نيويوركر: هل يمكن لمواطن أمريكي ملاحقة الإمارات في الولايات المتحدة بسب تدميرها سمعته وتجارته؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن – “القدس العربي”:

نشرت مجلة “نيويوركر” تقريرا أعده ديفيد دي كيركباتريك، تساءل فيه عن قدرة مواطن أمريكي على تحميل دولة الإمارات العربية مسؤولية حملة تشهير دمرته.

وقال فيه “بشكل عام، تستطيع الحكومات الأجنبية التجسس على، والسرقة من بل وحتى قتل الأمريكيين بدون خوف من العقاب، على الأقل في نظر المحاكم الأمريكية”. واعترفت المحكمة العليا بالمبدأ القائم من القانون العام والحصانة السيادية بداية عام 1812، عندما حكمت أن نابليون بونابرت يمكنه الحفاظ على مركب شراعي أمريكي أخذته قواته في البحر وحولته إلى بارجة حربية. وعندما أجبر عطب في البارجة على الرسو في فيلادلفيا سارع ملاك المركب السابقون للمحاكم من أجل استرجاع سفينتهم. وكانت الفكرة هي تجنب التدخل في العلاقات الخارجية وحماية الولايات المتحدة من معارك قانونية مكلفة.

وقد تم تضمين هذا في قانون الحصانات السيادية الأجنبية ومرر في 1976، وقد أحبط هذا القانون مزاعم قانونية ضد إثيوبيا للقرصنة ومراقبة المعارض سيلفر سبرينغ الذي يعيش في ميريلاند، ومزاعم ضد الصين لنشرها كوفيد-19 حول العالم وضد السعودية في مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

وهي نفس العقبة التي تواجه حازم ندا، الأمريكي الذي كان ضحية حملة ظل أشرفت عليها الإمارات لتدمير شركة نفط مدرة للربح مقرها في سويسرا، وهي القصة التي كشفت عنها لأول مرة مجلة “نيويوركر” في ربيع العام الماضي.

قبل ستة أعوام، شعر ندا بالدهشة لرؤيته عاصفة من المقالات المشبوهة على مدونات تربطه بالإرهاب أو الإسلام السياسي

 فقبل ستة أعوام، شعر ندا بالدهشة لرؤيته عاصفة من المقالات المشبوهة على مدونات تربطه بالإرهاب أو الإسلام السياسي. وكان والده يوسف ندا، شخصية معروفة في جماعة الإخوان المسلمين المصرية، لكن حازم الذي لم يزر مصر سوى مرة في حياته ابتعد عن السياسة واحتار من حماسة والده الإسلامية.

ومع تضاعف الادعاءات الفاحشة، بدأت البنوك الحريصة على سمعتها بقطع العلاقات مع شركته “لورد إنيرجي” مما دعا لانهيارها بسرعة وإعلان الإفلاس.

ولم يعرف حازم بالقصة الحقيقية إلا بعد انهيار الشركة. فقد قدمت له جماعة مجهولة، قالت إنها متخصصة بالقرصنة آلافا من الصفحات الإلكترونية والملفات المسروقة من أنظمة كمبيوتر محقق سويسري خاص اسمه ماريو بريرو مدير شركة “ألب سيرفيسز”.

وكشفت أن الإمارات دفعت لشركة ألب ملايين الدولارات مقابل حملة معلوماتية متعددة الوجوه تهدف لإفلاس شركة حازم ندا. وكان الأخير، حسب الوثائق واحدا من قائمة يفترض أنهم أعداء في أوروبا ودفعت الإمارات لشركة ألب مالا لشن حملات ضدها.

وكان لعدد كبير منها علاقات حقيقية أو متخيلة مع جماعات الإخوان المسلمين التي تنظر إليها الإمارات تهديدا عليها أو مع قطر، المنافسة الإقليمية لها. وفي ملاحظات قدمها بريرو لممثلين للإمارات في أول لقاء معهم صيف عام 2017 قال “سنعمل على تشويه سمعة أهدافنا، من خلال نشر معلومات محرجة ويمكن استخدامها كورقة مساومة، بطريقة سرية وعلى نطاق واسع. وسينظر إليهم في عين الإعلام /الرأي العام/ بأنهم منحرفون، فاسدون أو متطرفون”. وتباهى قائلا “عليك ألا تقلل من قوة “العلاقات العامة المظلمة”، ويناقش الكثيرون أن هيلاري كلينتون خسرت الانتخابات الرئاسية بسبب الأخبار المزيفة والتي نشرت على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام غير التقليدي”.

وبعد عامين سارت شركة ندا نحو الإفلاس، وقال المسؤول عن بريرو المبتهج في مكالمة هاتفية التي سجلها المحققون وحصل عليها القراصنة الإلكترونيون لاحقا: “عمل ممتاز” و”الجميع يقدرون ما قمت به”. ولم ترد شركة ألب ولا الممثلون عن الإمارات على أسئلة المحقق في الربيع الماضي ولا على ما ورد في هذا المقال منذ نشره يوم الأربعاء، حيث أتبعت مجموعة للتحقيق الاستقصائي “يوروبيان إنفيتستيغف كولابوريشين” بمقالات وتفاصيل عن الحملة الإماراتية التي مولت عمليات بريرو ضد عدة أهداف.

 وقدم ندا في 24 كانون الثاني/يناير 2024 دعوى ضد الإمارات في محكمة منطقة واشنطن العاصمة، ويحاول فيها التحايل على قانون الحصانات السيادية الأجنبية. ويناقش ندا، 41 عاما، أن الإمارات في حملتها لتدمير تجارته في النفط تصرفت كشركة خاصة وليس كحكومة عادية.

