بعد الحربين العالميتين وإنهاء الثانية بالهجوم الذري الأمريكي على اليابان، ثم إنهيار الإتحاد السوفياتي، وإعادة تشكل العالم، وتسارع تطور صناعة الأسلحة (بما فيها النووية، الكيميائية، البيولوجية) وأشكال الحروب، ومنها الإلكترونية.. بعد كل هذا أصبح من الضروري إعادة تعريف الحرب والتخطيط لها وإدارتها وأدواتها وكيفية إنهائها.
تحدث الآن الصراعات الدينية بصورة فظة وبشعة ومدمرة، حيث عملت الدوائر العظمى على تهيئة البيئة الموضوعية، وشحذ الههم الذاتية؛ لإشعالها وضمان إستمراريتها، بحيث أصبحت تلك الصراعات، بأشكالها ومستوياتها وأنواعها، تطبع بصمة جلية على جبين القرن الحادي والعشرين.
في الفترة ما بين عامي 1992/ 1993 أقيمت ورشة، شارك فيها نخبة من صناع السياسات الأمريكيين، من بينهم تشيني، رامسفيلد، باول، وكيري؛ وأوصت بضرورة تحويل الصراع الأساسي في الشرق الأوسط، إلى صراع سني شيعي وليس عداء صهيونيا عربيا.
وفي الفترة ما بين عامي 1993/1994 نشرت دراسة دعت إلى أهمية ما يعرف بـ’الفوضى الخلاقة’ (وهذه تحتاج لشحن بأفكار متعددة متناقضة فئوية)، وبرزت بعد ذلك مفاهيم صراع الحضارات للكاتب صموئيل هنتينغتون، ونهاية التاريخ للكاتب فوكوياما، فكانت كلها تهيئة للصراع القادم في المنطقة. وأشار الكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي، من خلال وثيقة سرية حصل عليها العام 1986، إلى ‘عشر إستراتيجيات تتبعها دوائر النفوذ في العالم، للتلاعب بمجموع الناس وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم’.
إن ما ذكره تشومسكي من إستراتيجيات؛ كان من ضمنها معرفة الأفراد أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، وبالتالي السيطرة عليهم، وذلك من خلال معرفة النخب لمجالات عديدة كالأحياء والأعصاب وعلم النفس، تمكن هذه النخب من التعرف على الكائن البشري، بصورة تجعلهم قادرين على معرفة الفرد المتوسط أكثر مما يعرفه عن نفسه.
لقد طرحت النظرية الإشتراكية طريقاً لبناء عدالة إجتماعية، وإعتبرت تلك النظرية أن أساس الصراع في العالم هو طبقي ـ إقتصادي بإمتياز. ورغم ما أحاط النظرية تلك، من تأييد أو رفض، الا أن ذلك لا يقلل من وجود دول قامت على أسس تلك النظرية، ولا زالت هناك دول وأحزاب وحركات ومجموعات تتبنى النظرية الإشتراكية، فيما هناك من فشل في السير بركابها، وأخيراً هناك من يراوح بين تبني تلك النظرية أو رفضها. وقد إنتقلت خلال العقود الماضية، بفعل تحولات متباينة، أنظمة إشتراكية إلى نظم من نوع آخر، دون مرورها ببحر الدم كما يحدث الآن من تشويه لجوهر الصراع الإقتصادي بين البشر.
إن العزف على وتر العاطفة الدينية بين شعوب المنطقة، وبين أصحاب الدين الواحد، ورغم أن هذه بداية مساسل الدم الذي لن ينتهي كما يتخيل البعض، فإن هذا الصنف من الحروب، عند تعمقها ستضرب في عمق المثل والقيم والمبادئ الإنسانية كلها وفي كافة بقاع الأرض، وتصبح معاييرها ضبابية غير مرئية وزئبقية، وتخضع لمزاجات شخصية في قيادتها وتوجيهها، وبالتالي إختزال تطور البشرية إلى مجموعة إرشادات وتوجيهات وفتاوي، في أحسن أحوالها لا ترى بصورة واضحة طريق الأمم المستضعفة.
عبدالله أبومازن