لندن- “القدس العربي”: نشر موقع مجلة “نيويوركر” مقالا لبرنارد أفيشاي حول علاقة إدارة جوزيف بايدن مع الشرق الأوسط، وكيف غيرت إدارة دونالد ترامب علاقته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعرفه منذ 40 عاما. وقال إن رئاسة ترامب التي دعمها نتنياهو قد وترت علاقته التي نماها مع الجمهوريين طوال السنين.
وربما لم يخفت إعجاب بايدن بإسرائيل، لكنه لم يسارع بالاتصال هاتفيا مع نتنياهو ولم تضيع إدارته أي وقت، إذ أعادت المساعدات التي قطعتها إدارة ترامب عن السلطة وأكدت على حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، الذي حاولت “صفقة القرن” التي رسمها أمريكيون يدعمون الاستيطاني اليهودي تدميره.
لم تضيع إدارة بايدن أي وقت إذ أعادت المساعدات التي قطعتها إدارة ترامب عن الفلسطينيين وأكدت على حل الدولتين الذي حاولت “صفقة القرن” التي رسمها أمريكيون يدعمون الاستيطاني اليهودي تدميره
لكن من الصعب التفكير أن تكون هناك جولة جديدة من المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية على رأس أجندة بايدن. ويركز بايدن على العودة إلى الاتفاقية التي تفاوض عليها باراك أوباما وتخلى عنها ترامب مع إيران.
وفي الأسبوع الماضي، قال أفيف كوتشافي، رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الإسرائيلي لمعهد دراسات الأمن القومي- وبتشجيع من نتنياهو كما قيل- إن أي عودة للاتفاقية ستكون “سيئة وخطأ”. وبعد ثلاثة أيام، عين بايدن روبرت مالي أحد مهندسي الاتفاق النووي مع إيران كمبعوث خاص في الملف الإيراني. ولهذا يبدو أن التوتر مع حكومة نتنياهو سيتزايد على ما يبدو أن يفاقمه الموضوع الفلسطيني. لكن إدارة ترامب أحدثت تغيرات في المنطقة قالت إدارة بايدن إنها ستبقي عليها، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والتي أكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن في جلسة الكونغرس للمصادقة على تعيينه إنها ستظل في القدس. وكذلك اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، والتي قال مستشار الأمن القومي الجديد جيك سوليفان إنها “إيجابية لأمن المنطقة وإيجابية للتنمية الإقتصادية في المنطقة”.
ومع أن الفلسطينيين تعاملوا مع اتفاقيات التطبيع كخيانة لقضيتهم إلا أنها قد تفيدهم والأردن حالة استطاعت إدارة بايدن الضغط على إسرائيل للتوقف عن ضم أجزاء من فلسطين اعتبرتها خطة ترامب جزءا من إسرائيل، والتي تضم أيضا فرصا اقتصادية للفلسطينيين في الضفة والقطاع. وقال مالي للكاتب في شهر كانون الأول/ديسمبر “لا يمكنني رؤية لماذا لا تدعم إدارة بايدن اتفاقيات التطبيع ومن أجل مصلحتها” و”مع أنها تريد أن يؤدي التطبيع لدفع السلام الإسرائيلي- الفلسطيني بناء على حل الدولتين”. ولتحقيق هذا الأمل يجب على إدارة بايدن منع نتنياهو من أن يكون المستفيد الأول من الاتفاقيات وأنها ليست من أجله ولكي ينسب الفضل لنفسه فيها واستخدامها للبقاء في السلطة وتوسيع المستوطنات بدون إعلان رسمي للضم وتعبئة حلفائه بالمنطقة ضد الجهود الأمريكية للعودة والتفاوض مع إيران. وفي الحقيقة فصفقات التطبيع تعتبر مهمة لخطة نتنياهو. فبحلول آب/أغسطس كان يسعي لجولة انتخابية جديدة يفوز فيها وبغالبية في الكنيست وتكون مستعدة لمنحه الحصانة من الملاحقة القانونية ضد قضايا قدمت للمحاكم في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. ويبدو أنه خمن بخسارة ترامب في الإنتخابات وفقدانه بالتالي راع له.
وبدون إنجازات لديه لاستخدامها في حملاته، خاصة أنه خسر السيطرة على وباء فيروس كورونا. ولهذا فالحديث عن التطبيع مهم له وبالضررة مهم لبايدن أيضا. ولكن التطبيع لم يعط آثاره التي يريدها نتنياهو، وتظهر نتائج الاستطلاعات الأولية أنه لن يحصل على غالبية في الانتخابات المقررة يوم 23 آذار/مارس.
وربما لم يكن من الباكر الحديث عن اتفاقيات التطبيع ودورها في تقوية موقفه وفي الوقت نفسه انتقصت من سلطة نظرته الثنوية للعالم، أي أنها عززت “ماركة بيبي” كما يطلق عليه ولكن على حساب أيديولوجيته. ولعل أهم ما نتج عن الاتفاق مع الإمارات هو شراء نادي “بيتار القدس” الذي يعتبر من أحد مشجعيه. ففي 7 كانون الأول/ديسمبر أعلن الشيخ حمد بن خليفة أل نهيان عن شراء نسبة 50% من أسهم النادي. ومع أن الثمن لم يكشف عنه إلا أن الشيخ تعهد باستثمار 90 مليون دولار على مدى عقد في النادي الذي يواجه مشاكل. وأشار الكاتب هنا إلى أن نوادي الرياضة في إسرائيل كلها نشأت قبل الدولة. فنادي “هابوعيل حيفا” تعود جذوره إلى حركة العمال الصهيونية، وتعني كلمة هابوعيل العبرية “عامل”. أما بيتار القدس فيعود إلى حركات الشباب الصهيونية المتطرفة بيتار والتي أنشأها القائد الصهيوني التصحيحي فلاديمير جاكوبتنسكي في ريغا عام 1923، واستلهم اسمها من آخر مقاتل يهودي قتله الرومان في عام 124 بعد الميلاد. ويعد نادي بيتار سلف لحزب الليكود. ومعظم مشجعي النادي من أحياء القدس الفقيرة ومن المتحمسين أبناء وأحفاد المهاجرين اليهود المغاربة الذي جاءوا إلى إسرائيل في خمسينات وستينات القرن العشرين ويعرف عنهم التعصب. ويطلقون على المشجعين “لافاميليا” مما يقترح قوة وولاء مثل عصابات المافيا. ومنعوا في الماضي أي محاولة لإدخال لاعبين عرب في تشكيلة النادي. وهم من الموالين لنتنياهو. وفي الصيف الماضي استخدموا العنف ضد المتظاهرين المعادين لنتنياهو. وقال موشيه حجيج صاحب النادي إنه مصمم على حل مشكلة العنصرية وتحقيق “شيء أكبر من الكرة”، لكن هل سيقبل المشجعون مالكا عربيا؟. وفي الوقت الحالي تجري المباريات في ملاعب فارغة بسبب كوفيد-19 ولهذا لا توجد شعارات معادية للعرب. ومن الملاحظ عدم وجود حملة معادية للصفقة على منصات التواصل الاجتماعي. وقال موشيه صغير (58 عاما) وصاحب محل ومشجع بيتار منذ طفولته إن نتنياهو هو من قال إنه يجب الهجوم على العرب “بيبي قال دائما يجب أن نكون ضدهم” و”يقول الآن لنصنع سلاما، وانظروا كم هم متنورون ومتقدمون، وانظروا كيف يساعدنا هذا”.
تدفق أكثر من 70 ألف سائح إسرائيلي على دبي خلال عطلة عيد الأنوار. وحفلت المحلات هناك بالبضائع المكتوب عليها صنع في إسرائيل
وفي الحقيقة فمالية مالك النادي حمد بن خليفة محلا للتساؤلات ولن يوافق اتحاد الكرة الإسرائيلي على الصفقة إلا في حالة وفر الشيخ وثائق أخرى. ويقول هنريك شيمرمان، مؤسس غرفة التجارة الإسرائيلية ومجلس التعاون الخليجي إن الإسرائيليين قد يكتشفون أن التعامل التجاري مع الخليج قد يكون مختلفا عما ألفوه “سيقول الإسرائيليون: على المدى البعيد ويعنون 3 سنوات” و”يقول الإماراتيون: على المدى القصير ويعنون 10 أعوام”. والمثير في الأمر هو الرد على حمد بن خليفة وليس عمق جيبه. ولو لم تنجح الصفقة فلن يكون السبب هو المشجعين. على العكس، تدفق أكثر من 70 ألف سائح إسرائيلي على دبي في اثناء عطلة عيد الأنوار. وحفلت المحلات هناك بالبضائع المكتوب عليها “صنع في إسرائيل”، وتم احتجاز إسرائيليين بسبب التقبيل العلني في دبي. وبدأ اليهود المغاربة باكتشاف جذورهم التي كانت كما وصفها أحدهم مثل “حب مفقود”، لكن الحماس لاتفاقيات التطبيع ليست ضمانا لفوز نتنياهو فالكتلة التي اجتمعت للتخلص منه وحرمانه من الفوز تشمل اليمين واليسار والوسط. والطريقة للتعامل بين أطراف هذه الكتلة هي دليل على الكيفية التي غير فيها التطبيع موقف الإسرائيليين من قادتهم. فلو كان التطبيع علامة جديدة فلماذا لا يتم النظر للداخل ومحاسبة نتنياهو على خرق الأعراف وتحالفه مع الأحزاب الدينية المتطرفة وغير ذلك. وإذا تم تخفيف حالة الطوارئ، فلماذا يجب التسامح مع خرق الأعراف القانونية لإنقاذ الرجل القوي وحمايته من المحاسبة؟.
اتفاقيات التطبيع ليست ضمانا لفوز نتنياهو فالكتلة التي اجتمعت للتخلص منه وحرمانه من الفوز تشمل اليمين واليسار والوسط. والطريقة للتعامل بين أطراف هذه الكتلة هي دليل على الكيفية التي غير فيها التطبيع موقف الإسرائيليين من قادتهم
ولم يكن لدى نتيناهو شيء غير التطبيع لكي يقدمه في حملاته الانتخابية. ورغم حملة التطعيم من كوفيد- 19 الواسعة إلا أن معظم الإسرائيليين يشعرون بالامتنان لنظام العناية الصحية الذي حاولت حكومة نتنياهو تخفيض الدعم له. أما أتباعه من الأحزاب الدينية المتطرفة فهم الأكثرية الذي خرقوا قيود الحظر بسبب كورونا وبنتائج خطيرة. في وقت أغلقت أعمال تجارية صغيرة أبوابها وزادت نسب البطالة ولم تعلن الحكومة عن ميزانية وطنية. وفي الحقيقة منع نتنياهو الميزانية التي كان يجب تمريرها في 23 كانون الأول/ديسمبر مما قاد إلى حل الكنيست. وكانت طريقته للتمسك بالسلطة وعدم التخلي عنها بناء على اتفاق المشاركة مع زعيم أبيض ازرق بيني غانتس. ويبدو أن فكرة إسرائيل العظمى باتت متناقضة مع فكرة إسرائيل العالمية، ويبدو أن نتنياهو عالق بين دعاة كل فكرة. فقد تحدث جاكوبتنسكي عن “الجدار الحديدي” ضد العالم العربي، وكان الهدف هو منع الغزاة لا المستثمرين. ولم يفت رجال الأعمال الإسرائيليين أن الصندوق السيادي الإماراتي فيه رصيد تريلوني وربع تريليون دولارا. وقال تشيمرمان من غرفة التجارة الإسرائيلية- مجلس التعاون الخليجي إن دبي وأبوظبي هما مركز تجاري لملياري شخص من أفريقيا وجنوب آسيا. مما يقدم فرصا بلا حد لرجال الأعمال الإسرائيليين الذين تعودوا على تقديم الخدمات للأسواق الصاعدة.
ويعرف الفلسطينيون خاصة في الأردن الخليج جيدا لأنهم توزعوا للعمل فيه منذ النكبة. ويقول تشيمرمان إنهم قد يكونوا شركاء طبيعيين في التجارة مع الأسواق العربية. وقال تخيل لو شنت إسرائيل حربا ضد غزة “فعلى إسرائيل دفع الثمن” وحتى المتشددين “بحاجة للتفكير 33 مرة قبل إرسال الدبابات كما فعلنا سابقا”. وفي النهاية يمكن لإدارة بايدن تجاهل نتنياهو حتى الانتخابات المقبلة. وكصورة عن يأسه محاولته للحصول على أصوات العرب وهم أنفسهم الذين حذر من تدفقهم على صناديق الإقتراع عام 2015. وفي تغريدة له إلى نواب حزبه “نحب العرب” و”جئت من أم الفحم” و”شعرت بالنشوة لرؤية العرب في كل مكان”. وكتب النائب المعروف أحمد طيبي ساخرا “رأى العرب في كل مكان” “في بلدة عربية”.