نيويورك تايمز: الاتحاد الأوروبي يضع ثقته بقيس سعيد ونسي أنه صفق مرة للديمقراطيين في تونس

إبراهيم درويش
حجم الخط
5

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته مديرة مكتبها في القاهرة فيفيان يي، قالت فيه إن تونس طردت المهاجرين الأفارقة إلى منطقة عازلة على الحدود مع ليبيا بدون ماء أو طعام، وتركتهم تحت رحمة الشمس الحارقة ينتظرون الموت. وفي المقابل، وقّعت اتفاقية مع الاتحاد الاوروبي، وافقت فيها على تعزيز الرقابة على حدودها.

ونقلت يي شهادات المهاجرين من ميناء صفاقس والموانئ التونسية الأخرى. وقالت: “على مدى ثلاثة أسابيع تقريبا، يحاول أكثر من ألف رجل وامرأة وطفل البقاء على قيد الحياة في منطقة عازلة على الحدود التونسية. وتمنح عدة أشجار متناثرة نوعا من الظل غير الدائم، حسبما  كشفت الفيديوهات التي التقطها المهاجرون وحرس الحدود من ليبيا المجاورة، وعمال الإغاثة التونسيون الذين يوصلون المياه وبعض الخبز، وغير هذا لا شيء”.

وأرسل المهاجرون الرسائل والمناشدات المتتالية من الهواتف المحمولة التي استطاعوا شحنها. وكتب أحدهم لصحيفة “نيويورك تايمز” يوم السبت: “الرجاء المساعدة، فنحن نموت.. ليس لدينا طعام أو ماء، ونحن عالقون، لو كانت هناك طريقة للمساعدة”، وبحلول يوم الأحد، توقفت الرسائل.

ومع زيادة المخاوف من المهاجرين عبر البحر المتوسط وتكرار ما حدث في عام 2015 و2016، فقد أصبحت الطرق من شمال أفريقيا مصدر قلق للدول الأوروبية، وسط مشاهد بشعة قام بها خفر السواحل في هذه الدول لحرف سفن المهاجرين، كما ترك قوارب تغرق في البحر، في ظل إثارة الساسة في شمال أفريقيا المشاعر المعادية للمهاجرين من دول الساحل والصحراء.

وأصبحت تونس منطقة انطلاق المهاجرين الراغبين بالوصول إلى أوروبا، حيث حلت محل ليبيا التي ظلت المكان المفضل للفارين من النزاعات في سوريا وإثيوبيا وإرتيريا ومن دول الساحل والصحراء. وفي يوم الأحد، وقّعت المفوضية الأوروبية اتفاقية مع تونس يقدم فيها الاتحاد الأوروبي مليار دولار، ووعد بتقوية اقتصاد البلد المترهل وتقوية الرقابة على الحدود.

وقال المهاجر النيجيري كيلفن (32 عاما) العالق بين الحدود التونسية والليبية: “سمعنا جميعا أن رئيسة وزراء إيطاليا دفعت للرئيس التونسي مالا كثيرا لمنع المهاجرين الأفارقة من بلدها”. ومثل بقية المهاجرين الذين يستطيعون دخول تونس بدون تأشيرة، فقد قضى أشهرا وهو ينظف البيوت ويعمل في مواقع البناء في ميناء صفاقس لكي يجمع ما يكفي من المال لتمويل رحلة البحر ودفعه للمهربين حتى يعبر إلى أوروبا. وفي أحد الأيام، جاء تونسيون بدون زي رسمي، وطرقوا على بابه وضربوه حتى تهشم كاحله ووضعوه في حافلة رمته في الصحراء.

وتم تمرير الصفقة رغم اعتراض النواب في البرلمان الأوروبي الذين اتهموا الاتحاد بأنه يتعامل مع رئيس تونس قيس سعيد الذي أظهر ميولا استبدادية وقضى معظم الوقت وهو يشيطن المهاجرين، وقام بتفكيك منجزات الديمقراطية التونسية، مع أن تونس كانت البلد الوحيد الذي خرج من الربيع العربي بمكاسب.

وقامت تونس بنقل عدد من المهاجرين من الصحراء ومنحتهم ملجأ، بعد موجة انتقاد واسعة، كما سمحت للهلال الأحمر التونسي بتقديم بعض المساعدة لهم. وبقي المئات عالقين بدون ملجأ أو طعام.

ورفض الرئيس سعيد الاتهامات بأن تونس عاملت المهاجرين في صفاقس بطريقة فظة، وأكد أنهم عوملوا بإنسانية، مع أن الشهادات من المهاجرين وصور الفيديو والصور الفوتوغرافية تناقض كلامه. واتهمت منظمات حقوق الإنسان خفر السواحل التونسي بانتهاك المهاجرين، بما في ذلك تخريب القوارب أو ضرب ركابها، حتى في ظل مسارعة الدول الأوروبية لتحديث معدات خفر السواحل.

