لندن- “القدس العربي”: في تقرير أعدّه محرّر “ذي نيويوركر” ديفيد ريمنيك، علّق فيه على أحداث السبت، ومحاولة اغتيال المرشح الجمهوري، الرئيس السابق دونالد ترامب وهو يلقي خطاباً أمام أنصاره في بتلر بولاية بنسلفانيا، حيث أشار لما قاله روبرت أف كيندي، الذي كان يحاول الحصول على ترشيح الديمقراطيين للسباق الرئاسي، في 5 نيسان/أبريل 1968، وبعد يوم من مقتل داعية الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ، متحدثاً عن “الخطر المجنون في أمريكا، والذي لطّخ مرة أخرى أرضنا، وحياة كل شخص”.
وبصوت حزين، أخبر كيندي الحاضرين في كليفلاند أن القناص بين الحشود ليس بطلاً، وأن “الرعاع الذين لا يمكن التحكّم بهم هم صوت الجنون، لا صوت الشعب”، سواء تم على يد فرد، أو شعب، فإنه يضعف الأمة.
أشار ريمنيك إلى تطور خطاب التحريض والكراهية، وخاصة ضد أوباما، والطريقة التي استخدم فيها ترامب الخطاب الديماغوغي اللا إنساني عن “الحثالة” و”الهوام” و “الحيوانات” و”أعداء الشعب”
ويعلق ديفيد ريمنيك إن أمريكا باتت تتسامح اليوم مع العنف الذي لا يتناسب مع الديمقراطية أو قيم الحضارة. و”نتقبل تقارير الصحف عن ذبح المدنية في أماكن بعيدة، ونمجد القتل في الأفلام، وعلى شاشات التلفزة، ونطلق عليها ترفيهاً. ونسهل على الرجال بكل مستويات العقل الحصول على الأسلحة والذخيرة، وحسبما يريدون. وبعضهم يبحث عن كبش فداء، وآخرون يبحثون عن نظريات المؤامرة، ولكن هذا أمرٌ واضح، فالعنف يولّد العنف، والقمع يؤدي إلى الانتقام، وفقط تنظيف كامل المجتمع كافٍ لتخليصنا من هذا المرض الذي أصاب روحنا”.
ورغم ثناء الكاتب على موقف بايدن ودعوته للهدوء وشجب الهجوم على ترامب وتناسيه خلافاته الأساسية مع المرشح الجمهوري، إلا أن مشكلة الرئيس في تأكيده على أن العنف، كالذي حدث لترامب، لم يسمع به من قبل.
وتساءلَ ريمنيك عن قدرة الساسة التصرف والتعالي في الخطاب، كما فعل كينيدي بعد مقتل لوثر كينغ، حيث تخلى عن مرض الاتهامات الذي نراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي، والتعجّل بتوجيه الاتهام، واستخدام نظريات المؤامرة المجنونة، وأن ما حدث في بنسلفانيا كان “مدبراً” و”عملية مقصودة”، وأنها من تدبير اليسار السياسي وحزب بايدن الديمقراطي. وكذا تناسي لحظة الأثر الذي ستتركه محاولة اغتيال ترامب على الناخب.
وقال إن الكثير من الساسة تجنبوا استخدام المناسبة للتحريض، وشجبوا العنف، وعبّروا عن ارتياح لنجاة ترامب، لكن البعض، مثل جي دي فانس، السناتور الجمهوري عن أوهايو، والمرشح لأن يكون على بطاقة ترامب في الانتخابات، اعتبر أن إطلاق النار “ليس حدثاً معزولاً”.
وزاد السناتور عن ساوث كارولينا، تيم سكت، الزيت على النار بقوله: “لنكن واضحين، كانت هذه محاولة اغتيال شجّعَ عليها اليسار السياسي، ومؤسسات الإعلام التي وصفت ترامب بالتهديد على الديمقراطية، والفاشي، وأسوأ من هذا”.
وربط حاكم تكساس، غريغ أبوت، المحاولة بالقضايا القانونية والاتهام ضد ترامب، حيث كتب على منصة إكس: “يحاولون سجنه ويحاولون قتله، ولن ينجحوا”.
وتوقع الكاتب أن تزداد الأمور سوءاً في الأيام التالية، وبعد ظهور مزيد من التفاصيل عن القاتل، حيث سيحاول المحللون إضافة أمور وفهم دواعيه.
