لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا لمراسلها بن هبارد عن الطريقة التي تحولت فيه مدينة إسطنبول كعاصمة للإعلام العربي المنفي في وقت تمارس فيه السلطات التركية قيودا على الصحافيين والإعلاميين الأتراك. وبدا بالحديث عن قناة تلفزيونية سورية تبث برنامج “سوريا اليوم” للسوريين الموزعين في أنحاء العالم. ونفس المشاهد تدور يوميا في إسطنبول من الثوريين المصريين واليمنيين ومناطق أخرى من العالم العربي الذين يهاجمون الأنظمة الديكتاتورية في بلادهم من مكانهم الأمن في عاصمة الإعلام التركية. وبعد سحق الربيع العربي تحت أقدام الأنظمة الديكتاتورية العائدة أو تحوله إلى حروب أهلية أصبحت إسطنبول عاصمة للكثير من الساسة والناشطين والثوريين والصحافيين العرب الذي حاولوا دفع التاريخ باتجاه مختلف في بلادهم. وفي إسطنبول يبنون حيوات جديدة ويواصلوت القتال عن بعد متجنبين الاعتقال في بلادهم أو أسوأ.
ويضيف بن هبارد أن المنفيين جاءوا من مختلف أنحاء العالم العربي: عناصر من جماعة الإخوان المصريين ومقاتلين من سوريا وسياسيين وناشطين من العراق واليمن ومعارضين من السعودية والأردن وحتى أعضاء سابقين في البرلمان الكويتي. وكلهم انتهوا هنا لسبب واحد كما يقول عزام التميمي، مؤسس قناة الحوار، في لندن “لا يوجد مكان آخر للذهاب إليه”.
وقال الكاتب إن قناة الحوار فتحت استديو لها في إسطنبول لسهولة الحصول على ضيوف لبرامجها “كلهم هنا” علق التميمي.
ويقول بن هبارد إن إسطنبول تمنح خليطا جذابا، فهي مدينة غالبيتها مسلمة وقريبة من الأوطان التي جاء منها هذا المزيج ولديها بنية تحتية متقدمة في مجال الإتصالات ومناخها متسامح نسبيا. وتركيا أكثر انفتاحا للاجئين العرب أكثر من الولايات المتحدة أو أوروبا. وبالنسبة لحكومة رجب طيب أردوغان فالترحيب بالمنفيين العرب هو تعبير عن مواصلة الدعم للإنتفاضات العربية نفسها. كما أن السماح للمنفيين العرب الإقامة في اسطنبول يزيد من شعبية أردوغان بين كثير من العرب وتقوية نفوذ في العالم العربي- رغم تضايق جيرانه العرب.
وقال ياسين أقطاي، المسؤول البارز في حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس “أحيانا نسمع من بعض الدول: لديكم أشخاص ضدنا ويقومون ببث برامج ضد مصر مثلا” و “نقول لهم هناك الكثير من الأمور التي نريد بثها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان”.
“لم يتخل أحد منا عن فكرة العودة للوطن” و “نحن لسنا مهاجرين بل نحن منفيون”.
ويرى الكاتب أن المفارقة المرة بشأن انفتاح تركيا مع المنفيين العرب الذين يحتجون ضد حقوق انتهاكات حقوق الإنسان لم تمر عفوا على المعارضة الداخلية والإعلام الجديد. فمنذ المحاولة الإنقلابية الفاشلة ضد أردوغان عام 2016 اعتقل الأف المحامين والأكاديميين والصحافيين والساسة المعارضين. ولا يعني هذا حرية واسعة في حرية التعبير للمنفيين العرب أكثر من تلك المسموحة لهم في بلادهم ولكنهم يتمتعون بفسحة أفضل من زملائهم الأتراك. ويقول المرشح الرئاسي السابق أيمن نور “لدي مهمة للقيام بها في إسطنبول ولا يتدخل الأتراك في عملنا السياسي والإعلامي” وأضاف المعارض “لم يتخل أحد منا عن فكرة العودة للوطن” و “نحن لسنا مهاجرين بل نحن منفيون”. وبعد خروجه من مصر عام 2013 سافر نور إلى لبنان ولكنه لم يشعر بالأمان أبدا هناك ولهذا انتقل إلى إسطنبول. ولكن مركز المدينة كملجأ آمن اهتز العام الماضي عندما قتل عملاء سعوديون الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده. ورأى الكثير من المنفيين خاشقجي واحدا منهم ولهذا أثار مقتله خوفا في أوساطهم وأنهم قد يواجهون نفس المصير. ويرى نور الذي تحدث من مكتبه الواسع حيث يدير قناتين ناقدتين للنظام المصري أن الغضب والشجب الدولي على الجريمة منح المنفيين حماية إضافية لأن أي حكومة عربية ستفكر مرتين قبل ملاحقة وقتل معارض لها في المدينة. ويعتبر مكتب نور مقرا للمجلس العربي للدفاع عن الثورات والديمقراطية، وهو مجلس يحاول الحفاظ على روح الربيع العربي. ومن أعضائه توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011 لدورها في الإنتفاضة اليمنية. وتشرف كرمان على قناة “بلقيس” والتي تعرض مقرها الأصلي إلى مداهمة الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014. وتقول كرمان “أهم شيء هو الحفاظ على الربيع العربي حيا ومواصلة القتال من أجل الحرية والديمقراطية”. وفي الوقت الذي يمكن فيه للمعارضين المصريين والسوريين واليمنيين مهاجمة حكومات بلادهم بدون قيود إلا أن منفيين من دول أخرى لا يحصلون على نفس المعاملة بشكل يعكس العلاقات الخارجية التركية. فقد طلب من المعارضين السعوديين الإلتزام بالهدوء حتى لا تتأثر العلاقات التركية مع الرياض حسب منفي سعودي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه. فعندما ارادت تركيا ملاحقة السعودية بعد مقتل خاشقجي اختارت اسلوب التسريبات إلى الإعلام المحلي والدولي ولم تطلب من المعارضين السعوديين انتقاد حكومتهم. وفي الوقت الذي تمنح فيه تركيا مساحة نسبية من الحرية إلا أن الجاذبية لها تنبع من ملامح التشابه بين الثقافتين العربية والتركية. وزاد تدفق3.6 مليون لاجيء لتعزيز الوجه العربي لاسطنبول. وعادة ما تسمع اللغة العربية في بعض شوارعها وتنتشر فيها المطاعم والمخابر والنوادي العربية. ويقول التميمي “يشعر العربي في إسطنبول أنه في بيته”. ولهذا فليس كل المعارضين يريدون مواصلة الكفاح فبعضهم يحاول بناء حياة جديدة. فمجدي نعمة الناطق السابق باسم جيش الإسلام يواصل دراسة الماجستير في جامعة تركية بعدما ترك التنظيم الذي قتل مؤسسه عام 2015.