيون والصحف ـ قد يكون بعضهم في عداد الموتي عند النشر. هذه ليست دعوة لقساوة القلوب في الشهر الفضيل؛ بل إن التكافل بكل أشكاله سلوك محمود، لكن غير المستحب، وغير المقبول أن تبدو مصر في صورة دولة تعاني وباءً أو كارثة طبيعية هدمت مستشفياتها، ودور الرعاية فيها، رغم أن شيئاً من ذلك لم يحدث، ورغم وجود حكومة تتصرف بكل أناقة شحاذ زقاق المدق ولو قللت من سفه الإنفاق الخاطيء لقللت من مد يدها لرعاياها. ثم إن حكومة لاتستطيع أن تنطلق إلي المستقبل بهذا التلفيق السياسي، حيث لاتكف عن لوم الإخوان المسلمين علي تقديمهم المساعدات التي تنصلت منها، وتتهمهم بابتزاز الناخبين وإثارة مشاعرهم الدينية والانتخابية من خلال المساعدات التي يقدمونها، بينما تقوم هي بذات الاستجداء الديني، لا لكي تعطي، بل لكي تأخذ بشمالها ما في يمين مواطنيها البسطاء باسم الرحمة والتراحم في شهر الصوم!
الغريب أن من يحصي الأرقام المطلوبة لكل المشروعات التي تمزق قلوب الصائمين رمضاناً بعد رمضان، فلن يجدها تتجاوز الفرق بين رقم نصف المليار جنيه في صفقة أنوال السعودية لشراء عمر أفندي والمليارين في عرض الحنش، ناهيك عما تساويه الصفقة فعلاً في تقدير الخبراء بعيداً عن الحنشين.
ويكفي أن تتقي الحكومة ربها ولو بشطر صفقة، لكي تتوقف عن التسول من مواطنيها الأيتام.
نووي المائدة!
وهذه أكبر مشاق الصوم عند المصريين حقيقة، فبعد فاصل التسول تأتي إعلانات التسوق. وتلك لاتحب الخط المستقيم، وخصوصاً إعلانات الطعام التي تفضل الذهاب بعيداً من أجل الوصول إلي أقرب هدف، وهو نوع من التعذيب للمشاهدين الصائمين بدافع التقوي في النهار والعوز بالليل.
غرفة طعام باتساع يتجاوز حجم بيت بكامله. وفي الغرفة الأنيقة طاولة استهلكت أخشاب غابة. حول الطاولة أسرة سعيدة إلي حد معجز، حتي لتتحاب فيها الكنة والحماة. فوق الطاولة ألوان من الطعام تستعصي علي أي دخل حلال، وبعد كل هذا الاستعراض المدوخ والمذل يكتشف المشاهد أن الإعلان يستهدف تسويق قنينة زيت! منتجو الزيت والإعلان يعرفون أن نصف الجمهور المستهدف يستخدم هذا الزيت في قلي البطاطس علي الأكثر، والنصف الآخر لايستطيع شراء هذا الزيت أصلاً، وليس أمامه سوي نفط المائدة المدعوم علي بطاقات التموين، دون أدني ثقة في مستقبل يمكن أن يستبدلوا فيه النفط بالنووي!