لندن ـ “القدس العربي”:
بمناسبة مرور مئة يوم على وفاة الصحافي السعودي جمال خاشقجي شارك لورنس رايت الكاتب في مجلة “نيويوركر” إلى جانب صانع الأفلام الوثائقية أليكس جيبني والعميل السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي علي صوفان إلى جانب مشرعين في الكونغرس وصحافيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان بمناسبة كرمت يوم الخميس الصحافي المعروف جمال خاشقجي الذي أصبح رمزا لحرية التعبير في العالم. وقال مؤلف الكتاب المهم عن هجمات إيلول سبتمبر 2001 “ذا لومينغ تاور” (البرج المشرف) بمقال نشرته “نيويوركر” إن مرور مئة يوم على اختفائه هي مناسبة لتذكر إنسانيته وشجاعته.
وتذكر الكاتب معرفته بالصحافي الشاب الذي كان نائبا لرئيس تحرير “أراب نيوز” و “كنت مشرفا على الصحافيين الشباب في الصحيفة المنافسة والناطقة بالإنكليزية “سعودي غازيت” وكانت القواعد الصحافية المعمول بها هو عدم كتابة اي شيء عن الحكومة أو الدين والعائلة المالكة ، وهي لم تترك أي شيء على الصحن لكي يتناول الصحافي منه شيئا”.
ويشير إلى أن الصحف في السعودية مملوكة بشكل عام من العائلة المالكة. وكانت “سعودي غازيت” مرتبطة بالأمير نايف بن عبد العزيز وزيرالداخلية “ولهذا كنت أدرس قسمي أشياء لا يستطيعون استخدامها”.
ويتذكر رايت جمال بالرجل الطويل والوجه المدور اللطيف والمرح. وكان ويتحدث بصوت عميق ويبدو شخصا وحيدا في عالم الصحافة السعودية المدجنة. وكصحافي شاب غطى الجهاد الافغاني أثناء غزو الإتحاد السوفييتي له والتقى هناك زعيم القاعدة في المستقبل أسامة بن لادن. وفي تلك الفترة كان كل منهما عضوا في جماعة الإخوان المسلمين التي قال عنها خاشقجي “كنا نأمل بإقامة الدولة الإسلامية”. وابتعدا فيما بعد عنها، أصبح بن لادن راديكاليا أما جمال فقد كان دائما مسلما ملتزما ولكنه رفض توجه الحركة الإسلامية نحو العنف.
وفي عام 1995 أرسلت عائلة بن لادن خاشقجي إلى السودان حيث كانت مهمته إقناع بن لادن الذي كان يقيم هناك بنبذ العنف ولكنه رفض. وعندما التقى الكاتب خاشقجي مرة ثانية عام 2003 كان قد هاجم 9/11 في مقال بجريدة “أراب نيوز” وحمل مسؤوليته الفشل الثقافي للوهابية التي تعتبر العقيدة السائدة في السعودية. وتحدث عن “ثقافة الإنكار رغم ما حدث” وتحدث عن “التمسك بنظريات المؤامرة والتعامل مع الحقيقة بشك. والموضوع الرئيسي الآن هو التأكد من عدم تأثر ابنائنا بالأفكار المتطرفة- مثل الخمسة عشر سعوديا الذين ضللوا واختطفوا أربع طائرات وقادوها ونحن معهم إلى فك الجحيم”. وعنما كتب رايت عن تجربته في السعودية في 5 كانون الثاني (يناير) 2004 ونشرها في “نيويوركر” تحت عنوان “مملكة الصمت” بسبب اللهجة الحذرة التي قابلها في كل مكان زاره في السعودية. وكان جمال شجاعا وقاطعا في كلامه، ولم يكن ليتحدث لولا الدعم الذي كان يحظى به من بعض الأمراء البارزين في ذلك الوقت.
وتحدث عن “انفصام الشخصية” التي يعيشها معظم السعوديين والذي عنى بها التناقض بين السعودية “الحقيقية” و “الإفتراضية”. وضرب مثالا عن اللاقطات الفضائية التي كانت ممنوعة في السعودية “لكننا من أكبر المستهلكين للفضائيات في الشرق الأوسط”.
