لندن – “القدس العربي”:
تحت عنوان “انتقام باتيستا” كتب المحاضر الزائر بجامعة براون الأمريكية أندريه بيغليارني مقالا علق فيه على تنصيب الرئيس البرازيلي الجديد جائر بولسونارو الذي يمثل عودة القوى الرجعية إلى أمريكا اللاتينية. ومن المفارقة أن حفل تنصيبه تصادف مع مرور 60 عاما على الثورة الكوبية التي أطاحت بالديكتاتور باتيستا. واستشهد بمقاله الذي نشره موقع “ذا نيو ريبيالك” بالتعليق الذي كتبته صحيفة نيويورك تايمز في الثاني من كانون الثاني 1959 “ديكتاتور آخر سقط، الجنرال الكوبي فولجينكو باتيستا، الله لا يعيده”.
وقبل ذلك بيوم قامت مجموعة من الثوريين الشباب يقودها المحامي والوطني المتحمس فيدل كاسترو بالسيطرة على العاصمة هافانا. ويمثل اليوم الأول من عام 1959 ذكرى المحاولة الفاشلة التي قامت بها مجموعة من المقاتلين بهجوم على ثكنات موكاندو في سانتياغو دي كوبا وآخر على ثكنات مانويل دي سيسبيدز في مدينة بايامو. وقاومت قوات الحكومة المتمردين الذين انسحبوا إلى سفوح جبال سييرا مايسترو. ومن لم يقتل من المهاجمين ألقي القبض عليهم بعد عدة أيام. وفي رد على المحاولة الفاشلة قال كاسترو في خطاب استمر أربع ساعات “سيبرئنا التاريخ”. ورغم الحكم عليه وأخرين مدة 15 عاما في السجن إلا أن العفو صدر عنهم وقرروا الانتقال إلى المكسيك في عام 1955 حيث التقوا طبيبا أرجنتينيا شابا اسمه إرنستو غيفارا والذي انضم للثوريين المنفيين في رحلة العودة عام 1956 لاستئناف الكفاح الثوري. ويعلق الكاتب أن كوبا اليوم تمثل أشياء مختلفة لأناس مختلفين. وبالنسبة للبعض فهي ديكتاتورية متداعية وبلد شاذ عفا عليه الزمن بمنطقة تخلت عن يوتوبيا الثورة.
وهناك من يرى في الجزيرة الاشتراكية عصب المقاومة المبدئية رغم الصعاب. وظل كاسترو في السلطة في فترة شهدت 10 رؤساء أمريكيين، رغم محاولات القوة الأعظم في العالم المتتالية للإطاحة به من السلطة. فالثوري الملتحي الذي لا يقهر أضاف بعدا للسحر المدمر الذي حمله الناس عن الجزيرة. وهو ما أدى إلى دعم الولايات المتحدة سلسلة من الحركات العسكرية الرجعية في كل أنحاء أمريكا اللاتينية. وتم تقديم المبرر لهذه الأنظمة من خلال مفاهيم الحرب الباردة، وكان لديها ملامح مهمة، منها أن نجاح النموذج الثوري الكوبي يمثل تهديدا وجوديا على الوضع القائم في القارة اللاتينية. فلو كان كاسترو الحفنة الصغيرة التي تدعمه قادر على الإطاحة بالديكتاتور باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة. فلماذا لا يقوم الفقراء المعدمون في شمال- شرق البرازيل بنفس الأمر؟ ومع خروج كوبا تدريجيا من المحور الأمريكي والإنضمام للفلك السوفييتي ساد قلق من اتباع البرازيل نفس المسار. وكانت خسارة أمريكا لجزيرة صغيرة في الكاريبي شيء لكن خسارتها أكبر دولة في أمريكا اللاتينية متحالفة معها ستكون فادحة. ولهذا حاول كل من جي أف كيندي وليندون جونسون، المحاربان في الحرب الباردة منع هذا الخيار من التحقق. ويرى الكاتب أنه أيا كان خطأ الثورة الكوبية فإنها منحت الملايين الأمل بأنهم يستطيعون السيطرة على مصيرهم وصناعة حكوماتهم بالطريقة التي يريدونها. وبالنسبة للدول القوية فهذه مشكلة. ففي عام 1962 حذر معهد الشؤون العامة من إمكانيات الثورة في الدول الواقعة جنوب الولايات المتحدة بسبب المظالم الشرعية التي يحملونها. وجاء في تقريره: “هناك اعتقاد سائد في معظم دول أمريكا اللاتينية أن الحكومات يقودها رجال لا يهتمون باحتياجات السكان من أصحاب الدخل المتدني. وأن هؤلاء الرجال سيلجأون إلى السلاح لمنع ظهور حكومة ممثلة للمجتمع”. ولهذا أصبح احتواء الحركات الاجتماعية التي ربما قادت إلى تمرد هوس القوات المسلحة في دول القارة اللاتينية. وكما أشار المؤرخ جيري دافيالا ” قام كاسترو بإعدام ضباط الرئيس الذي أطاح به ولهذا تعامل ضباط جيوش أمريكا اللاتينية مع الكفاح ضد حركات التمرد بأنه حياة أو موت”. ومثل السيطرة على هافانا في الأول من كانون الثاني (يناير) 1959 فتنصيب جائر بولسونارو كرئيس للبرازيل في الاول من كانون الثاني (يناير) 2019 هي مناسبة تتوج أحداثا متعددة.
فهي تأكيدا لفاعلية الإحياء اليميني الذي بدأت تتجمع قواه في عام 2013 عندما أدت التظاهرات الحاشدة لسد كل شرايين البلد الرئيسية. وفي عام 2016 خرج المتظاهرون إلى الشوارع وهذه المرة للمطالبة بتنحية الرئيسة ديلما روسيف. وبدأت المطالبة بمحاكمة الرئيسة بعد الفوز الرابع وعلى التوالي لحزب العمال، الذي يمثل يسار- الوسط. واتهم المتظاهرون الحزب الذي حكم البلاد على مدار 13 عاما بعد فوز لويز لولا دي سيلفا، والحزب الذي له حصته من الفضائح، بأنه يقوم بتخريب لحمة المجتمع البرازيلي والاصطفاف مع دول منبوذة مثل فنزويلا وإيران. ونسي المتظاهرون أن الحزب هو الذي أخرجهم من الفقر المدقع. ويرى الكاتب أن الدافعية العنيفة التي قادتها القوات المسلحة والتي قامت بالإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيا والمقرب من العمال جواو غولار في عام 1964 لم يتخل عن التدخل في الحياة السياسية رغم عودة الحكم إلى المدنيين في عام 1985.
ويرى الكاتب أن الفكرة التي تقوم على تحدي النظام القائم يجب أن تجبه بالقوة المفرطة ظل موجودة تحت سطح الحياة الوطنية رغم عودة الحياة المدنية. وعلى هذه الخلفية من الأزمة الاقتصادية والفساد والأرقام الفلكية للجريمة قاد بولسونارو حملة ضد المنهج التقدمي بدون أي برنامج انتخابي ولا أجندة جوهرية باستثناء زيادة عنف الدولة ضد المجرمين. فنهاية الحرب الباردة والتي أنهت رؤية إما أسيود أو أبيض وشرق ضد غري لم تضف تعقيدا لرؤية الملايين الذين لا يزالون أي تقدم ولو كان خفيفا تهديدا. وفي الوقت الذي يتغير فيه الحري في كوبا فإن أصداء ما حدث في عام 1959 لا يزال يتردد صداه في أمريكا اللاتينية حيث تعاني فنزويلا وكوبا بعبع النزعة المحافظة في المنطقة. وهناك مفارقة أن يتم تنصيب الرئيس البرازيلي الرجعي بولسونارو في الذكرى الستين للثورة الكوبية. فتذكر أمال الثورة في الماضية التي حققتها من خلال العنف والمقاتلين غير المنتخبين تتزامن مع الوعد الديكتاتوري اليوم الذي تم تحقيقه من خلال صناديق الاقتراع. والسؤال هو من سيبرؤه التاريخ؟