ويقول ريتشارد هوفستادر في مقاله “تأملات في العنف بالولايات المتحدة“: “بالنسبة للمؤرخين؛ فالعنف هو موضوع صعب لفك فتيله والتعامل معه”، و”يرتكبه أفراد معزولون وجماعات صغيرة وجماعات رعاع كبرى، ويوجه نحو أفراد وجماهير على حد سواء. ويتم اللجوء إليه لعدة أسباب، وبطرق متنوعة تتراوح من الاغتيال والقتل والسحل والمبارزة والمشاجرات وأعمال الشغب والعداء. وهو نابع من نوايا إجرامية، ومن المثالية السياسية والعدواة ذات الطبيعة الشخصية والعداوة النابعة من تداعيات اجتماعية أكبر”.
وما يمكن قوله، خلافاً لفانس وسكوت وأبوت، أن ترامب لم يفعل إلا القليل لتوحيد البلد الذي قاده مرة، ويخوض حملة لقيادته من جديد.
ورغم التعبير عن الارتياح الحقيقي لنجاة ترامب، لكن من المشروع وصف ما يعنيه ترامب وخطابه للبلد.
وأشار ريمنيك إلى تطور خطاب التحريض والكراهية، وخاصة ضد الرئيس السابق باراك أوباما، والطريقة التي استخدم فيها ترامب الخطاب الديماغوغي اللا إنساني عن “الحثالة” و “الهوام” و “الحيوانات” و”أعداء الشعب”، ومن ثم “اِحبِسْها”، عن هيلاري كلينتون، و”تراجع واستعد”.
الكاتب: هناك مرضُ توجيه الاتهامات، واستخدام نظريات المؤامرة المجنونة، وأن ما حدث في بنسلفانيا كان مدبراً وعملية مقصودة، ومن تدبير اليسار السياسي وحزب بايدن الديمقراطي
وفي حملته عام 2016، اتهم كلينتون بمقابلة البنوك سراً من أجل تدمير سيادة أمريكا. كما مجّد المرة بعد الأخرى وحشية الشرطة التي رمى أفرادها “الآبقين” في خلفية عرباتهم. وعندما علم أن مراسل شبكة أم أس أن بي سي، علي فيلشي أصيب بقنبلة مطاطية أثناء مظاهرة احتجاجية ضد مقتل جورج فلويد وَصَفَ ما حدث بأنه “مشهد جميل”.
وطالما رفض ترامب فكرة مساهمته في تقسيم وإشعال عقلية البلد، وعندما سُئل إن كانت لغته تحرض على الانقسام أجاب: “لا أعتقد أن لغتي تفعل هذا، ولغتي تجمع الناس معاً”. ولكنه لم يتردد في السخرية من الضحايا، وحتى عندما كانوا من الأحباء، قائلاً عن نانسي بيلوسي بـ “المجنونة”، وعندما ضرب زوجها بول بمطرقة، سأل ساخراً: “كيف حال زوجها؟ هل يعرف أحد؟”، وكانت الفتنة ضد الكونغرس التي هدّدت حياة بيلوسي ونائبه مايك بينس تأكيداً على الأثر الذي تركه خطابه. فتلك اللغة وغياب التعاطف لا يمكن أن يكون مثالاً أو طريقاً للأمام.
وعلينا أن نشجب، وبكل الكلمات القوية، ما جرى يوم السبت في بنسلفانيا، ونشعر بالراحة بأن النتيجة لم تكن أسوأ. ولكن المرء يأمل بعقلانية وحساسية كتلك التي ظهرت أمام الميكرفون في عام 1968 بكليفلاند، ورفض للعنف كوسيلة في السياسة والتحريض والثناء على ما هو تجسيد للإنسانية والسلام.
وبعد شهرين، فاز كيندي بانتخابات كاليفورنيا وساوث داكوتا التمهيدية، وكانت لديه فرصة لهزيمة ريتشارد نيكسون، ألقى خطاباً أمام أنصاره في قاعة فندق أمبسادور في لوس أنجليس. ثم حاول مغادرة القاعة عبر مطبخ مزدحم. وتقدّم منه رجلٌ في منتصف العشرين اسمه سرحان سرحان، ورفع مسدساً وأطلق النار عليه عدة مرات، ومات كينيدي في مستشفى غود سامريتان، في اليوم التالي، وكان عمره 42 عاماً.