عبد الحفيظ بن جلوليينطرح سؤالان مهمّان في تاريخ سيرورة العقل المنتج لمساره ومصيره المعرفيين، يكشفان عن ثورة الرّؤيا حين تنعدم فيها الإواليات الضّامنة لترتيب الإشتغال المستمر على طروحات العقل في تاريخيته المنحدرة منذ الوعي الفلسفي بالوجودية العارفة، فسؤال تاريخ الفلسفة يحيل نيتشه على إبطال ترسيم الفعل المعرفي في حدود لحظته، أي إنّه يكرّس مفهوم ‘العود الأبدي’ في سؤال: ‘ما معنى أن نفكر دون تاريخ الفلسفة؟’، واستحضار تاريخ الفلسفة يحيل على السّؤال الفلسفي الحاضر على الدّوام في قلق المعرفة، والباحث في ما وراء الأشياء والحقائق، متجاوزا الظاهر، أي البحث عن المعنى أو تأويلاته الضرورية لتشكيل الإلتباسات المفهومية المعدِّدة لأفق السّؤال وتحفيز المشكلة، وهو ما يثيره السؤال الدولوزي: ‘كيف نفهم أنّ الفيلسوف يرتحل دون زاد؟’. أحاول أن أقارب مطارحة نيتشه من خلال مفهومية العدمية، حيث المقدرة على تمثل الإرادة وبعث الإنسان الخالق لمسار وجوديته ومصيره، إذ يتطلب ذلك انخراطا في حركة التاريخ من حيث هو المجرى الذي تنسكب فيه الوحدات الزّمنية العالقة بالعقل العاطل لحظة تحرّره من تمثل الكيانية التاريخية ومساقيته في إنجاز المعطى التاريخي أو الحركة في التاريخ، التي تمرحل وجوديا مسافات انبعاث الكائن المتمعني، من حيث إنها تشكّل أبعاده الزّمنية الثلاثة وتفعِّلها. يصبح الكائن النّتشوي متنصّلا من توائمية المقصد الوجودي مندمجا في اختلافيته، أي إنّ هويّته تتعرّف في الإطار الإختلافي الذي ينجز إجرائية المنحى الحفري في السّائد، على أساس أن تاريخية الوجودية الإنسانية محفل للخطاب غير المكتمل واللاّنهائي، وبالتّالي تتمرأى فاعليته في مدى قدرته على الإرتجاع اللاّنهائي إلى مرجعيات الخطاب المؤسِّس للثورة العقلية التي أطاحت بدوغما الثّبات الفكري المرجعي الواحدي، محرِّكة بذلك بواعث التمرّد العقلي على محاولات الكشف والتّعرية الفكريين المتاحين في توهّمات الحراك الفكري، دون تحريك إواليات الخطاب التّراكمي في أمدائه الفلسفية، أي المتاخمة للسّألنة، وبالتالي تصبح مفاهيمية معنى الفكر في تاريخ الفلسفة، واردة في نمونكلاتورا السّؤال، حيث يتأرجح الفكر بين إعادة النّظر في جاهز المعطيات الثابتة والبحث عن إواليات الصّدمة المنجِزة، فالفعل النّاجز والكامل يفقد جدواه عند عتبة السّؤال الفلسفي، حيث تتحدد الإشكالية عند سؤال الإرتجاع عبر تاريخ الفلسفة بالتحديد؟ يٌمظهر نيتشه هذا الإشكال عبر مفهوم ‘العود الأبدي’ المحدّد بالمرجعية العقلية التي تسند طروحاتها بمعالم معرفية تُشاكل الرّاهن وتراهن على بعث الدّيمومة في الرّؤيا، فاللحظة المنجِزة للدّيمقراطية الغربية لم تكن نهائية في راهن ميلادها المطابق للرّؤية الفكرية، لأنّ تداعيات النّزوع الإنساني الإنقلابية والمزاجية تضع الإفتراض العقلي موضع المساءلة الدّائمة والبحث عن النّموذج، ولعل حركة ‘إحتلوا وول ستريت’ تعبِّر عن هذا المنحى التغييري الذي لا يستجيب لنهائية الإفتراض، ومن هنا يجد الطّرح النّتشوي في مفاهيمية ‘العود الأبدي’ جدواه الإجرائية الملازمة لحركة العقل في التاريخ، حيث تستند تاريخية الرّاهن العربي الإجتماعية الفاعلة إلى الحركة المعزولة عن سياقات الكينونة المجتمعية الغربية في ما يصطلح عليه بـثورات ‘الرّبيع العربي’، الذي صدم سياقات الرّكود الغربي في مجالية الإحتجاج الفاعل المناهض لعولمة التغوّل الرّأسمالي والظلم الإجتماعي، وبالتالي تكون الحركة العقلية الغربية قد اكتسبت لحظتها المباشِرة للتّغيير من حيث فعّلت إوالية ‘العود الأبدي’، عبر التراكم المعرفي والفعالي للحركة الإنسانية في التاريخ، فالتاريخ على العموم وتاريخ الفلسفة على الخصوص يرفض التّنميط وبالتالي الإستعادات المتمثِّلة للتاريخ في اللحظة الرّاهنة، بل تروم الفلسفة في مراميها المساءلة للواقع والأشياء إلى بناء الذات التاريخية التي تمتلك وعي لحظتها المنجَزَة وفق معطيات الرّاهن لكن في استرجاعاتها للحظة التاريخية الفاعلة. يصبح التفكيك في تطلعاته الهادفة إلى إنجاز الفعل التّجرباتي الدّافع، نسقا من أنساق النتشوية في مراميها المسائلة عبر تاريخ الفلسفة حين يردّ دريدا التفكيك لا إلى الهدم أو الإنحلال ولكن إلى ‘طريقة لتحليل البنى المترسّبة داخل العنصر الفلسفي أو الخطابية الفلسفية التي نفكّر داخلها. ويمرّ ذلك عبر… مجموع الأشياء التي تحدّد إنتماءنا إلى هذا التاريخ للفلسفة’، فيصبح تفكيك المعطيات واقعا ضمن الثقافة الذاتية وتاريخ الفلسفة، أي السألنة الفلسفية التي تستنسغ الرّؤيا من خلال إرباك معادلات الظاهر الوجودي، ومسترجعة لحظتها الفاعلة من الزّمن الكنسي المهيمن والمصادر للفعالية العقلية، فانفصل الوجود العقلي عن الوجود المجتمعي متقمّصا لحظة التفكيك للبنى المهيكلة للوضع المجتمعي ومنها البنية الكنسية، وبالتالي لا تصبح الوجودية مطمحا من خلال السلوك أو التصرّف اتجاه قضايا المعرفة ولكن الوجود في العالم ذاته برؤية هايدغرية، ومن هنا تكتسب الرّؤية النتشوية فاعليتها من حيث التركيز على الإنوجاد الواقعي ضمن معطيات الرّاهن من خلال السألنة الفلسفية المتراكمة عبر تاريخية معيّنة، لكن لماذا الفعل الوجودي النّتشوي يترتّب على التاريخ الفلسفي؟ عند هذا المفصل يجد السّؤال الدولوزي المتعلق بزاد الفيلسوف، أو التشبّث بالبحث عن تأويلات المعنى جدواه العملي، فمساءلة الوجودات، تُنتج تجاوز الظاهر والخوض في جوهر كينونة الأشياء والعالم، أي البحث عن المعنى، والمعنى هو اكتشاف الزوايا الناتجة عن عملية تهدف إلى الهدم المنهجي للقائم لكشف وتعرية المستمر الثابت في الوعي والمولّد للنمذجة الهادئة التي لا تعارض وإنّما تهادن وتعيد إنتاج ذاتها عبر استقرارها في وعي الهجرة إلى الإجابات، فالمعنى حينئذ يكون هو البحث عن المختلف الذي يمنح الوجود هوية متجدّدة تنطرح ضمن تأويلات كونية للحدث الإنساني في تلوّناته المحدّدة جغرافيا وثقافيا. إن ارتباط السؤال النّتشوي والمعنى في زاد الفيلسوف الدولوزي بالرّاهن يتأسّس عند مفصل الإنخراط في حركة التاريخ حيث يصبح الفعل الإنساني ملازما لانشغال جوهري يتعلق بالجدوى التي تنبني عند عتبتي المعنى والسّؤال، أي ان الاشتباك الفلسفي مع الواقع بحثا عن المعنى يضع رؤية الفيلسوف في معترك الوجودية الفاعلة والمناضلة، وبالتالي يصبح المنحى النّظري ذا نزوع إجرائي، بما يناقض طروحات البنيوية في استبعادها لكل ما هو معيش واهتمامها بالواقعي فقط. إن الطرح النتشوي والدولوزي كلاهما يجمع بين المعيشي والواقعي، لأن الواقعي يتمثل النزوع الفكري بينما المعيشي يتعالق مع الإجرائي، وبالتالي يصبح الوجودي متمرئيا في مجال الفعالية التي تأخذ في حساباتها فلسفة الرّاهن بتشكلاته النّظرية والإجرائية، وهو ما يضعنا في جوهر الأمل السارتري الذي هو ‘طريقة ما في اكتناه الغاية التي يرى الإنسان انه قادر على تحقيقها’، وبالتالي فهو نقيض اليأس الذي هو المسافة الفاصلة بين إمكان الفعل وتحققه، ولعل هذه الرّؤية للأمل الإنساني تعتبر من أهمّ العناصر في الوجودية السّارترية، لأنّها تضع الوجود الإنساني في حدود إمكاناته الإنجازية، وهو ما يضفي البعد الجمالي على المقدرة البشرية في انهماكها الواقعي المحدّد بالمعيش والمؤطّر بالسّؤال والمعنى.
يتحطّم الحلم النّتشوي في ماهيته الإنسانية المناهضة لفعل الإنتهاك المأساوي للقاء البشري، الذي يستمر عبر التداخلات العميقة واللاواعية لأنماط من الأسئلة العالقة، حيث كينونة الحب تشتغل كموضوعة منفصلة عن الوجودات المتمترسة خلف خصوصيات الفضاء الثقافي بمكوّناته المحدّدة للنموذج الوجودي، فالبنية الوجدانية تمتحن السّؤال الوجودي في تعالقاته الإنسانية وأنساقه الأشدّ حلما ومخيالا، لهذا نجد محمّد إقبال يراهن على ‘الإنسان الكامل’، ليس في مناهضته للإنسان ‘الأعلى النتشوي’، لأنّه، أي إقبال، يؤكّد على أن فكرته حول ‘الإنسان الكامل’ كانت قبل قراءته لنيتشه، وهو ما يفنّد الإدّعاء الإعتباطي في الفصل الحقلي ما بين الوجودات الإنسانية الخالصة، فالكمال وجداني ينبع من النّقص وإدراك الجمال في تمثل الحركة نحو الأعلى، والمفهوم ينحو صوب الصوفية المتصالحة مع الإنساني في حنينه الأزلي للنّفير المستقر نحو الهجرة إلى السّماوي، بينما فكرة الإنسان الأعلى وانتصارها لمسار الفصل عن الرّوحانية المستمرّة في نَفَسِ الحلم المسيحي المستقر في الذّاكرة الجمعية كاندماج عنيد مناهض لكل انسداد عقلاني يرتّب التمركز، وهو ما حدث بالفعل في تأهيل التصوّر نحو انبعاث فلسفي للإنسان خارج أطر القيم الباعثة على التّداخل الوجداني الممجَّد بسطوة الحب العصيّة على القبض، فهي هاربة تتعرّف خارج ‘المركزية الغربية’ المتاحة في سطوة ‘الأعلى’، حيث ينهار الحلم النّتشوي في هيئته كامتداد للمعرفة وللحقيقة الهاربة حينما تشتغل الأنساق الثقافية على حلم الإرادة كجمالية تنبثق من السّؤال الفلسفي للدّيمومة، والذي تبلوره فكرة ‘العود الأبدي’ في سياقاتها اللغوية والمفهومية المتناسقة مع التطور الفكري المصاحب للحقب العقلية المتتالية.
لكن يبقى للنّتشوية مدار المخاض الذي يناهض الإستكانة المَرَضية للحالة المتفرّدة في المغزى والمصرّة على النّفي، حيث تكشف عن تفاؤل مرتاح وهادئ إلى حلم الإستعادات النّاجمة عن ‘العود الأبدي’، فالأيلولة أمل يتحقّق بعودة الزّمن حينما تنتهي دورته الرّاهنة، والتّعاقب يؤكد فكرة الزّوال المنتجة للخيال والمنصّصة للحلم، ويكسّر رتابة الاستمرارية في الفكر الزّمني البرغسوني، والأمل النّتشوي يتأسّس عند دائرية الزّمن حين نلتف حول الذات الزّمنية من حيت تركيباتها المعرفية والوجودية كي نحيل تمركزها الذّهني حول ذاتها بالمفهوم النّقدي وليس الإنطوائي، على تفكيك ميراثها وذاتها، والمفهوم الإنطوائي يتشكل في فكرة الزّمن المستقيم على أساس رياضية معلم الإحداثيات، حيث ينفصل المعنى عن الكينونة وتتكثّف لحظة الذات بالترسيم الفج لأفق حركتها، فلحظة الآن حسب الرّؤية النّتشوية هي إشراقة الرّبط بين الماضي والمستقبل، وبالتالي يتلغّز الحاضر، وينطرح الحضور كإشكالية لأنّه يتأسس كبناء لغيابين. كاتب جزائري