وشمل قانون الحصانات السيادية الأجنبية على استثناء للنشاط التجاري لدولة أجنبية يحصل في الولايات المتحدة أو يترك أثره فيها.

ولهذا فعندما قدم المدعي العام لميسوري الصين بتهمة نشر كوفيد -19 فإن الحصانة السيادية لم تمنع المحكمة كل ما ورد في الدعوى من مزاعم. ففي بداية هذا الشهر أصدرت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الثامنة بندا في الدعوى يمكن المضي به. وهي تهمة أن الصين قامت بتخزين معدات الوقاية الشخصية، باعتباره نشاطا تجاريا ترك أثره على المخازن الطبية والمستشفيات في أمريكا.

ويقول الخبراء القانونيون إن دعوى ندا تثير أسئلة حول تعريفات النشاط التجاري وأثره على الولايات المتحدة. ففي الملفات المسروقة من ألب يبدو أن الدافع الرئيسي لحكام الإمارات هو الرهاب الضال بشأن علاقات محتملة لندا مع الإخوان المسلمين، بغض النظر عن أي مصلحة شخصية. وقدمت ألب خدماتها من جنيف التي أدار منها بريرو حملته في أوروبا، وكان ندا يقيم في كومو بإيطاليا، فيما اتخذت شركة لورد إنيرجي مقرها في لوغانو، سويسرا.

ويقول كيركباتريك إن قضية ندا غير مألوفة، وتمثله شركة القانون كلير لوك التي مثلت نظام دومنيون للتصويت ضد فوكس نيوز والتي وافقت على تسوية القضية بدفع أكثر من 787 مليون دولار.

وفي الدعوى قال المحامون إن ندا هو أمريكي مولود في سيلفر سبرينغ ميريلاند وتعلم في جامعة رتغرز. ولديه بيت في هيوستون إلى جانب بيته في كومو، حيث لدى لورد إنيرجي فرع أمريكي. وتقول الدعوى إن حكام الإمارات استأجروا شركة متخصصة في أعمال الاستخبارات التجارية. وعندما علم ندا أن محققا سويسريا خاصا يسأل عن شركته، افترض أنه يعمل لصالح شركة منافسة، لأن هذه النشاطات والأساليب معروفة بالتجارة.

تقول الدعوى إن حكام الإمارات استأجروا شركة متخصصة في أعمال الاستخبارات التجارية وكانوا يهدفون لتدمير لورد إنيرجي

وورد في الدعوى أن حكام الإمارات كانوا يهدفون لتدمير لورد إنيرجي إلى جانب مخاوفهم من الإسلام السياسي. ويمثل تصدير النفط مصدرا مهما للموارد المالية الإماراتية، وتزعم الدعوى أن شركة ندا أخذت حصة من الموارد الإماراتية من خلال بيع الخام الخفيف الحلو. وجاء فيها “طلبت الإمارات والمسؤولون فيها من ألب استهداف حازم وشركاته لأنهم اعتبروا حازم ولورد إنيرجي كمنافس خطير ومهدد”، ومن خلال تدمير تجارة ندا، فقد رفع الإماراتيون أسعار النفط بما فيها في الأسواق الأمريكية.

وتجادل الدعوى أن الإمارات “عقدت عقودات تجارية خاصة سارية المفعول مع الشركة- ألب- للقيام بحملة علاقات “مظلمة” وامتدت على عدة سنوات واستهدفت المنافسين التجاريين، حازم ولورد إنيرجي” وأن الحكام وجهوا مؤامرة “القيام بنشاطات يقوم بها عادة لاعبون تجاريون خاصون” مثل “كتابة مقالات نشرت في وسائل إعلام خاصة أو مدونات الإنترنت، وغالبيتها في الولايات المتحدة، مما نبه شركات الرقابة لمخاطر الأهداف وعلاقتهم المفترضة مع الإرهاب، وإرسال رسائل إلكترونية مباشرة للمؤسسات المالية والصحافيين لتوجيههم نحو الأهداف وعلاقتهم المفترضة مع الإرهاب، كتابة ونشر أوراق أكاديمية أعطت مصداقية للحملة والمزاعم الكاذبة”، كل هذا أثر “مباشرة على المواطنين الأمريكيين والتجارة” حسب تأكيد الدعوى و”كذا أسواق أمريكية معينة لها علاقة بالنفط الخام والأدوات المالية التي تعتمد على أسعار النفط الخام”.

وزعمت الدعوى وجود مؤامرة لارتكاب غش ونشر معلومات كاذبة ومهينة ضد لورد إنيرجي والتلاعب بالأسواق. وتطلب تعويضات بـ 2.7 مليار دولار. وتقول كاثرين كينتر، الخبيرة المعروفة بقانون الحصانات السيادية الأجنبية بجامعة كاليفورنيا إن دعوى ندا تواجه الكثير من المعوقات، مشيرة إلى أن المحاكم قدمت استثناءات لقانون الحصانة في النشاط التجاري المرتبط مباشرة بالولايات المتحدة وليس أسواق النفط ومنشورات الإنترنت “يمكنك تقديم دعوى ضد المحقق الخاص ولكني لا أعرف إن كنت ستحاكم دولة بناء على القانون كما هو اليوم”.

إلا أن ديفيد كي، أستاذ القانون بجامعة كاليفورنيا والمقرر الخاص السابق في الأمم المتحدة لحرية الرأي والتعبير يرى أن الجدال “إبداعي” وقد “تكون الحصانة السيادية عائقا خطيرا أمام ملاحقة السلوك السيئ للدول” و”لو نجح هذا فقد يخرق الدرع قليلا وسيكون مهما في السياق الأوسع للدعاوى ضد دول ترتكب قمعا خارج حدودها وتفلت من العقاب”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية