مزج الكوميديا بالأكشن وأدخل الحيل والخدع في السينما المصريةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: ملامح السينما المصرية الكلاسيكية في فترة الستينيات كانت موضوع الحوار والمناقشة في سهرة إذاعية لمحطة الشباب والرياضة بمناسبة ذكرى أحد فرسان السينما الكبار نيازي مصطفى، لم تقتصر القراءة في أرشيف المخرج الكبير على نوعية ما قدمه خلال مشواره الفني فحسب وإنما شملت تأثره بالتيار السائد وقتها من سينما وسياسة وثقافة. حيث الانسلاخ عن المفردات الأساسية المشكلة للإبداع لا يمكن أن يفي بالمعنى ولا يدل على شخصية المبدع، فنيازي مصطفى ابن مرحلته تفاعل معها وأفرز ما لديه من تنويعات مختلفة كان بها متميزا ومبتكرا، ولعل ما حصله في بعثته الدراسية بالمانيا في مجال الخلق والتطوير والتجديد قد أفاده بما يجعله واحدا من المجددين بالفعل، فهو من أدخل الحيل والخدع وأثرى الصورة السينمائية بمكونات فنية جديدة ظهرت أول ما ظهرت في فيلم ‘طاقية الإخفاء’ الذي مثل فرصة ثمينة للفنان عبدالمنعم إبراهيم للقيام بالبطولة المطلقة لأول مرة مع الفنان القدير توفيق الدقن والفنانة زهرة العلا والطفل احمد فرحات، وهو ما يؤخذ في الاعتبار حتماً عند تقييم تجربة نيازي كمخرج ومكتشف للقدرات التمثيلية والأفكار.
أيضاً لابد أن يشار للمخرج الكبير عند ذكر نوعية أفلام الأكشن التي أسندت بطولتها الى فريد شوقي على خلفية تاريخية مثل فيلمي ‘عنتر وعبلة’، ‘عنتر يغزو الصحراء’، وغيرهما كسجين أبو زعبل وسواق نص الليل، أبو حديد، سلطان فهذه النوعية هي التي جعلت فريد شوقي جديرا بلقب ملك الترسو كناية عن شعبيته العريضة لدى البسطاء والعامة من الناس، ويضاف الى هذا الامتياز تقديمه لسعاد حسني في واحد من أهم أدوارها ‘صغيرة على الحب’ بشكل أكثر جاذبية، حيث تراوحت في الأداء بين مرحلتي الطفولة والشباب ولعبت الشخصيتين باقتدار وتمكن بفضل توجيهاته كمخرج يلعب دائماً على الفوارق النسبية بين الشخصيات الدرامية ويستخلص من الممثل الواحد عدة أنماط من الأداء كما فعل مع فؤاد المهندس في فيلم ‘أخطر رجل في العالم’ فنقل الممثل من المنطقة الكوميدية المحضة الى مستوى الأكشن بدون أن يفقد الفنان روحه الحقيقية، حيث نرى عند المهندس مزيجاً من لونين مختلفين في الأداء يبدوان متناقضين ومتضادين من الوهلة الأولى ثم سرعان ما نشعر بانسجامهما وندرك من خلال الخلطة السحرية عبقرية المخرج ورهافة إحساسه وأدواته.
وتأتي المرحلة الأميز والأهم في حرفية المخرج الكبير نيازي مصطفى متمثلة في استخدامه للتقنيات الحديثة وإضافة عنصر جديد كان مفتقدا في الأفلام المصرية قبل أن يكتشفه، ولعل الأفلام سابقة الذكر كانت نماذج عملية وتطبيقية ناجحة حاول مصطفى من خلالها تأكيد موهبته وقدراته الفائقة في توظيف العلم لخدمة الفن، ولكي يضمن تفعيل العنصر الكوميدي اهتم في تجربته مع عبدالمنعم إبراهيم، عام 44 اختار الفنان توفيق الدقن ليلعب الدور المناقض، حيث تتولد كوميديا الموقف من الشيء وضده، نفس الحالة التي كان عليها البطلان طوال الأحداث مع دعم قوي من الممثلين المساعدين زهرة العلا والطفل المعجزة في ذلك الوقت أحمد فرحات، هناك ايضا أفلام تجدر الإشارة اليها أخرجها نيازي مصطفى وتدخل في ذات السياق الكوميدي الحركي من بينها فيلم بعنوان ‘إسماعيل يس طرزان’ وهو واحد من الأعمال التي حملت اسم بطلها لاستغلال نجوميته الكاسحة بعدما تأكد نجاح التجارب السابقة المنتمية لنفس النوع مثل اسماعيل يس في الجيش، والبحرية والاسطول وحديقة الحيوان وغيرها، وما يميز ‘طرزان’ أنه سمح بمساحات واسعة لاستغلال الخدع والحيل الفنية فالأحداث تدور في الغابات الاستوائية، حيث يتسلق إسماعيل يس الأشجار مع الحيوانات بحكم توطنه في بيئة غير آدمية تفرض عليه أن يسلك سلوك الكائنات الحيوانية ويمارس ألوانا من الألعاب البهلوانية تستلزم الحركة الدائمة والقفز المفاجئ من مكان الى مكان مما يحتاج في التصوير والتجسيد والإقناع الى تفعيل الخدع واستخدام أساليب متطورة كالمتوافرة لدى المخرج الكبير، التي غالبا ما تسعفه الإمكانيات ولا تسعف غيره من المخرجين الآخرين، حتى من تخصصوا في أفلام الأكشن مثل حسام الدين مصطفى أو حتى يوسف شاهين الذي قدم الأكشن في الكثير من أفلامه التاريخية وعلى رأسها فيلمه الأهم ‘الناصر صلاح الدين’، إذ كانت مشاهد الحركة خلفية للأحداث وليس هذا تقليلا من عبقرية شاهين ولكن إنصافاً لنيازي مصطفى فالشيء بالشيء يذكر، فالاثنان مخرجان لكل منهما مدرسته وخصوصيته ولعنته السينمائية الخاصة التي تميزه بدون الدخول في مقارنة أو مفاضلة.
وأخيرا وقبل أن ننهي كلامنا عن صاحب السيرة والمسيرة يبقي ان نقول ان الفضل في حفظ تراث العبقريات النادرة للمخرجين الكبار يعود الى جهات عديدة منها المركز القومي للسينما ومكتبة التلفزيون المصري التي لازالت تحتفظ ببعض أفلام الأبيض والأسود والقنوات الفضائية صاحبة مبادرة ترميم الكلاسيكيات المصرية القديمة للحفاظ على النوع السينمائي الفريد من الانقراض ويضاف لكل هذه الجهات مكتبة الإذاعة لأنها الوحيدة التي تذكرت المخرج الراحل واذاعت بعضا من أفلامه المهمة في إطار تغطية الشبكات الإذاعية لذكراه السنوية وفي مقدمتها شبكة الشباب والرياضة وبرنامج ‘سينما سكوب’ الذي يقدمه أسبوعياً مرسي عبدالعليم وعزة مصطفى ويخرجه وائل طوبار وثلاثتهم من عشاق السينما العربية والغيورين على تراثها، فهل يشاطرهم آخرون فيما يعشقون؟
السؤال تجيب عليه عملياً الإسهامات التي تقدمها الجهات المعنية في الخطة المستقبلية القادمة لوزارتي الثقافة والإعلام.