لندن- “القدس العربي”: وصفت روبن رايت، المعلقة في مجلة “نيويوركر” التحقيق السعودي في جريمة قتل جمال خاشقجي بأنه مهزلة تراجيدية.
وقالت فيه إن السعودية التي التي أنكرت وعلى مدى ستة أسابيع علاقة الأمير محمد بن سلمان بمقتل صحافي “واشنطن بوست” إلا أن هذه الصحيفة نشرت في وقت متأخر من ليلة الجمعة تقريرا عن نتيجة قوية توصلت إليها المخابرات الأمريكية وهي أن محمد بن سلمان ضالع في الجريمة.
وجاء التقييم الأمريكي بناء على ما قال مسؤولون في الوكالة إنه معلومات محددة وفرتها تركيا بما في ذلك تسجيلات صوتية من داخل القنصلية ومكالمة من القنصلية إلى السعودية مباشرة مع الجريمة. واطلعت تركيا جينا هاسبل، مديرة الإستخبارات الأمريكية على فحوى التسجيلات إلا أن الولايات المتحدة لديها طرقها للتنصت على المكالمات التي تم استعادة بعضها من أرشيفها الإلكتروني بعد اغتيال خاشقجي في 2 تشرين الأول (أكتوبر) منها مكالمة بين ولي العهد وشقيقه الأمير خالد، السفير في واشنطن. ومكالمة ثانية بين الأمير خالد وخاشقجي ينصحه فيها بالسفر إلى تركيا للحصول على الأوراق اللازمة لزواجه.
وتقول إن الرواية الأمريكية تناقض ما أصدرته السعودية قبل يوم واحد من نتائج والتي خبصت فيها الأمير محمد من كامل المسؤولية.
وعلقت الكاتبة ساخرة على تصريحات عادل الجبير، وزير الخارجية الذي تحدث يوم الخميس برأس مرفوع للصحافيين قائلا: “ارتكبت بعض الأخطاء”. ولململت المملكة تحقيقها عبر اتهام 11 شخصا منهم خمسة يواجهون حكم الإعدام، وقدمت الآن رواية رابعة إن لم تكن الخامسة عن مقتل الصحافي السعودي.
فمن الخروج من القنصلية إلى الموت عبر عراك والخنق، وفي ذلك الوقت أكد الجبير أن جثة خاشقجي لفت بسجادة وأخرجت من السجادة دون تقطيع. واعترفت الحكومة لاحقا بـ”تجزئته” أي تقطيعه. وفي الرواية الأخيرة تعترف السعودية بموته نتيجة حقنة زائدة من إبرة تخدير. وأنهى التحقيق السعودي نتيجته بالترحم على الفقيد “الله يرحمه”.
وتقول الكاتبة إن الإعلان السعودي أثار عددا من الأسئلة بدلا من تقديمه إجابات. منها عدم ذكر اسم أي واحد من المتهمين. ولا تزال المملكة تتدعي أنها لا تعرف مكان دفن الجثة بعدما سلمتها لـ”متعهد محلي” والذي تزعم أنها لا تعرف اسمه. وقالت إنها قدمت “صورة تقريبية له” إلى السلطات التركية.
ولم يجب التحقيق عن السؤال المتعلق بأحد أعضاء الفريق بطول وحجم خاشقجي وارتدى ملابس القتيل وخرج من القنصلية وقام بعد ذلك بتغييرها في حمام عام ورميها في سلة القمامة. وهناك قصة المنشار الذي كشفت عنه صور الأشعة في المطار بحقيبة أحد أعضاء الوفد القاتل.
وتعلق رايت أن التحقيق السعودي أصبح مهزلة. ومن “خلال القراءة بين السطور فالتقرير يبدو مصمما على مواجهة الشك الواسع من أن الحاكم الفعلي الشاب ولي العهد محمد أو “م ب س” كما يعرف هو الذي يقف وراء القتل”.
وقال الجبير “لا علاقة لولي العهد بهذا الأمر”. وأكد على معاقبة المتورطين وأن السعودية لن تقوم بأفعال في المستقبل.
وبدلا من تخفيف الضغط عن المملكة فقد حفرت النخبة المقربة من الأمير حفرة عميقة لها حسبما قال مسؤولون في الكونغرس وخبراء ومحللون.
وقال جيمس سميث، السفير الأمريكي السابق في الرياض: “إذا أخذنا طبيعة النظام المسيطرة فمن الصعب تخيل تنفيذ جريمة بدون موافقة أو تفهم مسؤول بارز”، و”بدون أي مستوى من الشفافية فما لدينا الآن هو “ثقوا بي””.
ويرى بروس ريدل، المحلل السابق والخبير في معهد بروكينغز أن التحقيق هو عملية “تستر تمت بطريقة فقيرة” و”قصتهم غير مقبولة – فرقة من 15 قاتلا في اسطنبول تسيطر على المبنى الدبلوماسي بدون تعليمات من القيادة السعودية وقتل جمال خاشقجي، فالعقل المدبر هو بالتأكيد ولي العهد وهذا هو سبب التستر”.
ويرى غريغوري غوس، مدير مدرسة الحكم والخدمات العامة في جامعة تكساس إي أند أم، أن المملكة تريد معاقبة المنفذين الحقيقيين للجريمة، إلا أن التحقيق من ناحية تحديد مسؤولية القيادة العليا في الحكومة السعودية بمن فيهم ولي العهد يحمل “صفر مصداقية”.
وعلى ما يبدو فإدارة ترامب مستعدة لقبول الرواية، حيث أعلن وزير الخزانة، ستيفن مونشين بعد ساعات من إعلان السعودية عن عقوبات اقتصادية على 17 سعوديا، بعضهم من مستشاري الأمير. إلا أن العقوبات سيكون لها أثر محدود خاصة أن معظم الذين شملتهم العقوبات سجناء في السعودية،
وأجبرت إدارة ترامب على التحرك بعد دعوة الكونغرس الرئيس الشهر الماضي لتفعيل قانون ماغنستكي الذي يعاقب الأشخاص ومنتهكي حقوق الإنسان. ويرى غوس أن التحرك الأمريكي هو “رد محدود”.
ويوافق ريدل أن العقوبات التي فرضتها الخزانة هي “رمزية”، مضيفا أن الإدارة “تحاول وبشكل يائس إنقاذ م( ب س) من نتائج سوء تقديره”. وعبر الجمهوريون والديمقراطيون عن شكوك من مواقف البيت الأبيض.
وقال تيم كين، السناتور عن ولاية فرجينيا حيث عاش خاشقجي: “يبدو أن الإدارة تتبع القواعد السعودية والتي تلقي اللوم على مسؤولي من المناصب الوسطى وتبرئ القيادة”.
واتهم بن كاردين، السيناتور الديمقراطي عن ميريلاند، وعضو لجنة العلاقات الخارجية إدارة ترامب “بمساعدة” المملكة ومحاولات “حماية ولي العهد من العقاب”.
ويوم الأربعاء، قال النائب ليندزي غراهام الذي يدافع عادة عن ترامب إن ولي العهد “شخص غير مستقر ولا يوثق به ولا أعتقد أن الأمر سيصلح طالما ظل موجودا”.
وتقول رايت إن الرهانات التي تتكشف من مقتل خاشقجي تتردد خارج المملكة وعبر الشرق الأوسط، فثلاثة من استراتيجيات ترامب الخارجية – التشديد على إيران والتسوية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين ومواصلة مكافحة الجهاديين- تعتمد على دعم السعودية وبالضرورة على دعم محمد بن سلمان. والذي قام بتقوية دعائم حكمه منذ العام الماضي.
وحاولت الإدارة منذ مقتل الصحافي البحث عن طرق قانونية لتخفيف ضغط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على السعودية ومحاولة استرضائه والبحث بإمكانية ترحيل رجل الدين فتح الله غولن، الذي كان حليفا سابقا للرئيس والمتهم بتدبير المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016.
وترى رايت أن المزاج في الكونغرس غاضب على السعودية، وهناك محاولات من الكونغرس لاستصدار قوانين عقابية تعلق بيع السلاح للسعودية خاصة المستخدم في اليمن وتجعل من تزويد المقاتلات الأمريكية المقاتلات السعودية المشاركة في ضرب أهداف داخل اليمن محظورا. ورغم كل هذا لم تقدم الإدارة إلا بعض من الرؤى الضيقة حول قضية خاشقجي. فقد سافرت جينا هاسبل إلى أنقرة واطلعت على التسجيلات التي يملكها الأتراك. وقال غوس، من جامعة تكساس إي اند أم: “تعرف الإدارة عن هذه القضية أكثر مما تفصح”.