وبعد شهر من لقائه مع خاشقجي تم تعيين الأخير كمحرر لصحيفة “الوطن” وزاره في مكتبه بمدينة أبها في جنوب السعودية والقريبة من الحدود مع اليمن. وكان ذلك في 7 نيسان (إبريل) 2003 حيث بدأت القوات الأمريكية والمتحالفة معها احتلالا لبغداد. وعلق قائلا “إن هذا سيغير كل شيء” و”سيتجه العالم العربي نحو وجهة جديدة”. وسأل رايت: للأحسن أم الأسوأ؟ وأجاب خاشقجي “للأحسن فلا يمكن أن نتجه لأسوأ مما نحن فيه. والسيء يعني بالنسبة لنا الصومال” أي الفوضى.
كان جمال الشخص الوحيد الذي قابله الكاتب في السعودية ودعم الحرب على العراق. وهذا نابع حسب الكاتب من إيمانه بالنموذج الأمريكي للديمقراطية وقدرتها على نشر النموذج حول العالم. وكما ظهر فقد أساء تقدير “نوايانا وقدراتنا” حسب رايت. والعذر أنه كان يحلم بعالم عربي خال من الطغيان وكان يعتقد بقدرة الأمريكيين على دعم العالم العربي بطريقة لم يدعموا فيها أنفسهم. وفي تفكيره كان على توافق مع المحافظين الجدد في إدارة جورج بوش. وبعد أيام عندما بدأت الإحتفالات في بغداد والتي اختلطت بالنهب تحدث بجذل قائلا “إنها تحدث، وتحدث في النهاية”. ولكنها لم تحدث “وعندما رجعت إلى جدة، توقع أحد المحررين في “سعودي غازيت” تعرض جمال للقتل بسبب الغضب من مواقفه المؤيدة للحرب”.
وعلى أي حال فقد عزل جمال من منصبه كمحرر للوطن. وكان ناقدا حادا للمتطرفين الدينيين ونشر رسما كاريكاتيريا لرجل دين يرتدي الحزام الناسف، وبدلا من الديناميت كان يحمل الفتاوى. وكانت هذه المرة الأولى التي اضطر فيها جمال للعيش في منفى إجباري وهو في المملكة. وتحدثا معا عن إمكانية تأمين موقع له للمحاضرة في جامعة أمريكية. وعبرت عدة جامعات عن اهتمامها ومنها جامعة كولومبيا ولكنه عين كمساعد للأمير تركي الفيصل الذي كان سفيرا للسعودية في بريطانيا. والتقى لورنس رايت جمال كثيرا وهو يعد لكتابه “ذا لومينغ تاور” (البرج المشرف). وبعد ذلك عين الأمير تركي سفيرا في واشنطن. وذهب معه جمال. ويبدو أنه أحب المدينة التي جعلها يوما ما محل إقامته. ثم حدث تحول في بنية السلطة في العائلة المالكة وعين جمال مرة ثانية محررا للوطن في عام 2007 وبقي فيها مدة 3 أعوام. وظل تقدميا وغير مستعد الإلتزام بالخط العام. واختاره الأمير الوليد بن طلال، الميلياردير السعودي لكي يشرف على إطلاق الفضائية “العرب” والتي لم تبق على الهواء سوى 12 ساعة قبل أن تغلقها السلطات البحرينية.
في صيف 2017 اتصل بي جمال من المملكة لأول مرة. ولاحظت قلقا في صوته. فقد منعته الحكومة من النشر والظهور في التلفزيون وقال لي: لقد منعوني حتى من التغريد ويريدون إسكاتي بالمطلق
ويقول رايت:”في صيف عام 2017 اتصل بي جمال من المملكة لأول مرة. ولاحظت قلقا في صوته. فقد منعته الحكومة من النشر (كان يكتب في العربية) والظهور في التلفزيون (كان معلقا في الجزيرة وبي بي سي وغيرهما من القنوات الدولية). وقال لي: لقد منعوني حتى من التغريد ويريدون إسكاتي بالمطلق”.