 ولكن أوروبا ترى أن الحد من الهجرة يتقدم أولا وعلى كل شيء. وقال أنطونيو تاجاني، وزير خارجية إيطاليا: “يجب أن نكون براغماتيين”.

ورغم العيوب التي شابت التجربة الديمقراطية التونسية، إلا أن الغرب صفّق لها وأضفى عليها عناية ورعاية ومالا، لكن نقاد سعيد يرون أن كل شيك يكتبه الاتحاد الأوروبي لسعيد يعني التخلي عن الديمقراطية الناشئة التي دعمها مرة، ويقوم بالتضحية بحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية من أجل منافع قصيرة الأمد.

وقال كريس ميرفي، السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونكيتكت الأمريكية: “لو كنا منسجمين في التأكيد على أننا لن ندعم القمع السياسي في المنطقة، فلربما تصرف القادة بطريقة مختلفة”، ودعا ميرفي وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ لتخفيض الدعم عن تونس بسبب أفعال سعيد.

وفي الوقت الذي قطعت إدارة بايدن بعض الدعم عن تونس، إلا أنها ظلت مترددة في اتخاذ مزيد من القرارات خوفا من وقوع تونس تحت تأثير الصين وروسيا. ويؤكد الاتحاد الأوروبي أنه سيكون في وضع جيد للحد من الانتهاكات ضد المهاجرين من خلال العمل القريب مع السلطات التونسية. ويقول الدبلوماسيون في العاصمة تونس، إنه ليس جيدا حجب الدعم عن الشعب التونسي الذي يعاني من نقص المواد الأساسية والدواء. إلا أن بعض النقاد يرون بأن سعيد هو رهان سيئ للعب دور شرطي الحدود، وقد يدفع الناس نحو أوروبا بدلا من إعادتهم لتونس.

وقال طارق المجريسي، الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “سعيد وما يفعله بالبلد هو الدافع الحقيقي للهجرة”، مضيفا أن الأوروبيين يفاقمون الوضع ولا يوفرون الحل له. ولم يفعل سعيد أي شيء لتصحيح اقتصاد البلد الذي ينهار حتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا الذي زاد من التضخم في العالم. ورفض رزمة مساعدات بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لأنها اشتملت على ما أسماها “إملاءات”. ونظرا للصورة القاتمة لتونس، فإن الكثير من التونسيين وصلوا أوروبا العام الماضي أكثر من أي وقت مضى. وقال محمد هويدي، 44 عاما: “آمل أن أغلق عينيي وأجد نفسي في إيطاليا.. لا أمل، لا أفق، ولا مستقبل في البلد”.

وفي ظل سعيد، أصبحت تونس محطة العبور الأولى لأوروبا، بحسب بيانات الاتحاد الأوروبي التي كشفت عن أن تونس هي أكبر مساهم في خطوط الهجرة الرئيسية لأوروبا، حيث تضاعفت القوارب القادمة منها عن الوقت السابق. وزاد عدد القوارب المتجهة نحو أوروبا بسبب النظرة المتزايدة من أن البلد يظل معبرا أكثر سلامة من ليبيا.

وزادت رحلات العبور بشكل متتابع بعد تصريحات سعيد في شباط/ فبراير من أن المهاجرين القادمين من دول الساحل والصحراء يحاولون تغيير الطابع السكاني والثقافي لتونس. وعكست تصريحاته نظريات المؤامرة التي يحملها اليمين المتطرف في أوروبا، بأن هناك مؤامرة لاستبدال السكان البيض بمهاجرين من أفريقيا أو ما تعرف بنظرية الاستبدال العظيم.

وبعد تصريحاته، تم الاعتداء على المهاجرين والطلاب وحتى من يعملون بطريقة شرعية، ونهبت بيوتهم وتعرضوا للضرب والطرد. ونفى سعيد من أن تصريحاته عنصرية، لكنه أشار إلى أن المهاجرين لم يعد مرحبّا بهم “تونس ليست شقة مفروشة للبيع أو الإيجار”.

ولا يعرف إلى أي مدى سيعمل سعيد مع الاتحاد الأوروبي، فقد قال هذا الشهر إنه لن يقوم بحراسة أي حدود غير الحدود التونسية. وتصريحات كهذه أثارت إحباط المانحين الأوروبيين، ويقول المسؤولون إن تونس قادرة على وقف الهجرة من صفاقس، إلا أنها تتمنع من أجل الحصول على تنازلات.

ولا تبدو تونس متعجلة في استكمال رزمة الإنقاذ من صندوق النقد الدولي التي تعتمد عليها حزمة الاتحاد الأوروبي الذي يدفع 200 مليون دولار لتونس.

ويرى آخرون إن سعيد يحاول إنقاذ شعبيته المتراجعة من خلال رفض التأثير الأجنبي وجعل المهاجرين كبش فداء. ومرة أخرى يتم الاعتداء على المهاجرين في صفاقس وطردهم من منازلهم، واضطر الكثير منهم للتوجه نحو البحر، كما تقول جماعات حقوق الإنسان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية