الصحافي السعودي جمال خاشقجي
لندن- “القدس العربي”: تساءلت المعلقة في مجلة “نيويوركر” روبن رايت عن مصير الصحافي السعودي المختفي في القنصلية السعودية في إسطنبول: هل قتل السعوديون جمال خاشقجي؟ وبدأت مقالتها بحديث سابق لها مع الصحافي: “آخر مرة تحدثت فيها مع جمال خاشقجي كانت في أغسطس/ آب، وكان خائفاً على حياته. فالمعارض السعودي (59 عاما) محرر سابق ومستشار سابق للحكومة كان مقتنعاً بأن القيادة الجديدة في المملكة تريد قتله: “بالطبع، يحبون أن يروني خارج الصورة”. وتعلق إنه قال هذا الكلام سابقاً ولكنه كان يعيش في المنفى في واشنطن منذ أكثر من عام. ولهذا اعتقدت أنه كان يبالغ في الكلام، ربما لا”.
فلم ير خاشقجي منذ أن ذهب إلى القنصلية السعودية في اسطنبول، يوم الثلاثاء الماضي، بغرض الحصول على أوراق تؤكد أنه مطلق كي يستطيع الزواج من جديد. وقالت خطيبته التي انتظرت في الخارج إنه لم يخرج أبداً. وتقول رايت إن أياماً خمسة مضت بدون أية دليل على بقائه حياً فيما تزعم منظمات حقوق الإنسان الدولية اختطاف خاشقجي. وفي يوم الأحد، نقلت وكالة أنباء رويترز عن مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ياسين أقطاي قوله إن تركيا تعتقد أن جمال خاشقجي قتل في داخل القنصلية، مضيفاً أن 15 سعودياً شاركوا في اغتياله. من جانبه أخبر أردوغان الصحافيين أن حكومته تحقق في الحادث “يتم فحص المداخل والمخارج للقنصلية والمطارات ويتم النظر ومتابعة كل السجلات لكاميرات المراقبة”. و”نريد الحصول على النتائج بسرعة”. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تتابع القضية عن كثب.
وأخبر زميل لخاشقجي الصحافيين يوم الأحد بأن الحكومة التركية نصحته “بتحضير مراسم الجنازة” وأن خاشقجي “قتل بطريقة بربرية” ثم قطع إلى أجزاء بحسب طوران كيسلاتشي، الذي يترأس الجمعية التركية العربية للإعلام. وزعم تقرير آخر أن جثة الصحافي نقلت إلى السعودية.
وتقول رايت إن خاشقجي كان صوتاً مهماً في المملكة “وأعرفه منذ عقود، وكان موالياً للعائلة المالكة. وبالنسبة للصحافيين والخبراء كان دائماً الشخص المناسب لفهم طريقة تفكير العائلة المالكة”. وتشير إلى عمله في صحيفة “الوطن” التي ترأس تحريرها وكان مديراً لمحطة تلفازية. ولكنه أصبح وبشكل متزايد ناقداً للحكومة. وفي يونيو/حزيران 2017 غادر السعودية. وتشير الى أن خاشقجي أثر على النقاش المتعلق بمستقبل السعودية وهو في المنفى الاختياري. مع حوالي 1.7 مليون متابع على “تويتر” ومقالات في قسم الآراء الدولية في صحيفة “واشنطن بوست” وظهور منتظم على القنوات التلفزيونية الدولية.
لغز غريب
وتضيف رايت قائلة إن اللغز الغريب الذي يحيط باختفاء خاشقجي هو جزء من التوجه العام منذ تعيين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد في يونيو/ حزيران 2017 والذي يعرف بـ “م ب س” والذي وعد بإصلاحات واسعة ولكن حكمه تميز بالشراسة وحملات الاعتقال الجماعية لرجال الأعمال وحتى الأمراء من عائلته وأحكام إعدام صدرت العام الحالي على ناشطات في مجال حقوق الإنسان ودعاة إسلاميين معتدلين وقفوا ضد التطرف. وعلقت سارة لي واتسون مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة “هيومان رايتس ووتش” “بالإضافة إلى اعتقال الناشطين والكتاب والمشايخ ورجال الأعمال داخل السعودية حيث يزعم السعوديون أن هناك بعض “الإجراءات” فإن ما يبدو أنه اختطاف خاشقجي هو جزء من أشكال لا يمكن للسعوديين الزعم بأن هناك مظهراً قانونياً لها”.
وتشير واتسون الى أن حملة الاستفزاز والقمع المتزايدة تشمل اعتقال لجين الهذلول، الناشطة في مجال حقوق المرأة في مايو/ أيار والتي جاءت مرة في المرتبة الثالثة من بين أقوى الشخصيات النسوية العربية الأكثر تأثيراً، حتى في وقت كانت المملكة تقول فيه إنه تفتح الفرص للمرأة من خلال السماح لهن بقيادة السيارة وهو أمر دعت له الهذلول. وأشارت واتسون إلى حادث آخر وهو الهجوم الأحمق على غانم الدوسري، المعروف بفيديوهاته الساخرة على اليوتيوب التي ينتقد فيها العائلة الملكية الحاكمة، حيث هاجمه عميلان سعوديان في لندن. وتم في السابق اختطاف ثلاثة أمراء سعوديين منذ وصول الملك سلمان وابنه محمد إلى السلطة عام 2015 حسبما جاء في برنامج عرضته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وتقول واتسون إن “هذه الأفعال لو اخذت مجموعة تعكس الطبيعة الوقحة والفظة التي تشبه القذافي لولي العهد وفوق كل هذا فهي رسالة للسعوديين في الداخل والخارج بالصمت فأنتم لستم بمأمن ولا قانون يحميكم”.
وفي مقابلة أجرتها “بلومبيرغ” معه يوم الأربعاء وصف بن سلمان التقارير عن اختطاف خاشقجي بأنها “شائعات” غير صحيحة. وتعهد بالتحقيق في القضية بالتعاون مع السلطات التركية “ما فهمته أنه دخل وخرج بعد دقائق معدودة أو ساعة، لست متاكداً” و”نحن مستعدون للترحيب بالحكومة التركية والدخول للمكان، مع أنه أرض سيادية، ولكننا سنسمح لهم بالدخول والتفتيش وعمل ما يريدون، فليس هناك ما نخفيه”.
وفي يوم السبت وبعد أربعة أيام من اختفاء خاشقجي سمح القنصل السعودي العام محمد العتيبي لمراسل “رويترز” بجولة في المبنى المكون من ستة طوابق وفتح الخزائن والأبواب ليؤكد أن الخاشقجي ليس موجوداً في المبنى. وتقول رايت إنها أرسلت يوم الأحد رسالة الكترونية إلى عادل الجبير، وزير الخارجية وجارها السابق عندما عاش في واشنطن كدبلوماسي شاب ولم يرد على سؤالها عن خاشقجي. ولكن خبراء في الشأن السعودي يعتقدون أن هناك أمراً أسوأ فبحسب بروس ريدل، المحلل في معهد بروكينغز “دموع التماسيح لولي العهد والمسؤولين السعوديين ربما كانت خداعاً ومراوغة”. وقد أخبر ريدل الكاتبة قائلاً إن “إختفاء خاشقجي يتناسب مع انماط الإستفزاز الفجة وإسكات المعارضة”. وفي آب/ أغسطس، أخبر خاشقجي الكاتبة أن ولي العهد “لا يتسامح وليس مستعداً لاستيعاب النقاد”. ومع أنه وريث العرش وفي المرتبة الثانية إلا أنه يتصرف وكأنه الحاكم الفعلي كما قال خاشقجي. وأصبح أكثر استبداداً من الملوك الستة الذين حكموا السعودية منذ وفاة الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسس السعودية الحديثة في عام 1953.
وعندما تحدثت معه في نوفمبو/ تشرين الثاني الماضي قارن خاشقجي الملكية السعودية بالدولة الدينية الإيرانية “أصبح م ب س القائد الأعلى” في إشارة للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي الذي يعد السلطة العليا في إيران ويملك حق الإعتراض على كل مفاصل الحكومة. فمنذ وصول والده إلى الحكم عزز بن سلمان سلطته على خمس مفاصل للقوة، فهو وزير الدفاع ورئيس لمجلس اقتصادي جديد ورئيس الديوان الملكي.
ووصفه خاشقجي في لقائه مع الصحافية هذا الصيف بقوله” هو مستبد جدا وغير ليبرالي” وأضاف: “عملت مع الحكومة لمدة أربع أو خمس سنوات ولم أفكر بأنني سأعتقل وبعدها بدأت بالإعتقاد (بأن هذا ممكن) ولهذا غادرت”. وأصبح وضع خاشقجي أكثر خطورة بعدما زادت حدة انتقاداته للحكومة في الأشهر الماضية.
وأصدرت صحيفة خاشقجي “واشنطن بوست” يوم الأحد بيانا على لسان المحرر في الصحيفة فرد هيات وصف فيه خاشقجي بـ “الصحافي الشجاع الملتزم” و “الذي يكتب بحس من يحب بلده وإيمان عميق بالكرامة الإنسانية والحرية ونحن فخورون بنشر كتاباته”. ووصف هيات التقارير التي تحدثت عن اغتياله بأنه “فعل شنيع وغير مفهوم”. وفي بيان لمنظمة أمنستي إنترناشول قالت فيه إن التقارير عن اغتيال خاشقجي هو ” هبوط جديد صارخ وفعل كهذا على أرضية القنصلية التي تتبع صلاحيتها السعودية يعد قتلا فوريا بدون اللجوء للقانون. وترسل هزات للسعوديين المدافعين عن حقوق الإنسان المعارضين في كل مكان بحيث تمحو فكرة اللجوء للخارج”. وفي واحد من مقالاته الأولى في سبتمبر/ إيلول، قال خاشقجي إنه تريث طويلا في مواجهة حكومته “كان مؤلما جدا لي قبل سنوات عدة أنني لم أقل شيئا عندما اعتقل عدد من أصدقائي، فلم ارد خسارة وظيفتي وحريتي وخفت على عائلتي” و “لكنني قررت أن أعمل خيارا مختلفا الآن. تركت بلدي وعائلتي ووظيفتي ورفعت صوتي. وغير ذلك سيكون خيانة لمن يذبلون في السجن. وأستطيع الكلام حيث لا يجبن الكثيرون. وأريدك أن تعرف أن السعودية لم تكن دائما كما هي الآن، والسعوديون يستحقون أفضل”.