وبحسب تقرير في صحيفة “إندبندنت” جاء فيه أن المنع جاء بسبب نقد خاشقجي لسياسة دونالد ترامب في الشرق الأوسط والتي وصفها بـ “المتناقضة” والقائمة على “الأماني”. وفي ذلك الوقت كان محمد بن سلمان، نائبا لولي العهد ووزيرا للدفاع ويخوض حربا في اليمن، وشعر جمال أن مساحة الحرية بدأت تتلاشى في المملكة. وقاد بن سلمان في حزيران (يونيو) إنقلابا في العائلة وأصبح وليا للعهد. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) أحتجز مئات من رجال الأعمال والمسؤولين والأمراء في فندق ريتز كارلتون بالرياض وأجبرهم للتخلي عن أموالهم مقابل حريتهم. وتعرض بعضهم لمعاملة سيئة. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن واحدا منهم مات بعدما كسرت رقبته. وتبعت هذه الموجة اعتقالات للناشطين والناشطات الحقوقيات والمدونين. ولم تثر أي شجب بسبب الإجراءات الإصلاحية مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة والحد من سلطة الشرطة الدينية والسماح بفتح دور السينما “وكنت واحدا من الذين دعموا هذه الإصلاحات بدون الإحتجاج على الجانب المظلم لحكم ولي العهد الديكتاتوري”.
ويقول رايت إن جمال كان متأكدا في أنه سيعتقل ولهذا قرر الذهاب للمنفى، وهذه المرة إلى الخارج. ولحسن الحظ وجد مؤسسة إعلامية وهي “واشنطن بوست” لنشر مقالاته. وكتب في أول عمود له نشر بشهر إيلول (سبتمبر) 2017 “مع وصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة فقد وعد بتبني الإصلاح الإجتماعي والإقتصادي”. وأضاف “وأرى الآن في موجات الإعتقالات، وبعض المعتقلين هم أصدقائي وتمثل الجهود إهانة وفضح للمثقفين ورجال الدين الذين يتجرأون للتعبير عن أراء تخالف رأي قيادة البلد”.
كانت الحياة في المنفى صعبة له وظل يحن للعودة إلى وطنه ولكنه كان حرا “لقد تركت بيتي وعائلتي ووظيفتي وها أنا أرفع صوتي” و “وأن أفعل غير هذا سيكون خيانة للقابعين في السجن وأستطيع الحديث ولكنهم غير قادرين”
ويقول رايت: “آخر مرة شاهدت فيها جمال كانت في آذار (مارس) بمدينة أوستن حيث أعيش. ودعوته لمشاركتي في محاضرة عن التغطية الصحافية في الشرق الأوسط بجامعة تكساس. واختلفنا في بعض الأمور. فقد كان لا يزال على موقفه بأن يقدم الأمريكيون موقفا ثابتا في الشرق الأوسط. مع أن الخيبة أصابتني ومنذ وقت طويل حول الثبات الأمريكي. وبطريقة ما كان جمال يؤمن ببلدي أكثر مما كنت أؤمن فيها”. وكانت الحياة في المنفى صعبة له وظل يحن للعودة إلى وطنه ولكنه كان حرا “لقد تركت بيتي وعائلتي ووظيفتي وها أنا أرفع صوتي” و “وأن أفعل غير هذا سيكون خيانة للقابعين في السجن وأستطيع الحديث ولكنهم غير قادرين”.
ويختم بالقول: “لا يستطيع جمال الكلام الآن، وصدمت وفاته العالم. ولكنه لم يكن وحيدا، فقد قتل عشرات الصحافيين حول العالم وسجن المئات منهم. وتحدثت لجنة حماية الصحافيين عن الأزمة، فقمع حرية التعبير يعطي الطغيان القدرة على توسيع سلطته”. وقال “كان جمال خاشقجي صحافيا جسد الحقيقة النوعية والعدالة التي كانت أمريكا تمثلها في وضعها الطبيعي. ونشكره على تذكيرنا بها”.