نير الدكتاتورية المستبدة ونير الديمقراطية المشروطة

حجم الخط
0

نصر شمالي

يقول أحد الحكماء الأفارقة في وصفه لأوضاع العالم المعاصر، انه محظور على الشعوب أن تختار إلا ما هو مفروض عليها فرضاً، وبالفعل، ها هو شعب تونس ينتفض ضد الدكتاتورية الفردية، المفروضة عليه من قبل الاحتكارات الدولية، فيسارع الذين فرضوها إلى تأييد انتفاضته بعد نجاحها، ويشجعونه على التوجه نحو الانتخابات الديمقراطية والتعددية السياسية، إنما بالصورة التي تبقي نفوذهم وتحفظ مصالحهم، أي أنهم يشجعونه على إقامة نظام يواصل مهام الدكتاتورية المستبدة، إنما بطرق أخرى ديمقراطية.

إن الاحتكارات الدولية، الأوروبية والأمريكية، بينما هي تتظاهر بالتعاطف مع الشعب التونسي، تترك الباب مفتوحاً على جميع الاتجاهات والاحتمالات الأخرى، ليس احتمال العودة إلى نظام الاستبداد الدكتاتوري وحسب، بل احتمال اللجوء إلى إشعال نيران الحرب الأهلية العمياء، كما فعلت وتحاول أن تكرر في لبنان وفي ساحل العاج وفي السودان، وذلك عندما لا تتحقق عملية الانتخابات الديمقراطية التونسية بالصورة التي تريدها المركزية الأوروبية ـ الأمريكية وتعمل على فرضها.

لقد شككت صحيفة ‘واشنطن بوست’ في مقدرة الانتفاضة أو الثورة الشعبية التونسية على تثبيت الديمقراطية، فهي تخشى عليها من وصول المتشددين إلى السلطة، ومن التطلع إلى أهداف غير واقعية، ومن السقوط تحت ضربات العنف المضاد، وهي ترى أنها مجرد ثورة شباب ضد الفاسدين التونسيين الكبار فقط لا غير، أي أنها قاصرة، محدودة الأهداف. والصحيفة ترى أنه ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تأخذ بيد الثورة، بضمان عدم عودة الحكم الاستبدادي من جهة، وعدم قيام حكومة متعاطفة مع الإسلاميين من جهة أخرى.

وبالطبع فإن التعاطف التونسي مع الإسلاميين، المرفوض مسبقاً من قبل الأمريكيين والأوروبيين، لا يتعلق بالسياسة التونسية الداخلية الديمقراطية فقط، بل يتعلق بالسياسة التونسية الخارجية التحررية أيضاً، أي بالتعاطف مع حركة حماس الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، أو مع دولة كإيران مثلاً، وهكذا تكون الديمقراطية التي يريدها الأطلسيون لتونس ديمقراطية مشروطة، بمعنى مفروضة، لا تخرجها من تحالفاتها الإقليمية مع الأنظمة الاستبدادية التي تربطها علاقات وطيدة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتبقيها في فلك الاحتكارات الدولية المركزية، أي في فلك ما يسمى بالمجتمع الدولي.

إن المجتمع الدولي الذي يبدي اليوم حرصه الشديد على مصلحة تونس ومستقبلها، والذي يراد له أن يحظى بطابع القداسة لدوره التحكيمي الدولي الموجب للاحترام والانصياع، ليس سوى ذلك ‘الشيء’ الذي يخفي وراءه براثن كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما يصفه الكاتب الغيني تييرنو موليمبو. إنه ‘المجتمع’ الذي فرض الديكتاتوريات على شعوب العالم بالأمس، ويريد اليوم أن يعين لها حكامها الديمقراطيين، أو ‘الديمقتاتوريين’، وهو التعبير الذي يلقى رواجاً في مختلف بلدان القارة الأفريقية، كما يشرح الكاتب الغيني. إن هذا ‘المجتمع الدولي’، الذي يفترض أن واجبه إخماد الحرائق، لا يتقن سوى إعادة إضرامها، (راجع مقالة تييرنو موليمبو ـ صحيفة ‘السفير’ ـ 15/1/2011). وهكذا فإننا، إذا ما نظرنا إلى ما هو خلف الثورة التونسية وخلف الدكتاتورية التي أسقطتها، سوف نجد بلداً أنهكته الاحتكارات الأوروبية والأمريكية، وأوصلت أبناءه إلى حد الإقدام على الانتحار حرقاً، بعد أن حولت الشركات المتعددة الجنسيات هذا البلد إلى مناطق إنتاج مستباحة هزيلة التكاليف، وإلى ورشات تعيد إنتاج السلع الدولية بأبخس الأجور، وبما لا يكاد يسد رمق الشغيلة، أما عن الضرائب الحكومية فهي لا تستحق الذكر، قياساً بقيمة الوطن المستباح، وقد حققت الاحتكارات ذلك بالتواطؤ مع الديكتاتورية وأوساطها الفاسدة، التي تحقق بدورها ثراءً فاحشاً بمجرد التقاط فتات هذه الشركات. أما السياحة التي اشتهرت تونس بها، والتي تحقق أرباحاً هائلة لشركاتها الدولية وفروعها المحلية، فقد حولت البلد وشعبه إلى ما يشبه محمية طبيعية سياحية، وأما الأفظع والأخطر من كل ذلك فهو تحول تونس إلى قاعدة عسكرية أطلسية ـ أميركية، معدومة الاستقلالية والشخصية، ومركز انطلاق للعدوان على شعوب المنطقة عموماً، عندما تستدعي الحاجة ذلك.

إن معظم حكام المنطقة، بل معظم حكام بلدان آسيا وأفريقيا، احتلوا مناصبهم عبر انقلابات عسكرية أوعبر انتخابات مزورة. وتعطينا الانتخابات الديمقراطية التي جرت في ساحل العاج، والتي لا تزال نتائجها معلقة، صورة واضحة عن السبب الحقيقي الذي يجعل ‘المجتمع الدولي’ يهب لمؤازرة المرشح الرئاسي الحسن واتارا، الذي يبدو أنه فاز بفارق ضئــــيل بالأصـــوات، بينما رأيناه يهب بالأمس ضد فوز حركة حماس الفلسطينية في الانتخابات التشريعية، ثم يعزلها في غزة، ويشن ضدها حرب إبادة شاملة. إن السبب الكامن وراء المؤازرة الدولية لواتارا في ساحل العاج، هو كونه نائب الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، أي أنه مرشح هذا الصندوق، بينما مرشحو حماس في الانتخابات الفلسطينية لم يكونوا كذلك، فحيل بينهم وبين نتائجها، وبناءً عليه ينبغي على المرشحين الشرفاء في الانتخابات الديمقراطية التونسية القادمة أن يكونوا كواتارا، وإلا حرموا من تنظيم الانتخابات، أو من الفوز فيها، أو من استلام السلطة بعد فوزهم.

وكما يقول تييرنو موليمبو، فإن مثل هذه التفاصيل البسيطة توضح أكثر من جميع الخطابات حقيقة مثل هذه الديمقراطية، المشروطة المفروضة، وتكشف السبب الذي جعل انتخابات بسيطة في بلد أفريقي بسيط، إنما يحتل موقعا استراتيجياً حساساً في منطقته، تأخذ بعداً عالمياً، فهذه ‘القرية الكونية’ تتألف من علاقات وصداقات، ولكي يفوز المرشح في الانتخابات لا داعي لإجهاد نفسه، لأنه ببعض الحظ وبعض المعارف، في هيئة الأمم أو البيت الأبيض أو الإليزيه، سيضمن الفوز.

إننا إذا ما قلنا ان هذا العالم محكوم بنظام احتكاري شايلوكي يجعله موحداً ومجزأ في آن معاً، ويجعل أقليته مرفهة وأكثريته معذبة في آن معاً، فنحن نصف الواقع. أما السعي إلى الخلاص، في المدى المنظور، فيقوم على استراتيجية حرب المواقع، وتحقيق التقدم بتراكم الأرباح الصغيرة (ربما بالنقاط). إن ما يستطيعه الشعب التونسي (وغيره طبعاً) هو العمل على تحصين المواقع المتقدمة التي حررها واحتلها، والعمل على تحرير واحتلال غيرها، والنجاح في الاحتفاظ بها، أي أن لا يتراجع عما أحرزه، وأن يصبر ريثما تقع الأحداث الإيجابية الأعظم في المنطقة العربية وفي العالم، فالطريق إلى الخلاص الحقيقي طويلة، لكن طولها لا يعني عدم تحقيق الانتصارات النسبية، والإصلاحات الجزئية، فتراكمها ضروري لتحقيق الخلاص الحقيقي، الخاص والعام.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية